وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ.
أ.د عبدالله الطيار
الْحَمْدُ لِلَّهِ العليِّ الأَعْلَى، يَعْلَمُ السِّرَّ والنَّجْوَى، أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ، يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ، وَأَشْهَدُ ألّا إِلَهَ إِلّا اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعين أمّا بعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ الله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) البقرة: [223].
أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: إِنَّ رِضَا اللهِ عَزَّ وَجَلَّ غَايَةُ الْمُنَى، وَمُنْتَهَى آمَالِ أُولِي النُّهَى، يَقْصِدُهَا الصَّالِحُونَ، وَلَا يَبْلُغُهَا إِلَّا الْمُخْلِصُونَ الصَّادِقُونَ، وَمَنْ ظَفِرَ بِرِضَا اللهِ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا، وَمَنْ بَاءَ بِسَخَطِ اللهِ، فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا: ( أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)
عِبَادَ اللهِ: وَرِضَا الرَّبِّ سُبْحَانَهُ أَوَّلُ الْأَوْلَوِيَّاتِ، وَرَأْسُ الْمُهِمَّاتِ، قَالَ رَبُّنَا حِكَايَةً عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) طه: [84] والمؤْمِنُ حَقًّا لا يُقَدِّمُ عَلَى رِضَا رَبِّهِ شَيْئًا، قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ) التوبة: [62]
أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَمَنْ عَرِفَ اللهَ عَزَّ وجلَّ حَقَّ المعْرِفَةِ، تَضَاءَلَتْ فِي عَيْنِهِ الدُّنْيَا، فَهَذَا صُهَيْبُ الرُّومِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَرَكَ مَالَهُ كُلَّهُ لِقُرَيْشٍ؛ لِيَتْرُكُوهُ يُهَاجِرُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَنَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) فَلَمَّا نَزَلَت الآَيَةُ بَشَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: (أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ البَيعُ رَبِحَ البَيعُ) أخرجه الحاكم (5816) وصححه.
أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَنَيْلُ رِضَا اللهِ عزَّ وجلَّ لَهُ أَسْبَابٌ وَمُوجِبَاتٌ، وَوَسَائِلُ ودَلالاتٌ أَوَّلُهَا: الإِخْلاصُ، قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اِللَّهِ فَسَوْفَ نُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)
ثَانِيًا: وَمِنْ أَسْبَابِ نَيْل رِضَا اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ ﷺ: (رِضَا الرَّبِّ في رِضَا الْوَالِدِ، وسَخَطُ الرَّبِّ في سَخَطِ الوالِدِ) أخرجه الترمذي (1899) وحسنه الألباني (3506). تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: (نِمْتُ فرأيتُنِي في الجَنَّةِ، فسَمِعْتُ صَوتَ قارئٍ يقْرَأُ، فقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: حَارِثَةُ بنُ النُّعْمَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كذلكَ البِرُّ، وكانَ أبَرَّ النَّاسِ بأُمِّهِ) أخرجه الحاكم (7453) وصححه.
ثَالثًا: الإِكْثَارُ مِنْ حَمْدِ اللهِ وَشُكْرِهِ: قَالَ تَعَالَى: (وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) الزمر: [7] يقولُ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (إنَّ اللهَ لَيَرضى عَنِ العَبدِ أن يَأكُلَ الأَكلةَ فيَحمَدَه عليها، أو يَشرَبَ الشَّربةَ فيَحمَدَه عليها) أخرجه مسلم (2734) وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ. وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) أخرجه ابن ماجه (3081) وصححه الألباني.
رَابِعًا: الصَّبْرُ عَلَى الْبَلايَا وَالْفِتَنِ، وَالمَصَائِب وَالمحَن، قَالَ ﷺ: (إنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُم، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى، ومَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ) أخرجه الترمذي (2396) وصححه الألباني. وَلَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ ﷺ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ: (إنَّ العَينَ تَدمَعُ، وَالْقَلبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إلّا مَا يَرْضَى رَبُّنا، وإنّا بفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ) أخرجه البخاري (1303) ومسلم (2315).
خَامِسًا: وَمِنْ مُوجِبَاتِ رِضَا اللهِ سُبْحَانَهُ عَن الْعَبْدِ: الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، قَالَ ﷺ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ) أخرجه الترمذي (2319) وابن ماجه (15852) أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: (وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى) الليل: [19-21]
بَارَكَ اللهُ لَي ولكم فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْآَيَاتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خاتمُ المرسلين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ رِضَا اللهِ عَزَّ وجَلَّ غَايَةُ النَّعِيمِ، وَوَعْدُ اللهِ عزَّ وجلَّ لِلمُؤْمِنِينَ، قَالَ تَعَالَى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة: [72] وَفِي الصَّحِيحَينِ: (إنَّ اللهَ تَبارَك وتَعالى يقولُ لأهلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فيَقُولُونَ: لَبَّيك رَبَّنا وَسَعْدَيْكَ، فيَقولُ: هَلْ رَضِيتُم؟ فيَقُولُونَ: ومَا لنَا لا نَرْضَى وقَدْ أَعْطَيتَنا مَا لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلقِك؟ فيَقولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فيَقولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُم رِضْوَانِي، فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أبَدًا) أخرجه البخاري (6549) ومسلم (2829). اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وبكَ مِنْكَ لا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ. اَللَّهُمَّ أمِّنا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحَ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّق وَسَدِّدْ وُلاةَ أُمُورِنَا، وَأَجْرِي الْحَقَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ، وَأيِّدْهُمْ بِجُنْدِكَ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ أَمْنَنَا وَإيمَانَنَا، وأَرْضَنَا وَسَمَاءَنَا، وَوُلاتنا وَعُلَمَاءَنَا، وَحُدُودَنَا وَرِجَالَ أَمْنِنَا، اللَّهُمَّ حَرِّمْ هَذِهِ الْوُجُوه عَنِ النَّارِ، وَاجْمَعْنَا وَوَالِدِينَا وَذُرِّيَّاتنَا في مَنَازِلِ الأَبْرَارِ بِرَحْمَتِكَ يَا عَزِيزُ يَا غَفَّارُ.
الجمعة 22 /10 /1447هـ