وقد خابَ من حمل ظُلمًا

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، الرَّحمنِ الرَّحيمِ، مالكِ يومِ الدِّينِ، أحمدُه حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيهِ، كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه من خلقِه وخليلُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحابتِه وأزواجِه وذريَّتِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

أيها المسلمون: سؤالٌ مهيب، أطلقَه نبيُّنا الكريمُ ﷺ ليوقظَ القلوبَ، ويُصحِّحَ المفاهيمَ، ويُقيمَ ميزانَ العدلِ في الضميرِ. قال نبيُّنا ﷺ: "أتدرونَ مَنِ المفلسُ؟ فقالوا: يا رسولَ اللهِ، المفلسُ من لا درهمَ لهُ ولا متاعَ، فقال ﷺ: «إنَّ المفلسَ من أُمَّتي من يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي وقد شتمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفكَ دمَ هذا؛ فيُعطى هذا من حسناتِه، وهذا من حسناتِه، فإن فنيت حسناتُه قبلَ أن يُقضى ما عليه، أُخذَ من خطاياهم، فطُرِحت عليه، ثم طُرِح في النارِ».

هكذا – عبادَ اللهِ – لا يكونُ الإفلاسُ من قلَّةِ العبادةِ، ولكن من كثرةِ الظلمِ، ولا يكونُ الخُسرانُ فقدَ الأعمالِ، بل في تضييعِ الحقوقِ، فمن جاء بحسناتِه وقد حملَ أوزارَ الناسِ ومظالمَهم، جاء غنيَّ العملِ مفلسَ المآلِ.

نعم، إنَّ أساسَ الدِّينِ؛ العدلُ بين العبادِ وبين خالقِهم، بإفرادِه سبحانه بالعبادةِ، وبين العبادِ فيما بينهم بعدمِ بغيِ بعضِهم على بعضٍ، واللهُ نزَّه نفسَه عن الظلمِ، وجعلَه بين العبادِ محرَّمًا. عن أبي ذرٍّ رضيَ اللهُ عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ فيما يرويه عن ربِّه تباركَ وتعالى: «يا عبادي، إنِّي حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا؛ فلا تظالموا». وما كان تحذيرُ النبيِّ ﷺ من الظلمِ عبثًا، ولا جاء عارضًا في وعظِه، بل جاء صيحةَ إنقاذٍ للقلوبِ قبلَ أن تتخبَّطَ في ظلماتِ العاقبةِ. فقد قال ﷺ: «اتَّقوا الظلمَ؛ فإنَّ الظلمَ ظلماتٌ يومَ القيامةِ».كلمةٌ قصيرةٌ، لكنها تفتحُ أبوابَ الخوفِ في القلوبِ الحيَّةِ، تُصوِّرُ الظلمَ ظلمةً فوقَ ظلمةٍ، حتى يقفَ صاحبُه يومَ القيامةِ حائرًا في عتمةِ عملِه، وما لهُ من نورٍ؛ لأنه أطفأ نورَ العدلِ في دنياهُ، فحُرِم ضياءَه في أُخراهُ. ولم يزلِ النبيُّ ﷺ يُحذِّرُ أُمَّتَه من الظلمِ تحذيرَ مودِّعٍ مشفقٍ، ويضعُ للأمَّةِ حدودًا لا يجوزُ أن تُمسَّ، ولا أن تُتجاوزَ.

 

