وَهَلْ أولامُ بِحُبِّه؟ ــ وحديث عن التستر التجاري

أيها المسلمون:

نفسُ الكريمِ تتوقُ للعلياءِ  **  وإلى مراقي السؤددِ الشماءِ

لا يهنأُ الحُرُّ في عيشٍ يطيبُ لَهُ  **  ما لَمْ يُؤَمِّنَهُ مِن حادِثِ الغِيَرِ

ومُؤمِنٌ في روضةِ مِن نعيمِ الإيمانِ قد طابَ فيها مُقامُهُ، مُطمئنُ القلبِ، قَرِيْرُ العَيْنِ، مُنشرِحُ الفؤادِ.   يُحِبُّ رَبَّهُ الذي رَبَّاهُ بالنِّعَمِ، ويُحبُّ رَسولَهُ الذي قد قَادَ لِلْقِيَمْ

مؤمنٌ.. يؤمن أنَّ بَعْدَ هذه الحياةِ حياةٌ. وأن خَلْفَ هذي الدارِ دارٌ. وأنَّه لا طِيْبَ للعيشِ في الأخرى.. إنْ لَمْ يَكُن في جوارِ المصطفى السَّكَنُ.  حُبٌّ لِخيرِ البرايا سَيِّدِ البشرِ.. مَن قادَ البشريةَ نحوَ خالِقِها، مَنْ جاءَهُ الوحيُّ من رَب العالمينَ،

مَنْ طَهَّرَ النفسَ مِن رجسٍ ومِنْ دَنَسٍ  ** مَن هذَّبَ الروحَ بالآياتِ والسورِ

مَن أظهرَ الحقَّ حَقّاً لا يَرِيْبُ بِهِ  **  إلا شقيٌّ غَويُّ القلبِ في سَقَرِ

مُؤمِنٌ في رَوْضَةٍ مِن نعيمِ الإيمانِ.. تعاظَمَ حُبُّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في قلبِه.. فهو يفديِهِ بالروحِ والأهلِ والمالِ وما مَلَك. نَفسُهُ للقيا الرسولِ تتوقُ، وروحُهُ لمصاحبته في الجنةِ تَتَشَرَّف. 

هذا الرسولُ وهَلْ أُلامُ بِحُبٍّهِ؟!  **  لولا الرسولُ لما اهتديتُ سبيلا

حُبُّ الرسولِ إيمانٌ.. وعلى قدرِ إيمانِ المرءِ يزدادُ حُبُّهُ لِرَسُولِهِ، تَبَّاً لكُلِّ مُخالِفٍ فَتَّانِ. عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يُؤْمِنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولدِهِ، ووالدِهِ، والناسِ أجمعينَ) رواه البخاري

حُبُّ الرسولِ غِذاءُ الروحِ وروحُ الحياةِ.  حُبُّ الرسولِ مقامُ العارِفِ الفَطِنِ. يرتقي بِهِ المؤمِنُ إلى أكرم المنازِلِ في دارِ النعيم. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ ــ أَيْ لَمْ يَعْمَلْ بِعَمَلِهِم ــ  فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) رواه البخاري ومسلم   وعن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ البَادِيَةِ أتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةٌ؟ قالَ: ويْلَكَ! وما أعْدَدْتَ لَهَا؟ قالَ: ما أعْدَدْتُ لَهَا إلَّا أنِّي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ، قالَ: إنَّكَ مع مَن أحْبَبْتَ. فَقُلْنَا: ونَحْنُ كَذلكَ؟ قالَ: نَعَمْ. فَفَرِحْنَا يَومَئذٍ فَرَحًا شَدِيدًا..) رواه البخاري

إنَّهُ حُبُّ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. حُبٌّ يُخالِطُ شِغافَ القلبِ ويسري عُرُوْقِه. حُبٌّ صادقٌ.. لا يَفتَرِيْهِ دَعِيٌّ، ولا يَتَصَنَّعُهُ كاذِب. حُبٌّ تُجَلِّيْهِ استجابةٌ ويختَبِرُهُ انقياد. ويكشِفُهُ ابتلاءٌ وتُظْهِرُهُ شَرِيْعَة.  (ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجدَ حَلاوةَ الإيمانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحبَّ إِليهِ مما سِوَاهُمَا.. الحديث) رواه البخاري ومسلم

(أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحبَّ إِليهِ مما سِوَاهُمَا..) كَم تهاوى أمامَ هذا الشرطِ دَعِيٌّ، وكَمْ تَكَشَّفَ أمامَه مِن جهولٍ. يَمْتَطِيْ صهوةَ الهوى في غرورٍ.  يَتَمَطى بلهوِهِ لا يُبالي.  يَدَّعِي سَبْقَ المحبةِ للرسولِ.. فإذا لاحَ للنفسِ داعي الهوى صارَ آبِق. {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ ..}

عباد الله: أَصْدَقُ الناسِ حُبّاً لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم صحابَتُهُ الكِرام.. أبو بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ وعليّ.. والمُهاجِرونَ والأنصار. اتَّبَعُوْهُ في ساعةِ العُسْرَةِ. بايَعُوهُ في المنشطِ والمَكْرَه، قال عَمْرو بنُ العاصِ رضي الله عنه : ما كانَ أحدٌ أحبَّ إليَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا أَجَلَّ فِي عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيْقُ أَنْ أَمْلأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلالاً له، ولو سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ ما أَطَقْتُ، لأَني لَمْ أَكُنْ أَمْلأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ) رواه مسلم

فَلَمْ تَتَجَلَّ حقيقةُ محبتِهِم لِرَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في ابتداعٍ في الدِّين، ولا في افتياتٍ على رسُولِ ربِّ العالمين،  تَجَلَّت محبّتِهِم لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم في نُصْرَتِهِ، وفي نَشْرِ دِيْنِهِ، وفي اتباعِ سُنّتِهِ، وفي الذَّبِّ عن حدودِ شَرِيْعَتِه. لا يُرْفَعُونَ قَوْلاً فوقَ قَوْلِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا يُقدِّمونَ رأياً بين يديه. القولُ ما قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حُباً وإيماناً وانقياداً وطاعة. والأمرُ ما بِهِ الرسولُ أَمَر. {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}

فما المُحِبُّ لِرَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلا مُتَّبِعٌ لا مُبْتَدِع. ساءَ صَنِيْعُ قومٍ غَرِقوا في جَهلِهم لا يرعوون. حَسِبوا الحُبَّ شعاراً في يوم مولِدِه يَتَجدد. في احتفالٍ لَمْ يسبقْ إليه صحابيٌ ولَم يأمرْ بِه خَيرُ الورى. نَسَجُوا الحُب في ابتداعٍ مُرِيْبٍ. أطربوا فيه عُقُولاً خاوِيَة. في اهتزازٍ وارتجازٍ.. دِيْنُ قومٍ تائهين.

قام يوماً شاعرٌ يَحْكِيْ حنانَ الوالِدَة **  يَحْكِيْ صنائعَ والِدٍ فيهِ المآثِرُ خالِدَة

يُعْلِيْ مقامَ الأُمِّ في قلبٍ يَهِيْم ** هِيَ جَنَّتي هي جُنَّتي هِيَ مُهْجَتي هي ماجِدَة

يا طِيْبَها يا حُسْنَهَا يا طُهرَها يا قَدْرَها  ** صاغ المدائحَ في سُطُورٍ صامِدَة

وحينَ دَعَتْه يوماً أًمُّه لَم يَسْتَجِبْ، لم يأتَمِرْ، لم يَمتَثِل، لم يُصْغٍ سمعاً للحنانِ الطاهِرَة. أين المدائحُ يا فتى؟! أين القصائدُ زاهِرَة؟  أم أنها صِيَغَت ليومِ الأًمِ في حَفْلٍ مَهِيْب. وكذا يكونُ المدعونَ محبةً.. حين ارتضوا دَرباً مَعِيْب. يتلاعبونَ بِدِينِهم، وبغير هديٍ في ابتداعٍ يَهرَعون، حُبُّ الرَّسولِ تَمَسكٌ فالزم طريقَ الحقِّ لا عَنْه تَحِيْد {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} بارك الله لي ولكم


 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الأمين. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليماً أما بعد: فاتقوا الله لعلكم ترحمون.

