نهر طالوت !

سامي بن محمد العمر
1446/08/21 - 2025/02/20 19:03PM

نهر طالوت... والإرادة

 

أما بعد:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

«فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي  إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ» ..

لقد كان طالوت مُقدِما على معركة عصيبة بجيشٍ من أمةٍ ذاقت الذلَّ أزمانا، ورأت من الهوانَ ألوانا... فاحتاج إلى إعادتهم إلى جادة الصواب، وإحياء القوى الكامنة في النفوس... فكان هذا الابتلاء اليسيرُ في ظاهره، العظيمُ في باطنه..

ابتلاءُ الإرادةِ الضابطةِ للشهوات، الجامحةِ للنزوات، الصامدةِ أمام المشاق والحرمان، المستعليةِ على العادات والرغبات.

ابتلاءُ الإرادةِ المُؤْثِرة للطاعة، المتحملةِ لصعوبةِ التكاليف، الصابرةِ على متاعب العبادة.

عباد الله:

لم يكن طالوت يهدف لتعطيشهم ولا لتجويعهم بدليل قوله (إلا من اغترف غرفة بيده) ولكنه كان يريد فطمَ النفوس عن لذاتها، وتحريرَها من رقها، وحلَّ قيودها من معبوداتها، وإخلاصَها لله وحده طاعة وتسليما، انقيادا وعبودية..

وهذه الحياة من حولنا بزخرفها وزينتها ولهوها ولذاتها أحد عشر شهرا... كلها كنهر طالوت، ونفوس البعض من المسلمين وعزائمهم تشبه جيش طالوت.

فكان لا بد من ابتلاء التحمل والإرادة بشهرٍ يعيد الأرواح إلى جادة الصواب، ويعتق النفوس من رق الشهوات والملذات... ولا يصح فيه أن يشربوا من ذاك النهر (فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني)..

والمرء مفطور بطبعه على العبادة؛ التي إن لم يتوجه بها لخالقه ورازقه فسوف يصرفها لبشر أو شجر أو حجر أو شهوة أو لذة أو غريزة..

﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 23].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((تَعِس عبدُ الدينارِ وعبدُ الدرهمِ وعبدُ الخَمِيصة، إن أعطي رضي وإن لم يُعطَ سَخِط، تَعِس وانتَكَس وإذا شِيكَ فلا انتَقَش)) أخرجه البخاري (2673).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب العبودية: "وكلُّ مَن استكبر عن عبادةِ الله، لا بدَّ أن يَعبُدَ غيره، [ويذل له]" (ص: 100).

إنها فعلا العبودية المذلة..

إنها العادة السيئة المستحكمة..

إنها اللذة المطاعة المحرمة..

إنها قيود الحب الزائفة.. حب المال والجاه والسلطان..

إنها أغلال الحياة الدنيا.. وسلاسل المتاع الفاني...

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17) } [آل عمران: 14، 15]

وكل هذه الصفات التي استحق أصحابها جنات تجري من تحتها الأنهار ... تتجلى في هذا الشهر من السنة لمن كسر الأغلال وكسر القيود وانطلق في عبودية الله حراً، مسيطرًا على أهوائه التي كانت تسيطر عليه، وعلى نزواته التي كنت تكبّله، وعاداته التي كانت تقيده.

إنه رمضان: الشهر الفريد في تحرير الفرد من كل عبودية أذلته طيلة عام كامل؛ حين كان لا يصبر على طعام إلا التهمه، ولا عادة سيئة إلا فعلها، ولا شهوة إلا اقترفها، ولا سيئة إلا ابتدرها!

يا عبد الله:

إن كنت في شك من قدرة الصيام على تحرير النفوس من رق تلك القيود والأغلال فسائل نفسك..

لم كان الصيام عوضًا عن تحرير الرقبة لمن لم يجدها في كفارة القتل {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ}. وفي كفارة الظهار {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}. وفي كفارة اليمين {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ}.

إنها إشارة لمن اقترف تلك الخطايا فلم يستطع أن يحرر رقبة مؤمنة من رق الاستعباد، فعليه أن يعمل على تحرير نفسه من رق مطالب الحياة، ورق ضرورات البدن ورق شهوات النفس، فالصيام هو عبادة الأحرار([1]).

وهنا ستفهم جيداً حديث أَبي هُريرة رضِي اللَّه عنْهُ، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "قَالَ اللَّه عَزَّ وجلَّ: كُلُّ عملِ ابْنِ آدَمَ لهُ إِلاَّ الصِّيام، فَإِنَّهُ لِي وأَنَا أَجْزِي بِهِ. يتْرُكُ طَعامَهُ، وَشَرابَهُ، وشَهْوتَهُ، مِنْ أَجْلي" متفق عليه.

بارك الله لي ولكم ...

 

الخطبة الثانية:

أما بعد:

فإن مدَّ الله بأعماركم حتى أدركتم هذا الشهر العظيم فهنيئا لكم  

وهنيئا للنفوس المتعبدة لربها بشعيرة الصيام، وهنيئا للأرواح المتذللة لبارئها حال الصلاة والقيام، وهنيئا للقلوب المتلذذة بمناجاة الملك العلام.

هنيئا لمن يغسل نفسه من أدران المعاصي والذنوب، هنيئا لمن يسأل ستر العيوب.

هنيئا للباحثين عن المغفرة والرضوان، هنيئا للمسابقين على الجنان..

وعنْ أَبي هُرَيرةَ رضيَ اللَّه عنهُ، عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً واحْتِساباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنْبِهِ" متفقٌ عَلَيْهِ([2]).

ويا خيبة من اعتقد أن رمضان شهرُ إجاعة البطن، وإظماء الكبد، وفتور الأعضاء، وانقباض الأسارير، وبذاءة اللسان، وسرعة الانفعال

ففي الحديث يقول النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "مَنْ لَمْ يَدعْ قَوْلَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ فلَيْسَ للَّهِ حَاجةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرَابهُ" رواه البخاري([3]).

فأطلقوا نفوسكم في هذا الشهر من أسر العادات. وحرروها من رقّ الشهوات، واجتثوا منها فساد الطباع، ورعونة الغرائز، وطوفوا عليها في أيّامه بمحكمات الصبر، ومثبّتات العزيمة، وفي لياليه بأسباب الاتصال بالله والقرب منه([4]).

وإياكم أن تنهزموا أمام شهواتكم كما انهزم الأكثرون من جيش طالوت أمام النهر (فشربوا منه إلا قليلا منهم)..

اللهم اجعلنا من ذلك القليل..

 



([1]) جمهرة مقالات محمود شاكر (2/ 939)
([2]) البخاري (38) ومسلم (760).
([3]) البخاري (1903).
([4]) آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (4/ 196)

المشاهدات 708 | التعليقات 0