يارب..

د. سلطان بن حباب الجعيد
1446/09/20 - 2025/03/20 17:41PM

الحمدُ للهِ السميعِ البصيرِ، القريبِ المجيبِ، الغنيِّ الكريمِ، البَرِّ الرحيمِ، الرؤوفِ اللطيفِ.

الحمدُ للهِ مُغيثِ الملهوفينَ، وكاشفِ الكَربِ عنِ المكروبينَ، ومُجيبِ دعوةِ الداعينَ.

والصلاةُ والسلامُ على أكثرِ الخَلقِ تَقَرُّبًا إلى اللهِ وتَزَلُّفًا بين يديه، من سَمِعَ اللهُ دُعاهُ، وأجابَ نِداهُ، فرفعَهُ وأدناهُ.

صلاةً وسلامًا بعددِ ما جَأَرَتْ إلى اللهِ الأصواتُ، وارتفعتْ إليهِ النداءاتُ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.

أيُّها الصائمونَ، اتَّقُوا اللهَ، فهي السبيلُ إلى الفَرَجِ والرِّزقِ، قالَ تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢-٣].

وبعدُ:

ياربُّ…

كم يُذيبُ هذا النداءُ الفُؤادَ؟!

وكم يُشْعِرُكَ بالأمانِ والفَرَجِ والفَرَحِ؟!

نداءٌ لا يذهبُ سُدًى؛ لأنَّ ربَّكَ سميعٌ، ولا تحتاجُ معهُ للصُّراخِ؛ لأنَّ ربَّكَ قريبٌ. نداءٌ بلا يأسٍ؛ لأنَّ ربَّكَ مجيبٌ. نداءٌ غيرُ خاضعٍ لِقَوانِينِنا وحِساباتِنا؛ لأنَّ ربَّكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ.

بهذا النداءِ تَضَعُ حدًّا لآلامِكَ، وأوجاعِكَ، وأحزانِكَ، وذنوبِكَ، وآثامِكَ.

فيا لحسرةِ مَنْ ذهبَ نِداؤُهُ لغيرِ اللهِ، يَطلبُ منهُ المَدَدَ، والفَرَجَ، والعَونَ، والبَرَكَةَ؛ فمَنْ غيرُهُ قريبٌ كقُرْبِهِ؟ ومَنْ غيرُهُ سميعٌ كَسَمْعِهِ؟ ومَنْ غيرُهُ قادرٌ كقدرَتِهِ: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤].

أيُّ شأنٍ عظيمٍ لنا كعبيدٍ، أنَّ اللهَ في كِبْرِيائِهِ وعَظَمَتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ، يَسمَعُ أصواتَنا. ونكونُ في تلكَ اللحظةِ التي نَهتفُ فيها: “ياربُّ” في اتصالٍ مباشرٍ معهُ سبحانهُ وتعالى.

نتحدثُ عن الدعاءِ؛ لأننا مذنبونَ، والمغفرةُ بيدِهِ سبحانه.

ولأنَّنا ضالُّونَ، والهدايةُ بيدِهِ.

ولأنَّنا مكروبونَ، والفَرَجُ بيدِهِ.

ولأنَّنا مرضى، والشفاءُ بيدِهِ.

ولأنَّنا فُقَراءُ، والرِّزقُ بيدِهِ.

ولأنَّنا مُؤَمِّلُونَ ومُتَمَنُّونَ وطَمُوحُونَ، والخيرُ بيدِهِ.

نتحدَّثُ عن الدعاءِ؛ لأننا في شهرِ الدعاءِ.

يقولُ اللهُ تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].

يقولُ ابنُ كثيرٍ - رحمهُ اللهُ - عندَ هذهِ الآيةِ:

(وفي ذِكْرِهِ تعالى هذهِ الآيةَ الباعثةَ على الدعاءِ، مُتَخَلِّلَةً بينَ أحكامِ الصيامِ، إرشادٌ إلى الاجتهادِ في الدعاءِ عندَ إكمالِالعِدَّةِ، بل وعندَ كلِّ فِطْرٍ).

ياربُّ…

يَسمعُها الرَّحيمُ، الذي يَحُوطُنا بحنانِهِ ولُطْفِهِ وعِنَايَتِهِ، وهو أرحمُ بنا من أنفسِنا ووالدِينا والناسِ أجمعينَ.

