وصلت أعظم الليالي

وصلت أعظم الليالي!
خطبة الجمعة.
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، ورحمنا بالقرآن، وأكرمنا برمضان، وجعل العشر الأواخر أفضل ليالِ الأزمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير الأنام، وأفضل من صلى وصام، وسنَّ التهجد والقيام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى وطاعته، فإن التقوى من أجلها كان الصيام فلا فائدة من صيام لا يورث صاحبه التقوى والإيمان..
ولنعلم أن الله عز وجل بحكمته فضل بعض الأزمنة على بعض، وجعل منها مواسم للتجارة الرابحة مع الله سبحانه وتعالى، فكما فضل شهر رمضان على الشهور، فقد جعل العشر الأواخر منه أفضل لياليه، بل هي أفضل ليال العام على الإطلاق، وكانَ من هديّ الحبيب صلاة ربيّ وسلامه عليه أنه إذَا دخلت العشر شدَّ مِئزرهُ، وأَحيا ليله، وأيقظ أهله.
فالمُوفق مَن تلمَّح قِصَرَ هذه العشر المَعمُولِ فيها، وامتدادِ زمان الجزاء الذي لا آخر له، فانْتَهبَ حَتى اللحظة، وبادر لكل فضيلة، فإنها إذا فاتت، فلا وجه لاستدراكها... فلتتصور معي يا عبد الله أن هناك كنز عظيم خلف ذلك الباب وقيل لك أن هذا الكنز لربما غير حياتك كلها خيرا وسعادة وبركة وانشراحا.. وقيل لك هناك عشرة مفاتيح معك في أحدها مفتاح ذلك الكنز هل ستجرب مفتاحا واحدا فقط لذلك الكنز وتخاطر بالبقية!؟ بالتأكيد لا بل ستجد أنك ستجرب كل المفاتيح! حتى لا يفوتك ذلك الكنز العظيم.. وهكذا هي ليلة القدر.. هي بين عشر ليالي بلا شك فإياك أن تخاطر بالتكاسل في أي ليلة منها فيفوتك فضلها وتحرم أجرها والله المستعان..
أيها المسلمون: ومما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يحرص عليه في هذه العشر:
الاعتكاف في المسجد تفرغًا لعبادة ربه وتحريًا لليلة القدر، فالاعتكاف في رمضان سنة فعليةٌ، فعلها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، واعتكف أزواجه من بعده، وحكى أهل العلم الإجماع على أنه مسنون، وينبغي أن يكون الاعتكاف على الوجه المشروع، وهو أن يلزم مسجدًا لطاعة الله سبحانه؛ بحيث يتفرغ من أعمال الدنيا إلى طاعة الله تعالى..
ومن كان لا يستطيع الاعتكاف الكامل فلا يفوته أن ينوي نية الاعتكاف بمجرد مكوثه بالمسجد فكثير من العلماء على أن أقل الاعتكاف لحظة، ورد عن يعلى بن أمية رضي الله عنه (إني لأمكث في المسجد الساعة وما أمكث إلا لأعتكف) قال ابن الملقن (وأجمع العلماء على أن لا حد لأكثره).
ومن فضائل هذه العشر أن فيها ليلة القدر، التي خصها الله تعالى بخصائص وفضائل؛ منها:
1– أنه أنزل فيها القرآن، ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾
2- ووصفها بأنها خير من ألف شهر في قوله تعالى: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ أي أنها خيرٌ من (٨٣ سنة) الله أكبر!
تخيل عشر ساعات فقط خير من 83 سنة سنة! من منا يستطيع أن يقوم 83 سنة! من يبلغ ذلك ومن بلغ هل ستكون كلها صلاة وقيام!؟ محال.. بينما أنت إذا حبست نفسك وصبرتها على الطاعات لساعات يسيرة تكون كأنما قمت ألف شهر بل خير من ألف شهر ويا لعظيم فضل الله ويا لعظيم بخلنا وشحنا على أنفسنا جاء في ‎الموطأ: " أن النبي ﷺ أُرِي أعمار الناس قبله.. فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر".
3– ووصفها بأنها مباركة في قوله: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾
4– وأنها تنزل فيها الملائكة والروح؛ أي: يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، والروح هو جبريل عليه السلام خصه بالذكر لشرفه.
