وسائلُ التواصل الاجتماعيّ نعمةٌ أم نقمة؟ 21 / 11 / 1447
أحمد بن ناصر الطيار
الحمد لله الواحدِ المجيد، المبدئِ المعيد؛ ذي العزةِ والسلطان، والرحمةِ والامتنان؛ الذي تواضع كل شيء لعظمته، واستسلم الخلق لقدرته؛ أحمده على النعماء، وأشكره على الشدة والرخاء, وصلى الله على نبيّنا محمدٍ عبدِه المرسَل بالحجة والبرهان، والنورِ والفرقان؛ داعياً إلى الحقّ وشاهداً على الخلق، وعلى آله وصحبِه وسلم تسليماً كثيرا، أما بعد.
فاتقوا الله معاشر المسلمين, واعلموا أنّ النّعم التي نعيش بها سنُسأل عنها يوم القيامة, كما قال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} أي: ثم لتسألُنّ يومئذٍ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والفراغ والرزق وغير ذلك.
والمؤمن الموفق يعلم أنّ النّعمَ منحةٌ من ربه فيشكره عليها, ويستعملها فيما يُرضيه, والغافلُ المخذولُ لا همّ له إلا الاستمتاع بالنعم, والانهماك بها, وينسى حقّ ربّه الذي أنعم عليه بها, فلا يشكره بصدق عليها, وربما استعمل هذه النعم فيما يُسخطه, فيسخطُ عليه ويُعاقبه على قبيح صنعه وجحوده, كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ}.
فهو مستحق لعذابٍ يُهينه ويُخْزيه, ويُؤْلمه ويُحْرقه, جزَاءَ غفْلته وإعراضِه عن شكْر نعمِ ربّه, واستعمالِه نعمَ الله عليه في أمورٍ حرّمها عليه.
وتأمل قول الله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا} فأنت مسؤول عما تقوله وتفعله, وعما تستعمل به جوارحك التي خلقها الله لعبادته, فأعدّ للسؤال جوابا.
معاشر المسلمين: إنّ وسائلَ التواصل الاجتماعي وتقنياتِ الذكاء الاصطناعي, من الوسائل التي يُسأل عنها من استعملها وابتُلي بها, فحريّ به أن يستعملها فيما يرضي الله سبحانه، وأنْ يستشعر مراقبته في كلّ ما يُنشر ويُقال، وهي من أعظم النعم أثرًا، وأشدها خطرًا إذا أُسيء استعمالها.
وأشدّ ما فيها خطرًا وأعظمها ضررًا: الكلام المحرّم؛ كالغيبة والنميمة, والسباب والطعن والفخر, والعُجب والغرور وقصدِ الشهرة, ولا يكاد من ابتُلي بمواقع التواصل ينفك عنها أو عن بعضِها.
ويا ندامةَ ويا خسارةَ من جاء يوم القيامة بكلام كثير يكون حجةً عليه.
وقد وكَّلَ الله بالعباد حفظةً من الملائكة، يحفظون العبد ويحفظون عليه ما عمل، كما قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} وقال: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
وكم مِن إنسانٍ كان يتكلم بالخير والنصح, ولكن لم يكن ذلك ابتغاءَ وجه الله, بل ابتغاء ثناء أو شهرة أو زيادة متابعين له, فيرى حينما ينكشف الغطاءُ حقيقة قصدِه, والدافعَ له من قولِه وكلامِه.
فاستشعر أخي المسلمُ عِظَم مسؤولية الكلمة, وخطورةَ ما يُنشَر عبر هذه الوسائل، وكلُّ ما تكتبه أو تقوله أو تُعيد نشره داخلٌ فيما تُحاسَب عليه، واحْذر من التهاون في نقل المعلومات أو تداولِها دون تثبّت، لما قد يترتب على ذلك من آثار سلبية جسيمة.
ومن الأمور الخطيرة في الآونة الأخيرة: تقنياتُ الذكاء الاصطناعي, حيث يستعملها ضعافُ الإيمان والعقول في التزوير والتضليل، كتركيب المقاطع، وتقليد الأصوات، وانتحال الشخصيات، ونسبة الأقوال زورًا إلى غير أصحابها, وهذا من الغشّ والتدليسِ والكذبِ المحرّم، ومِن تغييرِ الحقائق وإظهارِ الباطل في صورة الحق، وكم يترتب على ذلك من أمور خطيرة, كانتهاك للأعراض والخصوصيات، والإعانة على نشر الباطل وترويجه, وآثامُ هذه الأمورِ الخطيرةِ لا يعلمها إلا الله, وآثارُها السيّئة على الناس لا يُحصيها إلا الله.
وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ، - وفي رواية: "لا يلقي لها بالًا" - يهوي بها في النار أبعد مما بين السماء والأرض".
فإذا كان هذا الوعيدُ الشديد فيمن يتكلم بكلمة واحدة من سخط الله، فكيف بمن يتكلّم ويكتب مئاتِ الكلمات، التي تشتمل على الكذب والغش والغيبة والنميمة والسبّ والاستهزاء، ثم ينشرها فيراها ويسمعها آلاف الناس!
وصدق الله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}.
نسأل الله تعالى أن يُحبّب لنا الخير ويعيننا على فعلِه, وأنّ يُبغّض لنا الشرّ ويُعيننا على اجتنابِه, إنه على كل شيء قدير.
*******
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين, وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: أخوة الإيمان: إنّ الواجب على العاقل أنْ يتثبّت في الأخبار والمقاطع المتداولة؛ لأنّ الذكاء الاصطناعي له قدرةٌ على انتحال الأصوات والصور والمقاطع, فليس كلّ ما تراه وتسمعه يكون حقيقة, بل نسبةُ الكذب والتدليس كبيرة.
فحذارِ من الانسياق خلف ما يُنشر في وسائل التواصل، وإعادةِ نشر المحتوى المفبرك, أو المنسوبِ زورًا إلى الأشخاص، لما في ذلك من نشر للكذب، وإشاعة للباطل، وإثارة الفتنة بين الناس.
ويترتب على سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي, وتقنيات الذكاء الاصطناعي, مفاسدُ عظيمةٌ على الأفراد والأسر والمجتمعات والدول، كتشويه السمعة، وانتهاك الخصوصيات، والاحتيال، وإثارة الرأي العام وتأجيجه، وزعزعةِ الثقة، وإشاعةِ الفتنة، وهذا داخلٌ في الإفساد في الأرضِ والعياذُ بالله.
نسأل الله تعالى أن يقينا شرّ أنفُسنا, إنه سميعٌ قريب مجيب.
ثم صلُّوا وسلِّموا على نبيكم محمدٍ رسولِ الله، فقد أمرنا بذلك ربُّنا جلّ في علاه، فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبينا محمد الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق للحق والهدى خادمَ الحرمين الشريفين الملكَ سلمانَ بن عبد العزيز حفظه الله, ووليَّ عهدِه الأمينَ الأمير محمدَ بنَ سلمانَ بن عبد العزيز حفظه الله..
اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءَهم، واجمع على الحق والهُدى كلمتَهم، وولِّ عليهم خيارَهم، واكفِهم أشرارَهم، وابسُط الأمنَ والعدلَ والرخاءَ في ديارهم، وأعِذهم من الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطَن.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
سبحان ربك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
المرفقات
1778054308_وسائلُ التواصل الاجتماعيّ نعمةٌ أم نقمة.pdf