ياربُّ…

يَسمعُها الغنيُّ الكريمُ، الذي بيدِهِ خزائنُ السَّماءِ والأرضِ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ.

أيُّها الإخوةُ، قصَّ اللهُ علينا في القرآنِ نداءاتِ أنبيائِهِ ورُسُلِهِ له - عليهمُ السلامُ ، وكيفَ استجابَ لهم؟!

كم في قصصِ هذهِ النِّداءاتِ من أملٍ؟!

وكم تنبعثُ من خلالها نَسائمُ الفَرَجِ؟!

تَكشِفُ عن عَظِيمِ لُطْفِ اللهِ، وقُرْبِهِ، وكَرَمِهِ، ورَحْمَتِهِ، وتُغْرِينَا بالدعاءِ والإلحاحِ.

ناداهُ نوحٌ: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥].

بعدَ أنْ كابَدَ وعانَى في الدَّعوةِ إلى اللهِ ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا، فيُجيبُ اللهُ نِداءَهُ قائلًا:

﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦].

ويُعيدُ اللهُ علينا، في موضعٍ آخرَ، دُعاءَهُ: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغلوبٌ فَانتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، فيأتي الجوابُ: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ۝ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١-١٢].

وزكريَّا عليهِ السَّلامُ، الَّذي حُرِمَ الوَلَدَ، فَناداهُ بخفاءٍ ورجاءٍ: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩]، فجاءتِ الإجابةُ كذلكَ مُبَاشرةً: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].

وأيُّوبُ عليهِ السَّلامُ، الَّذي أنهكَه المرضُ والوجعُ، فرفعَ شَكْوَاهُ إلى ربِّهِ، فأجابهُ وشَفَاهُ: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣-٨٤].

ويونسُ عليهِ السَّلامُ، الَّذي هَتَفَ بهِ وهوَ في كُرْبَةٍ، فلمْ يُخَيِّبْ نِدَاءَهُ، فأنجاهُ وفرَّجَ عنهُ: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧-٨٨].

أيُّها الصَّائمُ المُبارَكُ، إنَّ الَّذي استجابَ لهؤلاءِ الأنبياءِ الكِرامِ، لا يَزالُ قَريبًا مُجيبًا سميعًا.

وكما أنَّهُم عَبيدُهُ، فأنتَ أيضًا عَبْدٌ لهُ، وكما استجابَ لهُم؛ فسيستجيبُ لكَ.

وكأنَّ اللهَ بهذهِ القِصَصِ وغيرها، يقولُ لكلِّ مريضٍ: سَأَشْفِيكَ كما شَفَيْتُ أيُّوبَ!

ولكلِّ مَحرومٍ منَ الوَلَدِ: سَأَرْزُقُكَ كما رَزَقْتُ زكريَّا!

ولكلِّ مَكْروبٍ: سَأُفَرِّجُ عنكَ كما فَرَّجْتُ عن يونس!

ولكلِّ مَظْلومٍ: سَأَنْتَصِرُ لكَ كما انتَصَرْتُ لنوحٍ!

ولكلِّ طَموحٍ، مَهْمَا كانَ طُموحُهُ وأمَلُهُ: سَأَهَبُ لكَ كما وَهَبْتُ لسُليمانَ مُلْكًا لا ينبغي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ!

ولكلِّ مَنْ يُعَاني الوَجْدَ والفَقْدَ: سَأُذْهِبُ حُزْنَكَ وأرُدُّ عليكَ أَحْبَابَكَ، كما رَدَدْتُ يُوسُفَ ليَعْقُوبَ.

وكلُّ ما عليهمْ فعلُهُ فقطْ، أنْ يرفعوا أيديَهُم بصِدْقٍ، كما فَعَلَ هؤلاءِ الأنبياءُ الكِرامُ، قائلينَ: “ياربُّ”.

وممَّا يُعَظِّمُ الرَّجاءَ في اللهِ في هذهِ القِصَصِ، ويُغْرِي بالمزيدِ من سُؤَالِهِ وطَلَبِهِ، أنَّ اللهَ - لو تأملنا - لمْ يُعْطِ هؤلاءِ الأنبياءَ عليهمُ السَّلامُ، ما سَأَلُوا فقطْ، بلْ أعْطاهُم ما سَأَلُوا، وفَوْقَ ما سَأَلُوا.

