قال علامة الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي في آخر رسالته ( المسح على الجوربين والنعلين ) :
لا يخفى أن الرخص المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم هي نعمة عظمى في كل حال وعلى أي حال ، وإنما يظهر تمام نعمة تشريعها في بعض الأحوال مثل رخصة المسح على الجوربين في أيام البرد وأوقات السفر وحالات المرض أو تشقق القدم أو قشف الرجلين أو تورمهما مما يعرض ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم السرية الذين شكوا إليه ما أصابهم من البرد أن يمسحوا على العصائب والتساخين كما قدمنا ، وقال من صحب عكرمة رضي الله عنه إلى واسط : ما رأيته غسل رجليه ، إنما يمسح عليهما حتى خرج منها : رواه ابن جرير في تفسيره …

وقد يظن قوم أن التشدد في العزائم ومجافاة الرخص من التقوى ، وحاشا الله ، كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم ، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه )
وعنه صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه )
وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته )
وقال صلى الله عليه وسلم : ( هلك المتنطعون )
نعم يوجد من خيار العباد ، ذوي الجد والاجتهاد ، من لا يأخذون إلا بالعزائم ، لا زهداً في المأثور ، ولا رغبة عن المرخص فيه المبرور ، بل تربية للنفس على الأفضل ، وأخذاً بها إلى الأمثل والأكمل ، وهو ما يسميه الفقهاء بالاحتياط ، والخروج من الخلاف ، إيثاراً لما يكون فيه إجماع وائتلاف . وأصله ما صح في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى ترم قدماه ، فقيل له : أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقول : ( أفلا أكون عبداً شكوراً ) ؟ .
جعلنا الله من عباده الشاكرين ، وفقهنا في الدين ، وحشرنا مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، والحمد لله رب العالمين .


قال الفقير إلى رحمة ربه مرور الكرام :
وكلام العلامة القاسمي رحمه الله هو فيما جاء فيه من الشارع رخصة كمثل المسح على الخفين وكقصر الصلاة وجمعها وكالفطر في السفر وكالأكل من الميتة لإنقاذ النفس من الهلكة …

وأما الترخص والتيسير الذي يدندن حولهما أهل الصحافة ومن تشبه بهم من المنسوبين إلى العلم فهو مورد الذم كما في الخطبة … نسأل الله الثبات على الحق إلى الممات …