أيها الإخوة:
إن الله عز و جل إذا أراد بإنسان خيرا عميما جما أدخل في قلبه التقوى ، و حبب إليه التقوى، فإن التقوى إذا دخلت قلب إنسان حولته من إنسان إلى آخر , من إنسان بليد الشعور إلى إنسان مرهف الحس والشعور ، ومن إنسان منحرف السلوك إلى إنسان مستقيم السلوك , ومن إنسان طاغ إلى إنسان مقتصد أو سابق بالخيرات ، ومن إنسان مبتدع إلى إنسان متبع للنبي صلى الله عليه وسلم , ومن إنسان عاص إلى إنسان مطيع , ومن إنسان قاسي القلب إلى إنسان خاشع لين القلب , ومن إنسان شارد من الله إلى إنسان مخبت منيب ، هكذا تعمل التقوى عملها في الإنسان.
وأصل هذه التقوى القلب ، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يشير بيده إلى صدره ويقول ثلاثا :
[ التقوى ها هنا,التقوى هاهنا ,التقوى
هاهنا] رواه مسلم .

فالتقوى في دين محمد -صلى الله عليه وسلم- أصلها في القلب والتعبير عنها يكون باللسان , وثمارها على الجوارح , فلا يمكن أن نتصور أن يكون في القلب تقوى , ولا تظهر هذه التقوى على لسانه وجوارحه ، فالباطن والظاهر متلازمان فمتى صلح الباطن صلح الظاهر , قال النعمان بن بشير – رضي الله عنه – : قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله , وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب] رواه الستة.
واعلموا – يا رحمكم الله – : أن أبغض الكلام عند الله عز وجل ومن أكبر الذنوب عند الله عز وجل أن يقول الرجل للرجل : اتق الله , فيقول له : أنت تنصحني , عليك بنفسك!!
لقد أخرج ابن منده في التوحيد وغيره وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : [ إن أبغض الكلام إلى الله عز وجل أن يقول الرجل للرجل : اتق الله ؛ فيقول : عليك بنفسك!!]. وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن مسعود -رضي الله عنه – قال : [ إن من أكبر الذنوب عند الله أن يقول الرجل لأخيه : اتق الله فيقول : عليك بنفسك ,أنت تأمرني؟!!]؛
قال الشيخ العلامة ابن عثيمين في تفسير سورة البقرة في قوله تعالى: /color][color=red]وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ، فحسبه جهنم[/color][color=black.
قال : [ من فوائد الآية :التحذير من رد الناصحين ،لأن الله تعالى جعل هذا من أوصاف هؤلاء المنافقين ، فمن رد آمرا بتقوى الله ففيه شبه من المنافقين،والواجب على المرء إذا قيل له : اتق الله أن يقول :سمعنا وأطعنا ، تعظيما لتقوى الله عز وجل ].انتهى كلامه – رحمه الله تعالى-.
و بالمقابل نبه العلماء على خطأ يقع فيه كثير من الناس،وهو استخدام هذه الكلمة في غير محلها،فربما تمازح اثنان فيقول أحدهما للآخر : اتق الله !،ولربما أخطأ فأعطاه بدل العصير ماء فيقول له :اتق الله!،ولا شك أن مثل هذه الكلمة العظيمة إنما تقال في الأمور العظيمة والمهمة ، ولا تقال في كل ما هب ودب.
قال الشيخ العلامة ابن عثيمين في ” تعليقاته على كتاب السياسة الشرعية ” : [بعض الناس يقول اتق الله حتى في المباحات مثل : شرب الشاي أو غير ذلك . إذا أدى الحال إلى الاستخفاف بها لكثرة تداولها بين الناس ، بحيث تقال في مكان ليس محلا لها ، فلا تقال ]اهـ.
عباد الله سلوا الله التقوى فإن نبيكم – صلى الله عليه وسلم – كان يسألها في دعائه كما أخرج ذلك عنه الإمام مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ من حديث عبد الله بن مسعود أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقول : [ اللهم إني أسألك التقى،والهدى , والعفاف , والغنى ].

اللهم إنا نسألك التقى و الهدى و العفاف والغنى.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.