وفي أنفسكم أفلا تبصرون

كامل الضبع زيدان
1436/08/21 - 2015/06/08 09:31AM
خطبة الجمعة بجامع الأخوين سحيم وناصر ابني الشيخ حمد بن عبد الله بن جاسم آل ثاني رحمهما الله تعالى. دعانا ربنا جل جلاله إلى أن نتفكر في عظيم قدرته فيما خلق وأبدع وصور وفي عجائب صنعه جل وعلا الذي أتقن كل شيء لنصل بذلك إلى أنه جل جلاله أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأجود الأجودين وأكرم الأكرمين وأعدل العادلين ونتعرف على أن أسماءه كلها حسنى وصفاته كلها عليا صفات الجلال والكمال والجمال المنزه عن كل نقص وعيب والمستحق أن يعبد وأن يوحد لا إله غيره ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو جل جلاله {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين}
خلق الإنسان
وأقرب المخلوقات إلينا هو أنفسنا فقد أمرنا رب العالمين أن نتفكر في خلق الله لنا في مواضع عديدة من كتابه العزيز فقال جل جلاله {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (21) (الذاريات) وقال سبحانه {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِق خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} وقال سبحانه {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وقال جل جلاله { أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ} وقال تعالى { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} والآيات في ذلك كثيرة وكرر رب العالمين علينا ذكر خلق الإنسان وأطواره تراب ونطفة وعلقة ومضغة وعظام ولحم لا لنسمع هذه الألفاظ وفقط ونتكلم بها وفقط ولكن ليرشدنا إلى أنه جل جلاله له القدرة الباهرة في خلق الإنسان وما فيه من العجائب والتي تنقضي الأعمار ولا يصل الإنسان إلى بعض أبعاضه وهو غافل عن أن ينظر ويتفكر في عظيم خلق الله فيه وما أنعم به عليه من النعم العظيمة التي لا تعد ولا تحصى النعمة الواحدة لا تعد ولا تحصى فما بالنا بجميع النعم.
تعالوا بنا لنحاول أن نتلمس شيئا من ذلك ونتفكر علها تأخذ بنا لتعظيم الملك القهار أكثر وأكثر في نفوسنا لنزداد بذلك إيمانا مع إيماننا في البداية غرس الله عزو جل حب الرجل للمرأة والمرأة للرجل وجعل اجتماعهما في الحلال في الزواج الذي أحله الله وجعله السبيل الوحيد للمعاشرة وغرس في قلبيهما من المودة والرحمة وجعل ذلك من آياته العظيمة وقال جل جلاله { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (21) (الروم) وعند الجماع يخرج هذا المني من صلب الزوج إلى رحم الزوجة بقدرة القدير جل جلاله فيجتمع ماء الزوج مع ماء الزوجة لتتكون العلقة في القرار المكين وهو الرحم الذي حماه رب العالمين من كل الآفات لا برد يجمده ولا هواء يفسده في غاية الحفظ ليكون حاميا حافظا لهذا الإنسان وبقدرة القدير تتطور وتتحول العلقة إلى مضغة لحم ثم إلى عظام مختلفة الطول والشكل وجعل منها المستقيم والمستدير والمنحني وشدها بالأوتار والعروق وجعل منها يابس ولين وجعل بينها مفاصل لتسهل الحركة ثم كساها باللحم ليحفظها به وتكون هي أي العظام حاملة لهذا اللحم ثم شق سمعه وبصره وأنفه وفمه وسائر منافذه ومد يديه ورجليه وبسطهما وجعل لهما الأصابع والأنامل وركب أعضاءه الباطنة القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والمثانة والحالب والرحم كل في مكانه ليؤدي الوظيفة التي أرادها جل جلاله منه بحركة دائبة أعظم بملايين المرات من آلات المصانع التي صنعها الإنسان بما علمه الله عزو جل من العلوم وانظر إلى الرأس وكيف ركبه رب العالمين أعلى البدن وجعل فيه من المنافع العظيمة والحواس الخمس وآلات الإدراك السمع والبصر والذوق واللمس والشم ولو تكلمنا على كل واحدة منها لطال بنا الحديث وما وجدنا له نهاية وركب الرأس على الرقبة والرقبة على الصدر والظهر وربط بين هذه الأعضاء جميعا برباطات وشد بعضها ببعض وكل ذلك من عظيم صنع الله جل جلاله أحسن الخالقين.
