انعكاسات نشر أخبار الجريمة على صورة المجتمع


في الحلقة السابقة تناولنا تحت عنوان “العلاقة بين نشر أخبار الجريمة والصورة الذهنية” , الجزءَ الأول من الورقة التي قدَّمها الأستاذ المساعد في قسم الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية, والمستشار الإعلامي لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدكتور ياسر علي الشهري إلى الحلقة العلمية التي نظمتها كلية الدعوة والإعلام تحت عنوان: (نشر أخبار الجريمة الخلقية وقضاياها) في محرم 1431هـ, وقد جاءت الورقة تحت عنوان “الانعكاسات المتوقعة لنشر أخبار الجريمة الخلقية في المجتمع السعودي على صورته لدى الآخرين”, وفي هذه الحلقة نستعرض المحور الثاني للورقة, وهو: الانعكاسات المتوقعة لنشر أخبار الجريمة الخلقية في المجتمع السعودي على صورته لدى الآخرين, وذلك فيما يلي:

“تبذل المؤسسات الحكومية في المجتمع السعودي، والشركات والمؤسسات الأهلية، جهودًا كبيرة (علمية وعملية) في سبيل تحسين صورتها، وينفق على ذلك مبالغ طائلة، وهذا الإغراق في الاهتمام بـ”الصور الخاصة” لكل مؤسسة؛ أدّى إلى إهمال الصورة العامة، أو عدم وجود جهة معنية بذلك، فمثلاً الصحيفة التي تسعى إلى بناء صورة في أذهان الجمهور؛ عن مهنيتها وواقعيتها، عزلت نفسها عن المصلحة العامة، واختزلت وظيفتها في تقديم نفسها للظفر بأكبر قدر من جمهور الصحافة في المجتمع، وهكذا بعض المؤسسات تضطر إلى التضحية بالصورة العامة لتبرّر أفعالها وممارساتها والأخطاء التي يقع فيها موظفوها.

لقد تَنَبّهت وزارة الإعلام لذلك مؤخرًا، فبادرت إلى مجموعة من التغييرات والسياسات لتشكيل صورة جديدة عن المجتمع السعودي، وإن كانت أيضًا– من وجهة نظري- غير واقعية في بعض جوانبها، إلا أنها تقوم على تفادى الكشف عن السلبيات في المجتمع، وهذا نتيجة لِما يعانيه المجتمع من النشر غير المدروس للوقائع السلبية التي تقع من الأفراد والمؤسسات.

الصورة المتكونة عن السعوديين في أذهان المقيمين

وبحسب دراسة (الدكتور عبد الرحمن العبد القادر 1430هـ) التي حلّلت أبعاد الصورة المتكونة عن السعوديين لدى المقيمين في المملكة العربية السعودية، من خلال خمسة أبعاد: (الثقة، الالتزام، الرضا، علاقة التبادل، العلاقات المجتمعية)، فقد استفادت هذه الورقة من هذه الأبعاد، وقامت على توقع انعكاسات نشر أخبار الجريمة الخلقية في المجتمع السعودي على صورته لدى الآخرين عبر مجموعة من المؤشرات لكل بُعْد من الأبعاد الخمسة.

ويقصد الباحث ببعد “الثقة” في هذه الورقة بأنّه “الواقع الذي يترسخ نتيجة احترام الآخر للمجتمع السعودي، لقناعته بامتلاكه قيمًا ومثلاً جديرة بالاحترام، وقدرة أفراده على تجسيد هذه القيم والمُثل”. ويرى الباحث أنّ أبرز الانعكاسات التي يمكن أن يخلفها النشر غير المدروس لأخبار الجريمة الخلقية في المجتمع السعودي على بعد ثقة الآخرين بالسعوديين، وتتمثل في ضعف ثقة الآخرين بالسعوديين في مستوى تديُّن أفراد المجتمع, ومستوى مصداقية أفراد المجتمع, ومستوى أمانة أفراد المجتمع, ودرجة وعي أفراد المجتمع.

ويقصد الباحث بالالتزام: “التزام المجتمع السعودي بالأنظمة والأخلاقيات العامة والاتفاقيات التي تحكم تعامل أفراده فيما بينهم ومع الآخرين”, ويرى أنّ أبرز الانعكاسات التي يمكن أن يخلفها نشر أخبار الجريمة الخلقية في المجتمع السعودي على بُعد التعهُّد والتزام السعوديين بالأحكام والقوانين التي تنظم علاقتهم مع الآخرين، تتمثل في حمل الآخرين صورة سلبية في مستوى الوفاء بالوعد, وترتيب الجنسيات من حيث الرغبة في بناء العلاقات, ودرجة الرغبة في التعامل معهم, ومستوى انسجام المجتمع أو تناقضه مع مبادئه.

ويقصد بالرضا: “الشعور بالغِبْطة تجاه المجتمع السعودي من قبل الآخرين”. ويرى الباحث أن أبرز الانعكاسات التي يمكن أن يخلفها نشر أخبار الجريمة الخلقية في المجتمع السعودي على بُعد رضا الآخرين عن السعوديين، تتمثل في درجة السرور بالعلاقة مع السعوديين, ودرجة الرغبة في زيارة وطنهم, ومستوى تجسيد المبادئ والقيم التي يعلن المجتمع التمسك بها, درجة ولاء وتعاطف الآخرين مع السعوديين خاصة في الأزمات والمِحَن.