5– ووصفها بأنها سلام؛ أي: سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا أو أذًى، وفيها السلامة من العقاب والعذاب بما يقوم به العبد من طاعة الله عز وجل.
6– ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ ؛ أي: يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السَّنَةِ، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها ولذلك فإن الدعاء بشكل عام قد يغير ﷲ كل شيء بدعاء صادق
فتبدل الاقدار تبديلا بالدعاء
قال النبي ﷺ:«لا يرد القدر إلا الدعاء»
قال ابن تيمية: (الدعاء يدفع البلاء النازل من السماء)
وقال ابن القيم: (الدعاء عدو البلاء يدفعه ويمنع نزوله ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن).
فما بالك إذا كان الدعاء في ليلة القدر التي فيها يفرق كل أمر حكيم! فاجتهدوا وأكثروا من الدعاء لأنفسكم ووالديك ولزوجاتكم وأهليكم وأرحامكم وولاة أمركم وللمسلمين لاسيما المستضعفين منهم. 7– ومن خصائص ليلة القدر أن الله تعالى يغفر لمن قامها إيمانًا واحتسابًا ما تقدم من ذنبه.
كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه))، وليلة القدر في العشر الأواخر كما في حديث عائشة وحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان)). وهذا لفظ حديث عائشة، وفي أوتار العشر آكد؛ لما أخرجه البخاري عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان"
اللهم بلغنا ليلة القدر ووفقنا لقيامها على الوجه الذي يرضيك عنا؛ أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ لِطَاعَتِهِ بَرَحْمَتِهِ, أَشهدُ ألاَّ إلهَ إلاَّ اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ الْمتفرِّدُ بِجَلالِهِ وَكَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ اصْطَفاهُ اللهُ لِأَكْرَمِ الخِصَالِ، صلَّى الله وَسلَّمَ وَبَارَكَ عليهِ وَعلى آلهِ وَصَحَابَتِهِ والتَّابِعِينَ لَهُم بِإحسَانٍ وإيمَانٍ إلى يوم الْمَآلِ. أمَّا بعد: اتَّقوا اللهَ عِبَادَ اللهِ, فَتَقْوَى اللهِ سَبِيلُ النَّجَاةِ.
أيُّها الصَّائمونَ:
إن ضيفكم قد استعد للرحيل وإنه قد بدأ بحزم حقائبه مؤذن بالرحيل فأكرموا وفادته قبل أن يذهب عنكم وتغانموا خيراته وبركاته قبل أن يودعكم فيا حسرة من ذهب عنه هذا الضيف العظيم وهو لم يغفر له ولم يتغير حاله للأفضل.. بادروا قبل أن تودعوه وما يعلم العبد منا هل يلقاه عاما آخر أو يكون آخر عهده به والله المستعان اللهم لا تجعل هذا العام آخر عهدنا برمضان وأعده علينا أعواما عديدة وأزمنة مديدة ونحن في طاعتك متقلبون وفي عافيتك متنعمون لنزيد من ذكرك وعبادتك يا أرحم الراحمين.
هذا واعلموا يرحمكم الله أن اغتنام ليلة القدر يحتاج منا إلى استعانة بالله عز وجل وكثرة الدعاء بالتوفيق فلا حول ولا قوة إلا بالله وما توفيقنا إلا بالله.. واعلموا يرحمكم الله أن مما يعين العبد على اغتنام ليلة القدر أن ينوع في عباداته ما بين صلاة ودعاء وذكر واستغفار حتى ينشط ولا يدخل عليه الملل وإن مل فليصبر نفسه متذكرا أنها أياما معدودات وأن هذه الطاعات تدر عليه الحسنات والخيرات وهي سبب في سعادته بالدنيا والآخرة.. ليصبر ويواصل ويجد ويجتهد ويتعوذ بالله من الكسل والعجز ومن نزغات الشياطين..
أيها المسلمون: سَيَظَلُ المَرْءُ هَائِماً، غافِلاً، مَتكاسِلاً. ما لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ اللهِ عَونٌ وتَوفِيق. ومَنْ اسْتَعانَ باللهِ أَعانَه. ومَنْ سأَلَ اللهَ أَعْطاه. يَسْأَلُ المُسْلِمُ رَبَّهُ أَنْ يُعِيْنَهُ عَلى حُسْنِ العَمَلْ.. وأَحْسَنُ السُّؤَالِ ما أَوْصَى بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ مُعَاذاً حِينَ قَال لَه: (يَا مُعَاذُ، واللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، أُوصِيكَ يَا مُعاذُ، لاَ تَدَعنَّ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُم أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وحُسنِ عِبَادتِك) رَواهُ أُبو داود وإِعانَةُ اللهِ لِلْعَبْدِ على حُسْنِ العِبادَةِ في أَوقَاتِ المُضاعَفَةِ.. مِنْ أَكْرَمِ المِنَنِ وأَجْزَلِ الهِبات.