ففي حَجَّةِ الوداعِ، والموقفُ أعظمُ ما يكونُ، قال ﷺ: «ألا إنَّ اللهَ حرَّم عليكم دماءَكم وأموالَكم، كحرمةِ يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شهرِكم هذا، ألا هل بلَّغتُ؟» قالوا: نعم. قال: «اللهمَّ اشهد». وبيَّن ﷺ خطورةَ الظلمِ ولو كان يسيرًا، فقال ﷺ: «من ظلمَ قِيدَ شبرٍ من الأرضِ طُوِّقَه من سبعِ أراضينَ يومَ القيامةِ». وختم التحذيرَ بنداءٍ عاجلٍ قبلَ فواتِ الأوانِ، فقال ﷺ: «من كان عنده لأخيه مظلمةٌ من أرضِه أو من شيءٍ، فليتحلَّلْ منه اليومَ، قبلَ أن لا يكونَ دينارٌ ولا درهمٌ». ودمعةُ المظلومِ – وإن حسبها الناسُ ضعفًا – فهي عندَ اللهِ قوَّةٌ لا يُستهانُ بها، وكم من دعوةٍ خرجت من قلبٍ منكسرٍ، فشقَّت طريقَها إلى السماءِ، تحملُ حقًّا لا يضيعُ، ووعدًا لا يُردُّ. وكيف لا، وقد قال النبيُّ ﷺ: «اتَّقِ دعوةَ المظلومِ؛ فإنَّه ليس بينها وبين اللهِ حجابٌ». وقد استعاذ النبيُّ ﷺ من الظلمِ، وما ذاك إلا لأنَّه داءُ القلوبِ، وخرابُ المجتمعاتِ؛ فقد صحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: «تعوَّذوا باللهِ من الفقرِ، والقِلَّةِ، والذِّلَّةِ، وأن تَظلِمَ، أو تُظلَمَ». وكان من دعائِه عند خروجِه: «اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك أن أظلِمَ، أو أُظلَمَ». فالظلمُ اسمٌ إذا ذُكِر اشمأزَّت له الفِطرُ، وتنكَّرت له الأسماعُ، هو جامعُ الرذائلِ، ومفتاحُ الخرابِ. وعقوباتُ الظلمِ لا تقفُ عند فردٍ بعينِه، بل إذا شاعَ في أرضٍ كان نذيرَ خرابِها، وعلامةَ زوالِها؛ به تُقلبُ الأحوالُ، وتُمحى البركاتُ، وتنهارُ الدولُ. فكم من دولةٍ سقطت حين استحكمَ فيها الظلمُ، وكم من قريةٍ خَرِبت بسببه، قال اللهُ تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾. ولهذا قال كعبُ الأحبارِ: «إنَّ الظلمَ يُخرِّبُ الديارَ». وقال ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما: وأنا وجدتُها في كتابِ اللهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. فهكذا – عبادَ اللهِ – إذا استقرَّ الظلمُ في أرضٍ، رحلت عنها البركةُ، وبقيت آثارُها شاهدَ عدلٍ على أنَّ للهِ سننًا لا تُحابِي أحدًا. واللهُ جلَّ وعلا أخبرَ أنَّه لا يُحبُّ الظالمينَ، ولا يكتبُ لهم فلاحًا، ولا يُقيمُ لهم نُصرةً تدومُ؛ فقد قطعَ سبحانه أطماعَهم فقال: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. بل إنَّ من سننِه العادلةِ أن يُسلِّطَ على الظالمِ من هو أظلمُ منه وأقوى، ليُذيقَه بعضَ ما كسبت يداهُ، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. والظالمُ – وإن طالَ به الأمدُ – فأيامُه معدودةٌ، يُمهَلُ ولا يُهمَلُ، ويُؤخَّرُ ولا يُنسى، قال جلَّ شأنُه: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾. وإذا استحكمَ العدوانُ، وزاد الطغيانُ، جاء القصمُ الذي لا قيامَ بعدَه، قال سبحانه: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. والمسلمُ واثقٌ بنصرِ اللهِ، ثابتٌ على العدلِ، ويحرمُ عليه أن يركنَ إلى الظالمينَ أو يُمالئَهم؛ فإنَّ الركونَ إليهم هلاكٌ، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. وقد يظنُّ الظالمُ أنَّ الإمهالَ نسيانٌ، وأنَّ طولَ الأمدِ أمانٌ، وما علمَ أنَّ ذلك إملاءٌ من اللهِ، تتراكمُ فيه الأسبابُ، حتى إذا جاء الأخذُ جاء كاملًا لا فكاكَ معه. قال النبيُّ ﷺ: «إنَّ اللهَ ليملي للظالمِ، حتى إذا أخذهُ لم يُفلِته»، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.

فلا يغترَّ قلبٌ بمهلةٍ طالَ أمدُها، فما من ظلمٍ يُتركُ، وإنما يُؤخَّرُ ليومٍ تشخصُ فيه الأبصارُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَار﴾. حينها سينكشفُ الغطاءُ، وتتبدَّلُ الموازينُ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

فهذه – عبادَ اللهِ – نصوصٌ لو اجتمعت في قلبٍ حيٍّ، لكسرت شوكةَ الظلمِ، وأقامت ميزانَ العدلِ، وأيقظت من غفلَ عن أنَّ حقوقَ العبادِ تُؤخذُ يومَ لا تنفعُ فيه قوَّةٌ، ولا جاهٌ، ولا اعتذارٌ.

بارك اللهُ لي ولكم بالقرآنِ والسُّنَّةِ، ونفعَنا بما فيهما من الآياتِ والحكمةِ، أقولُ ما سمعتم، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.