ويقصد بعلاقة التبادل: “ارتباط الآخرين مع أفراد المجتمع بمصالح أو منافع متبادلة، والوصول إلى حالة من التفاهم الذي يضمن توقع نتائج العلاقة”. ويرى الباحث أنّ أبرز الانعكاسات المتوقعة التي يمكن أن يخلفها نشر أخبار الجريمة الخلقية في المجتمع السعودي على بُعد علاقات التبادل بين السعوديين والآخرين، وتتمثل في درجة الاستفادة من العلاقة مع السعوديين, ومستوى توقع الحصول على ما يقابل التعامل الطيب مع السعوديين, درجة التفاهم مع السعوديين, درجة اعتناء السعوديين بعلاقتهم مع الآخرين.

ويقصد بالعلاقات المجتمعية: “دخول الآخرين في علاقات تبادل خدمات تطوعية مع السعوديين، وتحقيق المصالح الشخصية لبعضهم البعض، والتعاون المثمر”. ويرى الباحث أنّ أبرز الانعكاسات التي يمكن أن يخلفها نشر أخبار الجريمة الخلقية في المجتمع السعودي على هذا البُعد؛ وتتمثل في درجة توقع تقديم السعوديين خدمات تطوعية للآخرين, مستوى استغلال السعوديين للآخرين لتحقيق مصالح شخصية فقط, درجة الانشغال بالمساهمة في تنمية بلادهم, ودرجة حاجة السعوديين لغيرهم لرفع مستوى وَعْيهم, ودرجة تصديق التشويهات التي تتعرض لها صورة المجتمع السعودي من بعض الأطراف الإقليمية والعالمية.

الخلاصة والتوصيات

بناءً على خُلوص الورقة إلى تأكيد العلاقة بين مضامين وسائل الإعلام وبعض الصور التي تتكون في أذهان جمهور هذه الوسائل، خاصة النشر السلبي والأحداث المثيرة؛ فإنّه يمكن القول إنه كلما اتسع نشر أخبار الجريمة الأخلاقية في مجتمعنا– دون دراسة- سيؤدي ذلك إلى تكوين إطار من المعاني والصور حول المجتمع السعودي لدى الآخرين، وسيؤدي ذلك إلى مجموعة من الاستجابات (انعكاسات) السلبية في عمليات التفاعل المختلفة مع السعوديين. كما أن النشر غير المسئول لأخبار الجريمة الخلقية سيمنح المنافسين فرصة استثماره ومعالجته إعلاميًا بطرق وأساليب تخدم أهدافهم.

وبحسب الدراسات التي رصدتها في هذه الورقة فإنّ المواد المنشورة عن الجرائم الخلقية في المجتمع يمكن أن تؤثّر إذا ما تكاملت مجموعة من العوامل، فإذا لم يكن هناك فرص كافية للاتصال الشخصي والتواصل المباشر مع أفراد المجتمع السعودي, وإذا ما تكاملت هذه المواد مع معلومات وخلفيات سابقة في السياق ذاته لدى المتلقي, وإذا كانت الرغبة في تشويه صورة المجتمع السعودي موجودة مسبقًا لدى الأفراد أو بعض الجهات, أو كانت المعلومات صادرة عن جهات موثوقة لدى المتلقي، أو من داخل المجتمع السعودي, وإذا كانت جهة النشر تمارس تعميم الأخطاء الفردية على المجتمع، فسيكون جمهور وسائل الإعلام ضحية لذلك؛ لأن الغالب على عموم الناس ضعف إدراك الأشياء كما هي في الواقع، إما لضعف مستوى المتلقي فكريًا، أو لحالته المزاجية والنفسية أثناء التلقي، فيكون ذلك سببًا في تعميم بعض الصور على المجتمع, أو إذا ضعفت المعالجة الإعلامية (النشر غير الذكي)، أو استغلال الجوانب المثيرة في الحدث لاستقطاب الجمهور، على حساب القيم والأخلاقيات.

وعليه أوصي بعدد من التوصيات: فيجب ألا تنشر أخبار الجريمة الخلقية كما وقعت، بتفاصيلها ولا مختصره، مهما كان إلحاح الإعلاميين، ودون اعتبار لرغبة الجمهور في معرفة أخبار الجريمة الخلقية لأنها (غير مشروعة) و(غير سوية)، وأن تكون مهام الإعلام محصورة في تحذير المجتمع من انتشار ظواهر معينة بطرق ذكية تبين للناس المخاطر التي يجب عليهم أن يحموا أنفسهم وأسرهم منها، حفظًا للصورة العامة للمجتمع. وأن يُجَرِّم المجتمع بمؤسساته وأفراده نشرَ أخبار الجريمة الخلقية كما وقعت، سواء كان النشر لكامل تفاصيل الجريمة أو لبعض أجزائها، وأن يضع العقوبات التي تتوافق مع بشاعة جريمة التشهير وإشاعة الفاحشة.

كذلك أوصي بأن تَحمي جهات الضبط في المجتمع حقوق الأفراد الذين يضبطون مخالفين للأنظمة، فليس لهذه الجهات حق النشر عن المتهمين قبل أن يصدر حكم القضاء بإدانتهم، وليس لها حق النشر بعد إدانة المضبوطين؛ لأن ذلك من اختصاص القضاء”.

المصدر: الإسلام اليوم