ميادين الإحسان في رمضان

ميادين الإحسان في رمضان 1447/9/3هـ

يقول الله تعالى حاثاً على التقوى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [البقرة:281]..

أيها الإخوة: رمضانُ والمسجد والقرآن والصدقة.. أعلامٌ عظيمة ينتظمها حديثنا اليوم؛ فيجتمع لنا بيان فضل شرف الزمان والمكان، والانشغال بأشرف كلام، وفضل نفع العباد..

فهنيئاً لنا أيها الأحبة: أن أدركنا هذا الشهرَ العظيم.. فقد حبانا اللهُ جلَ في علاه بعطاءٍ جزيل حُرم منه خلقٌ كثير إما بموتهم، أو بغيهم وكفرهم وجُحودِهم.. فاللهم لك الحمد على آلائك التي لا تعد ولا تحصى أن سَلْمتَنا إلى رمضان، ونسألُك تَـــــتَسَلَّمَهُ منا متقبلًا يا أرحم الراحمين..

وأطلَّ شهرُ الصومِ يرفلُ بالْمُنى ... ‏نورٌ يفيضُ بأعذبِ النسَماتِ

‏بُشرى لِمن وهبَ الفضائلَ روحَهُ ... ‏ما بين قُرآنٍ وطُــــــــــــهرِ صلاةِ

‏فلتهنؤوا بالخيرِ تحتَ ظــِــــــــــــــــــــلالهِ ... ‏ولتنعمُوا بالصفحِ والرحمـــــــــــاتِ

أيها الأحبة: كانت بِشارةُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- لأَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم- برمضان بشارة عظيمة فَقَدْ قَالَ لأَصحابِه -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم- لَما دَخَلَ رَمَضَانُ: «هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَكُمْ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللهُ عَزَ وَجَلَ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ  أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَللهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ؛ حَتَّى يَنْقَضِيَ رَمَضَانُ وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا، فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ» ذكره في الجامع الصحيح للسنن والمسانيد وعزاه للنسائي وابن ماجة وأحمد عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.

أيها الإخوة: في كُلِّ لَيْلَةٍ من رمضان يُنَادِي مُنَادٍ: «يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ..».. الله أكبر ما أجلَّه من نداء، وما أجزله من عطاء.. وما أشده من تحذير.. نداءٌ للخيرِ.. وتحذيرٌ من الشرِ.. ثم يتلوه وعدٌ بالعتق من النارِ كلَ ليلة.. كل هذا خَصَ اللهُ -تَعَالَى- به عبادَه بعد أن هيأَ لهم فُرَصَ الخير، وأغلق عنهم أبواب الشر.. فالجنةُ مُشْرَعَةُ الأبوابِ لطالبِيها، والنارُ مغلَّقَةُ الأبوابِ لحاذِرِيها، والشياطينُ تَرْسُفُ في أغلالِها، ومنادِ الرحمنِ ينُادِي «يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ» أي: أَقْبِل على فعل الخير، فهذا أوانك، فإنك تُعْطَى الجزيل بالعملِ القليل.. «وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ» تُبْ فَإِنَّهُ أَوَانُ قَبُولِ التَّوْبَة.

هيا معاشر الإخوة: لنعاهد النفس ونحْملَها ونجتهدَ بالطاعات.. ونُرَتِب جداول العمل الصالح ونعمر فيه الأوقات.. فموسمنا موسمٌ عظيمُ الهبات، وَفُرَصُهُ فُرَصٌ لا تعوض.. من صلاة وصيام وزكاة وصدقات، ودعاء وتلاوة وتسبيحات.. وحارسُ هذه العزيمة الحرص.. ثم وقضاء النوافل التي تفوتنا؛ فقد كان النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- يقضي ما يفوته منها، فإن فاتنا القيام مع الإمام مثلًا قضيناه كما هو من الليل، أو شفعًا من الغد في الضحى.. وإن فاتنا وردنا من القرآن قضيناه في وقت يليه..

فهذه عزائم الجادين، وديدن الحريصين.. فالحرص على القضاء سبب للمبادرة بالأداء؛ لثقل القضاء.. أما إذا تهاونا في القضاء فاتنا خيرٌ كثيرٌ يصعب علينا تداركه..