وأَفْضَلُ الأَعْمَالِ في هَذِهِ اللَّيالي المُبارَكَة.. مَا كَانَ يَعْمَلُهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ فيها. لُزُومُ المَساجِدِ والإِكثارُ مِنَ الصَلاةِ وقِراءَةِ القُرآنِ والذِّكْرِ والدُّعاء.
والدُّعاءُ.. مِنْ أَخَصِّ مَعانِيْ العِبادَة. {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} {وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} {إِنَّ رَبِّيْ لَسَمِيْعُ الدُّعاء}
واللهُ لا يَرُدُّ سَائِلاً سَأَلَه {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} فَمْنْ كانَ للهِ أَصْدَقَ اسْتِجابَة.. كَانَ دُعَاؤُهُ أَقْرَبَ لِلقَبُول {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}
ومن الدعاء المأثور ليالي العشر ما بوّب الترمذي في سننهِ أن أم المؤمنين عائشة قالت: يا رسولَ الله أرأيتَ إن علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلة القدر، ما أقولُ فيها؟
 قال ﷺ ( قولي .. اللهم إنك عفوٌ تُحِبُ العفو، فاعف عني )
فهذه دعوة قصيرة جامعة شاملة فأكثروا منها لاسيما في لَيالِ العَشْرِ المُبارَكاتٌ.. هذا وتذكروا بأن الثُّلُثُ الأَخِيْرِ مِن اللَّيْلِ وَقْتُ عظيم ينزل فيه ربنا عز وجل إلى السماء الدنيا فأكثروا فيه من الدعاء والاستغفار ، فعَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال: (يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلةٍ إِلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟) متفق عليه
ونُزُولُ اللهِ إِلى السَّماءِ الدُّنيا.. هُوَ نُزُولٌ يَلِيْقُ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ. فَلا يُشَبَّهُ بِنُزُولِ المَخْلُوقِيْن. فاللهُ تَبارَكَ وتَعالَى كَما وَصَفَ نَفْسَه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وهُو السَّمِيْعُ العَلِيْم} ليَدعو المسلمُ بِما أَحبَّ مِنْ خَيْرَي الدُّنيا والآخرَة.. يَدْعُو لِنَفسِهِ ولِوالِدَيهِ ولأَهْلِهِ ولذُرِيَّتِهِ ولِلْمٍسْلِمِيْن. يَدْعُو لِإِخوانِهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ. ودَعْوَةُ المُسْلِمِ لأَخِيْهِ بظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتجابٌة. عَنْ أَبِي الدَّرْداءِ رَضْيَ الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّما دَعَا لأَخِيهِ بخَيْرٍ، قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بهِ: آمِينَ وَلَكَ بمِثْلٍ) رواه مسلم
اللهم في أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك..
اللهم إنك عفوٌ تُحِبُ العفو، فاعفُ عنا وعن والدينا اللهم بلغنا ما تبقى من شهرنا هذا وبارك لنا فيه واختم علينا بالعفو والغفران والعتق من النيران اللهم وأعده علينا في خير وعافية وستر من لدنك يا رحمان يا رحيم اللهم أصلح أحوال المسلمين واحقن دماء المسلمين اللهم عجل برحمتك بالفرج لأهل غزة والسودان والمستضعفين من المؤمنين في كل مكان اللهم وفق من يقومون على خدمة الحرمين الشريفين اللهم أعنهم وقوهم وضاعف أجرهم وأسعدهم اللهم وفق ولاة أمرنا اللهم أعنهم واحفظهم وسددهم وأدم على بلادنا شرف خدمة الحرمين الشريفين اللهم وأدم علينا نعمة الدين والإيمان والأمن والأمان وعم بها جميع أوطان المسلمين وادحر الأعداء والمتربصين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
 
المشاهدات 586 | التعليقات 0