فَزَكَرِيَّا عليهِ السَّلامُ أرادَ وَلَدًا فقطْ، فكانَ وَلَدًا ونَبِيًّا وسَيِّدًا وحَصُورًا ومِنَ الصَّالِحِينَ، وأَصْلَحَ اللهُ لهُ زَوْجَهُ.

وأيُّوبُ عليهِ السَّلامُ أرادَ الشِّفَاءَ فقطْ، فَشَفَاهُ اللهُ وأتَاهُ أَهْلَهُ ومِثْلَهُم معهُم.

ويونسُ عليهِ السَّلامُ أرادَ النَّجَاةَ فقطْ مِنْ بَطْنِ الحُوتِ، فأنْجاهُ اللهُ وبَعَثَهُ إلىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا.

ولا غَرَابَةَ في كُلِّ ذلكَ، فإنَّهُم سَأَلُوا الكَرِيمَ، الَّذي إذا أعْطَىٰ أَدْهَشَ بعَطَائِهِ.

بَارَكَ اللهُ لي ولكُم في القُرْآنِ الكَرِيمِ

 


الثانية

وبعدُ:

أيها الصائمونَ، دخلتِ العَشْرُ، بلياليها العظيمةِ المباركةِ، التي يكثرُ فيها خيرُ ربِّنا وعطايَاهُ.

العَشْرُ التي فيها ليلةُ القَدْرِ، التي يُفرَقُ فيها كلُّ أمرٍ حكيم، وهي خيرٌ من ألفِ شهرٍ، فَيا لخسارةِ من فاتَتْهُ هذهِ الفضائلُ والمَكْرُمَاتُ!

أيها الراجونَ رحمةَ اللهِ، الدعاءُ في هذهِ العشرِ الأخيرةِ، بأيامِها ولياليِها، من أَرْجَى الدعاءِ.

فأقبلوا على اللهِ بصِدْقٍ، وادعوهُ بقلوبٍ خاشعةٍ، حاضرةٍ، وتحرَّوا أفضلَ الأوقاتِ، وافتتحوا دعاءَكم واختموهُ بالثناءِ على اللهِ، والصلاةِ والسلامِ على رسولِ اللهِ، وقدِّموا بين يَدَيْ نَجْوَاكُمْ للهِ صدقاتٍ، وإيَّاكُمْ والتعدِّي في الدعاءِ، وتَخَلَّصُوا من المالِ الحرامِ؛ فإنَّهُ مَنْ طَيَّبَ مَطْعَمَهُ، أجابَ اللهُ دُعَاءَهُ، َولَا تَنْسَوْا إِخْوَانَكُمُ الْمَكْلُومِينَ وَالْمَظْلُومِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنْ دُعَائِكُمْ، وَخَاصَّةً فِي غَزَّةَ الْعِزَّةِ وَفِلَسْطِينَ الْكَرَامَةِ

فيا مَنْ أقضَّ مَضْجَعَكَ الهَمُّ، أو المرضُ، أو الدَّيْنُ، الدعاءُ البابُ الذي لا يُوصَدُ، والحَبْلُ الذي لا يَنْقَطِعُ.

بِدَعْوَةٍ صادقةٍ، في هذهِ الليالي، ستكونُ _ بإذن الله_آخرَ عَهْدِكَ بهَمِّكَ، وحُزْنِكَ، ومَرَضِكَ، وأوَّلَ الليالي التي تَسْتَقْبِلُ فيها فَرَحَكَ، وفَرَجَكَ، وتَحَقِّقِ أمَلِكَ، ومَغفرِةِ ذَنْبِكَ.

فلنستغلَّ هذهِ اللياليَ المباركةَ، برحماتِها المُتَنَزِّلَةِ، وخَيْرِهَا العَمِيمِ، ونَهْتِفَ بصِدْقٍ قائلينَ: “ياربُّ”.

اللهم ..

المرفقات

1742481701_‎⁨المستند (13)⁩.docx

المشاهدات 456 | التعليقات 0