الخطبةُ الثانية

الحمدُ للهِ وحدَه، والصلاةُ والسلامُ على من لا نبيَّ بعدَه.   أمَّا بعدُ:

أيُّها المسلمونَ، قد يظنُّ بعضُ الناسِ أنَّه إذا سلِم من دماءِ الناسِ وأموالِهم فقد نجا من الظلمِ كلِّه، وما علمَ أنَّ للظلمِ وجوهًا كثيرةً قد تخفى على كثيرٍ من الناسِ.

ألا وإنَّ أعظمَ الظلمِ وأخطرَه: الشِّركُ باللهِ جلَّ وعلا، ذلكم الظلمُ الذي يُفسدُ أصلَ العبوديَّةِ، ويُحبطُ العملَ، وقد قال لقمانُ لابنِه وهو يعظُه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. 

ومن الظلمِ أيضًا: ظلمُ العبدِ نفسَه، حين يتجاوزُ حدودَ اللهِ، أو يُفرِّطُ في أوامرِه، أو يستهينُ بنواهيه، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. فالظلمُ ليس دمًا يُسفكُ فحسبُ، ولا مالًا يُؤكلُ فقط، بل قد يكون قلبًا يُشركُ، ونفسًا تُهمَلُ، وحدودًا تُنتهكُ، ومن سلِم من ظلمِ الخلقِ، ولم يسلَم من ظلمِ الخالقِ أو ظلمِ النفسِ؛ فما سلِم… وإن ظنَّ أنَّه سالمٌ.

ومن الظلمِ – عبادَ اللهِ – ظلمُ الأمانةِ، والتفريطُ في الواجبِ والمسؤوليَّةِ، فالموظفُ الذي يتهاونُ في عملِه، ويفرِّطُ في واجبِه، ولا يؤدِّي المسؤوليَّةَ كما ينبغي؛ إنَّما يظلمُ الجهةَ التي ائتمنتْه، ويظلمُ الناسَ الذين تعطَّلت مصالحُهم، ويظلمُ نفسَه قبلَ ذلك كلِّه. وقد قال النبيُّ ﷺ: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيَّته»،

فجعلَ المسؤوليَّةَ دِينًا يُسألُ عنه. فمن خانَ الأمانةَ، وأضاعَ الواجبَ، فقد دخلَ في بابِ الظلمِ، وما ضاعَ حقٌّ إلا وكان التفريطُ فيه ظلمًا، وإن ظنَّ صاحبُه أنَّه أمرٌ هيِّنٌ.

ثم اعلموا – عبادَ اللهِ – أنَّ المخرجَ من الظلمِ بابٌ مفتوحٌ لم يُغلَقْ بعدُ، وهو بابُ التحلُّلِ من المظالمِ، وردِّ الحقوقِ إلى أهلِها قبلَ يومٍ لا يُقضى فيه بمالٍ، ولا تُشترى فيه النجاةُ. قال النبيُّ ﷺ: «من كان عنده لأخيه مظلمةٌ من أرضِه أو من شيءٍ، فليتحلَّلْ منه اليومَ، قبلَ أن لا يكونَ دينارٌ ولا درهمٌ». فاليومَ يُمحى الحقُّ باعتذارٍ، أو يُبرأ بعفوٍ، أو يُجبرُ بردٍّ، وغدًا لا يُؤخذُ إلا من الحسناتِ، ولا يُقضى إلا بالسيِّئاتِ. فطوبى لمن فتَّشَ عن حقوقِ الناسِ التي في عنقِه قبلَ أن تُفتَّشَ صحيفتُه، وبادرَ بالتحلُّلِ اليومَ، قبلَ أن يقفَ غدًا مفلسًا… ولو كثرت حسناتُه.

ثم صلُّوا وسلِّموا – عبادَ اللهِ – على نبيِّ العدلِ والرحمةِ، على من جاء ليُخرجَ الناسَ من ظلماتِ الظلمِ إلى نورِ القسطِ، نبيِّنا محمدٍ ﷺ، الذي لم يترك بابًا للعدلِ إلا فتحَه، ولا طريقًا للإنصافِ إلا دلَّ عليه، فأقام الحقَّ في نفسِه، وأقامَه في أهلِه، وأقامَه في أُمَّتِه.

اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ، وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ، إنَّك حميدٌ مجيدٌ.

 

المرفقات

1770300400_��وقد خابَ من حمل ظُلمًا�.docx

1770300400_��وقد خابَ من حمل ظُلمًا�.pdf

المشاهدات 376 | التعليقات 0