وانظر إلى القلب وهو ملك البدن جعل في منتصف البدن والأعضاء جميعها حوله كالخدم له لذلك قال المصطفى صلى الله عليه وسلم (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد وإذا فسدت فسد سائر الجسد ألا وهي القلب) وهو محل العقل وسائر الصفات التي كرم بها رب العالمين الإنسان كالكرم والشجاعة والحب والغضب والرضا والصبر وغيرها من الصفات الكريمة وجعلت الرئتان كالمراوح تروح على القلب لأنه منبع الحرارة ويحتاج إلى ترويح وكل أعضاء البدن مرتبطة بالقلب إما بنفسها أو بواسطه والعقل مبدأه بالقلب وله رابط بالمخ والرأس قال الله تعالى{ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (46) (الحج)
حماية الجنين
وكيف أن الله عزو جل حماه في هذا القرار المكين في رحم الأم ومن الذي ساق له الغذاء في هذا الموضع البعيد وقلب له دم الأم لبنا سائغا يتغذى به ولا حيلة له للتكسب في هذا الطور من أطوار حياته وانظر إلى الرحم وهو في غاية الحنو على الجنين طيلة مدة الحمل فإذا به عندما يحين وقت الخروج يكون في غاية الانزعاج من وجوده وها هو عند اشتداد الطلق يركضه الرحم ركضة ليخرج وكأنه لم يعرفه طول مدة بقاءه فيه وهذا من رحمة أرحم الراحمين ليخرج الجنين إلى هذه الدنيا المليئة بالمتاعب والصعاب والكبد خرج إلى الدنيا في غاية الضعف لا لباس لا مال لا جاه لا سلطان ولكن أرحم الراحمين مازال يرعاه ويحوطه بالأسباب التي تعينه على أن يقوى على هذه الحياة فغرس في قلوب من حوله وبخاصة أمه الحب والحنان والعطف حتى أنها تتمنى أن أي ألم يتألمه يكون بها لا به ثم حول له الغذاء الذي كان يتغذى به في بطن أمه إلى ثدييها وهداه إلى ذلك وهيأ له السبيل إليه وجعله في غاية القبول دافئ في الشتاء بارد مقبول في الصيف وهيأ له فتحتان على قدر فمه حتى لا يختنق حال رضاعه وأخر خروج أسنانه رحمة بأمه حتى لا يؤذيها أثناء الرضاعة {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين} قدرة باهرة غفل عنها الغافلون.
ولا يزال رب العالمين يحوطه ويرعاه كلما كبر واحتاج إلى شيء أمده به كالأسنان بقواطعها واضراسها لتقطيع الطعام وطحنه وكلما كبر علمه علما جديدا بعدما جاء إلى هذه الدنيا لا يعلم شيئا في غاية الجهل ولم يتركه رب العالمين وكرمه وحمله في البر والبحر كل ذلك ليكون لله عبدا طائعا شاكرا عابدا ذاكرا لله رب العالمين ولكن وللأسف الشديد كما أخبر رب العالمين {وقليل من عبادي الشكور} {ولا تجد أكثرهم شاكرين} أغواهم الشيطان اللعين وصدهم وأعمى أبصارهم وبصائرهم عن هدى الله الذي غرسه في فطرهم التي فطر العباد جميعا عليها أنه الواحد الأحد المستحق للعبادة وحده لا شريك له ولقد حذرهم أرحم الراحمين من اتباع هذا اللعين وأعلمهم أنه عدو مبين وأنه يدعوهم إلى أن يكونوا من أصحاب السعير ولكنهم ما سمعوا إلى نداء الرحمن وما استجابوا له جل جلاله فكان جزائهم جزاء وفاقا بأعمالهم التي عملوها استحقوا العذاب وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون أسأل الله ألا نكون أبدا من الظالمين وأن نكون جميعا من عباد الله المخلصين الذين أخلصهم رب العالمين لعبادته وطاعته وهو أرحم الراحمين اللهم آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أخوكم / كامل الضبع محمد زيدان
المرفقات

709.doc

710.doc

المشاهدات 2041 | التعليقات 0