أيها الإخوة: أما شرف المكان الذي حبانا الله به فهي المساجد، التي تضافر الكتاب والسنة في بيانِ أهميتها، وبيانِ الأجورِ الكبيرة للمهتمين ببنائها، والمترددين عليها.. قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) [التوبة:18]، ورَغَّبَ النَّبِيُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: في بناء المساجد؛ فَقَالَ «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرَ، لَا يُرِيدُ بِهِ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ أَوْسَعَ مِنْهُ». رواه ابن ماجة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- وصححه الألباني. والقطاة طائر بري يضع بيضه في الأرض وليس في عش، والمتر المربع يمكن أن يكون فيه ما يقارب أربعين مفحصًا للقطاة.. والمساجدُ بقاعٌ أرضية تُنَضِّرُها الأنوارُ السماوية، وترفُّ عليها الملائكةُ بأجْنِحتِها فتنزلُ الرحمةُ.. وهي أماكن المنافسة في الخيرات.. واجتماع المؤمنين طاعة لله لأداء العبادات.. وفيها تُغسل القلوب، وينجلي صدؤُها، وتتساوى الرؤوس مع الأجسادِ القائمة لله -تَعَالَى- ركوعًا، وسجودًا، وقيامًا، وخضوعًا.

هنا السماواتُ تبدو قُـربَ طَالبِها
**
هنا الرحـابُ فضاءٌ حين يُلتـمسُ
هنا الطهارةُ تحيــا في أماكنِهــــــــــــــــــا
**
لا الطِّيبُ يبلى ولا الأصداءُ تندرسُ
 
والمساجدُ أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ -تَعَالَى- قال رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا». رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.

ويحوزُ قاصدُ المسجدِ للصلاةِ والمكثِ فيه أجورًا عظيمة قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ ‌نُزُلَهُ ‌مِنَ ‌الْجَنَّةِ، كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ». رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. والنُزُلُ ما يهيأ للضيف عند قدومه، وقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ، وَالمَلاَئِكَةُ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ صَلاَتِهِ أَوْ يُحْدِثْ». رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.. وانظر كم من الحسنات وُعِدَ به الماشي إلى الصلاة!، وكم يُمْحَى عنه من السيئات.. قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ لاَ يُرِيدُ إِلَّا الصَّلاَةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ» رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فاللهم لك الحمد.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد..

الخطبة الثانية:

أيها الإخوة: وفي شهر رمصان أنزل القرآن.. قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة:185] والإكثار من تلاوة القرآن وصيتهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- لأَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَدْ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي، قَالَ: عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ، وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ» رواه ابن حبان في حديث طويل وقال الألباني حسن لغيره.. وبشَّرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- صَاحِبَهُ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا». رواه الترمذي وغيره عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- وهو حسن صحيح..

حري بنا في هذا الشهر أن نزيدَ في وقتِ قراءة القرآن، ونجاهد أنفسنا أن نختمه عدة مرات، فقراءة ختمة لا تزيد على عشر ساعات.. أيها الأخُ المبارك: قارن هذه الساعات القليلة بساعات متابعتك لوسائل التواصل الاجتماعي وستجد العجب.. وقد حثَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- على المكث بالمسجد لتلاوة القرآن فَقَالَ: «أَفَلاَ يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمَ أَوْ يَقْرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلاَثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاَثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ» رواه مسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-

أيها الإخوة: ومما ينبغي الحرص عليه في هذا الشهر بذل الصدقات وتحري المحتاجين، فرمضان فرصة للاجتهاد في هذه العبادة العظيمة.. وهي من أعظم أسباب تفريج الكروب ونيل الأجر، فَقَدَ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ، ‌وَكَانَ ‌أَجْوَدُ ‌مَا ‌يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ» رواه البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما-... وعلينا ألا نبذل الزكاة لكل سائل، بل نتلمس المحتاجين.. ونبدأ بذوي القربى، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ ‌الصَّدَقَةَ ‌عَلَى ‌الْمِسْكِينِ ‌صَدَقَةٌ وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ». رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وصححه الألباني.. ومما ينبغي التأكيد عليه عدم التباهي بموائد الإفطار، ونشرها في وسائل التواصل لما فيها من كسرٍ لقلوب المحتاجين، وإسراف، والله لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.

واعلموا أن الصيام ليس مسوغًا للتقصير في الانتظام الدراسي للطلاب، أو التهاون في أداء الواجبات الوظيفية للموظفين، فإن المسلم مأمورٌ بالجد والاجتهاد وإتقان عمله في جميع أحواله، وقد كانت أعظم الغزوات في رمضان.. وصلوا وسلموا..

 

المشاهدات 285 | التعليقات 0