أيها المسلمون: إنَّ دَرْبَ الفلاحِ.. في اتِّبَاعٍ وامْتِثَالٍ وَعَمَل، حُبٌ الرَّسُولِ تُجَسِّدُهُ الفِعال {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

تِلْكَ المحبةُ وذاكَ حَقٌّ دليلُها. لَمْ يَصدُقِ الحُبَّ مَن عَن سُنَّةِ الرسولِ عَدَلْ، عن أنسٍ ضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي) رواه البخاري

مَنْ رَغِبَ عن السُّنَّةِ وإلى هواهُ اطمأن. وعلى الآثامِ أقامَ وبالمنكراتِ جاهَر، وللمخالفةِ أشاعَ، وللمعصيةِ دعا. خاسئٌ إِنْ قامَ يوماً يُعلِنُ الحبُّ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

وإدراكُ حلاوةِ الإيمانِ شَرْطُهُ ظاهِرٍ.. (أَنْ يَكُوْنَ اللهُ وسُولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما) ومَن كانَ حَقاً كذلك.. حَمى الحُبَّ الذي ارتقى بإيمانِهِ إليهِ. وغارَ على أَوامِرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ تُخالَف، وعلى شريعتِهِ أَن تُنتَهَك.

مَن كانَ اللهُ وسُولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما..  أَحبَّ ما يُحِبَّانِهِ وكَرِهَ ما يَكْرَهانِه، فَلَمْ يَغْشَ مكاناً يُجاهَرُ فيه بالمنكرِ وهو غيرُ قادرٍ على إنكاره. ولم يَطَأ بِسَاطاً يُشاعُ فيه الفسقُ وهو غيرُ قادرٍ على تغييرِه.  

مَن كانَ اللهُ وسُولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما.. لَنْ يَظَلَّ أمامَ أَوامِرِهِما فاتِرَ القلبِ، راقِدَ المشاعِرِ، واهِنَ القوى.. بَلْ مبادراً للأمرِ دونَ تردد، مُحجماً عن النهيِ دون إِبْطاء. يقودُهُ صِدْقُ الحُبِّ لخالِص النُّصحِ، فيدعو لأمر الله ورسولِه، يأمر بالمعروفِ الذي أمرا به، وينهى عن المنكر الذي نهيا عنه. لا ينعقِد لِسانُه عن بيانِ الحَقِّ خجلاً.. أمام مُجاهِرٍ أظهرَ مُخالَفَتَه لله ولِرَسُولِه.  

مَن كانَ اللهُ وسُولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما.. كانَ حُبُّهُ وولاؤُه، وبُغْضُهُ وعداؤُه.. لا يُقادُ لعصبيةٍ ولا للهوى.. بَلْ يُقادُ تحت شَرْعِهِما.

هذا هو الحُبُّ حَقّاً لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهذا هو مَسْلَكُ الصحبُ الكرامِ رضي الله عنهم أجمعين. ولو كان الحُبُّ في احتفالٍ بمولدٍ.. لسبقونا إليه {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} سَلَكَ اللهُ بِنا أهدى سبيلٍ ووقانا سُبُلَ الضلال.

عباد الله: ووقفةٌ مع توجيهٍ وردنا حولَ ضرورةِ بيانِ ضررِ التَّسَتُّرَ التجارِي، وضرر تَشغِيلِ أيدٍ عامِلَةٍ في أعمالٍ مُخالِفَة.  فإن الدينَ الذي بعث اللهُ بِه محمداً صلى الله عليه وسلم قائمٌ على إصلاح حياةِ الناسِ وحِفظِ معاشِهم، والاتجار بالأعمالِ المباحةِ والنافعةِ مشروعٌ.. ولكنه في أَوْجُهِ المخالفةِ حرام. ولا يَحِلُّ لِمسلِمٍ أن يُنَمِيَ مالَه بِعَمَلٍ يُحَقِقُ لَه كسباً ويُلْحِقُ بالمسلمينَ ضرراً. أو يُنَمِيَ مالَه بالدَّعْمِ أو التَّسَتُّرِ على عمالةٍ يَمْتَهِنونَ أعمالاً بها خرابٌ لدين الناسِ أو دُنياهم. 

اللهم احفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا..

 

المرفقات

1634199709_وهل أُلامُ بِحُبه 9 ــ 3 ــ 1443هـ.doc

المشاهدات 1110 | التعليقات 0