مَن استطاعَ منكم الباءَة فليَتزوج
عبدالعزيز بن محمد
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أيها المسلمون: خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيْم، وأَقامَهُ على أَكْرَمِ فِطْرةٍ، وشَرَعَ لُهُ أَكْمَل دِيْن. فلا يَزالُ الإِنْسانُ في كَمالٍ وكَرَمٍ وارْتِقاءٍ، ما لَزِمَ الفِطْرَةَ التِيْ فَطَرَهُ اللهُ عليها، واسْتَقامَ على الشَرِيْعَةِ التِيْ أَنْزَلَها اللهُ إِليه.
والإِسْلامُ دِيْنُ الفِطْرَةِ، جَاءَ مُوافِقاً لَها وجَاء َحَامِيْها، وجاءَ حافِظاً لَها، وجاءَ مُهذِباً للنُفُوسِ أَنْ تَنْحَرِفَ عَنْها أَو أَنْ تَزْهَدَ فيها.
والفِطْرَةُ: هِيَ السَجِيَّةُ الأَصْلِيَةُ في الإِنْسانِ، وهِيَ الطَبِيْعَةُ السَوِيَّةُ التي خَلَقَ اللهُ الإِنْسانَ عليها ابْتِداءً. فَطَرَ اللهُ الإِنْسانَ على تَوْحِيْدِهِ وعلى الإِيْمانِ بِهِ وَحْدَهُ، وفَطَرَهُ على التَمْييزِ بَيْنَ الخِيْر والشَّرِ، وفَطَرَهُ على التَفْرِيْقِ بيْنَ الضَّارِّ والنَّافِعِ، وفَطَرَهُ على حُبِّ الحَياةِ وكَراهِيَةِ المَوْتِ، وفَطَرَهُ على حُبِّ العَدْلِ وكَراهِيَةِ الظُلْمِ، وفَطَرَهُ على حُبِّ النَّفْسِ، وحُبِّ المالِ، وحُبِّ الوَلَدِ. وفَطَرَهُ على أَمُورٍ كَثِيْرةٍ. فَطَرَ اللهُ الرَجُلَ على ما يُوافِقُ خِلْقَتَهُ، وفَطَرَ المَرأَةَ على ما يُوافِقُ خِلْقَتَها. فالرَّجُلُ بِفِطْرَتِهِ يَمِيِيْلُ إِلى المرأَةِ، المرأَةُ بِفِطْرَتِها تَمِيْلُ إِلى الرَجُلِ. لِذا كان النِكاحُ مِنْ الفِطْرَةِ، بِهِ تُصانُ الأَعْراضُ، وتَحْفَظُ الفُرُوجُ، ويَبْقَى النَّسْلُ، وتَقْوَى الأَواصِرُ، وتَعُمُّ السَّكِيْنَةُ، وتَسْتَقِيْمُ الحَياةُ {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
ولَقَدْ أَوْلَى الإِسْلامُ أَمْرَ النِكاحِ أَعْظَمَ عِنَايَة. وتَوالَتِ النُصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ في الحَثِّ عليهِ، وحََّذَّرَتْ مِنَ مُصادَمَةِ الفِطْرَةِ، وحذَّرَتْ مِنْ الاسْتِنْكافِ عَنْها. زَجَرَ الإِسْلامُ أَقْوَاماً رَغِبُوا عَنِ الزَواجِ، وزَعَمُوا أَنَّهُم بِذَلِكَ سَيَنالُونَ عِنْدَ اللهِ زُلْفَى، فاشْتَدَّ التَوْبِيخُ لَهُم، وأُغْلِظَ لَهُم بذلِكَ الخِطابُ. رَوَى أَنَسٌ رضي الله عنه أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. ــ فأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمَ بِما كانَ مِنْهُم وَمَا قَالُوا ــ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» متفق عليه
الزَواجُ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِيْن {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} وإِليهِ أَرْشَدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وعليهِ حَثَّ وإليهِ دَعا. خاطَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الشَبابَ خِطابَ نُصْحٍ ــ ولا أَنْصَحَ للأُمَةِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليهِ وسَلَّم ــ قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» رواه البخاري ومسلم
(مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ) نَصُّ نَبَوِيٌّ كَرِيْمٌ، تَتَحَطَّمُ أَمامَهُ كُلُّ الآراءِ البَشَرِيَّةِ، وتَنْهَزِمُ أَمامَهُ كُلُّ التَنْظِيْرَاتُ الفَلْسَفِيَّة (مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ) سَيَظَلُّ تَوْجِيْهٌ شَرْعِيٌّ مُقَدَّمٌ في كُلِّ زَمانٍ، وفي كُلِّ مُجْتَمَعٍ، وفي كُلِّ مَكانٍ، وفي كُلِّ حِيْن.
(مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ) وما اسْتَجابَ لهذا التَوْجِيِهِ مُسْتَطِيْعٌ إِلا أَدْرَكَ بَرَكَةَ اسْتِجابَتِه، ونالَ سَعادَةَ مُبادَرَتِه، وفازَ مِنْ رَبِهِ بِعَظِيْمِ الثَّوَاب لامْتِثالِهِ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. (مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ) وفِي الزَواجِ أَرْجَحُ المَكاسِبِ لِشَّبابِ والفَتَياتِ، وفيهِ وأَكْمَلُ العَواقِب لَهُم. فيهِ غَضٌّ للبَصَرِ، وِحفظٌ للفَرْجِ، وإِعْفَافٌ للنَّفْسِ، وسَكِيْنَةٌ وطُمأَنِيْنَةٌ واسْتِقْرار. فيهِ بِناءٌ لأُسْرَةٍ مُسْلِمَةٍ، وفيهِ إِنْجابٌ لِذُرِّيَةٍ تُرَبَّى على الصَّلاحِ فَيَنالُ الزَوْجَانِ ثَمَرُةَ صَلاحِ ذُرِّيَتِهِما، ويَنْعَمانِ بِهِما في الحَياةِ، ويَسْعَدَانِ بِهِما بَعْدَ المماتِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» رواه مسلم
(مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ) فَما عُذْرُ مَنْ كانَ مُسْتَطِيْعاً، ثُمَّ لا يَأَخذُ بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} (مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ) وكُلَّما عَظُمَتْ الفِتَنُ في زَمَنٍ، عَظُمَ التأَكِيْدُ على هذهِ الوَصِيَةِ، وتأَكَدَ الأَمْرُ بالمُبادَرَةِ إِلى الأَخْذِ بِها. قَالَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ مَيْسَرَةَ: قَالَ لِيْ طَاووُسُ: (لَتَنْكِحَنَّ ـ أَيْ لَتَتَزَوَّجَنَّ ـ أَوْ لأَقُوْلَنَّ لَكَ مَا قَالَ عُمَرُ لأَبِيْ الزَّوَائِدِ: (مَا يَمْنَعُكَ مِنَ النِّكَاحِ إِلا عَجْزٌ أَوْ فُجُوْر).
(مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ) وَلئِنْ كانَ هذا خِطابٌ مُوَجَّهٌ للشَبَابِ، فَلَقَدْ خُوطِبَتِ الأَمَةُ خِطاباً عاماً، وخُوطِبَ الأَولياءُ خِطاباً خاصاً، بأَنْ يَكُونُوا عَوْناً لكُلِّ شابٍ صَالحٍ، وسَنَداً لِكُلِّ راغِبٍ في إِعْفافِ نَفْسِهِ، وَأَنْ لا يُقِيْمُوا العَقَباتِ في طَرِيْقِ الزَّوَاجِ، وأَنْ يُيَسِّرُوا ولا يُعَسِّرُوا، وأَنْ يَخَفِّفُوا ولا يُشَدِّدُوا، وأَنْ يُدْرِكُوا أَنْهُم إِنْ اسْتَجَابُوا لأَمْرِ اللهِ، وَوَثِقُوا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ اللهُ سَيُحَقِّقُ لَهُم ما وَعْد، قَالَ اللهُ جلَّ شأَنُه {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} قَالَ السَّعْدِيُّ رَحمَهُ اللهُ: (فَلا يَـمْنَعَكُمْ مَا تَتَوَهَّمُوْنَ مِنَ أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ افْتَقَرَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ العَائِلَةِ وَنَحْوِهِ، وَفِيْهِ حَثٌّ عَلى التَّزَوُّجِ، وَوَعْدٌ لِلمُتَزَوِّجِ بِالغِنَى بَعْدَ الفَقْرِ) ا.هـ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» رواه الترمذي
{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمين، وأَشْهَدُ أَن لا إله إلا اللهُ ولي الصالحين، وأَشْهَدُ أَنَّ محمداً رسول رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليماً.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوْا اللهَ عِبَادَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْنَ
أيها المسلمون: وإِذا أَمَرَتِ الشَّرِيْعَةُ بأَمْرٍ، فَإِنَّها تَأَمْرُ بِالأَخْذِ بأَسْبابِهِ. وحِيْنَ أَمَرَتِ الشَرِيْعَةُ الشَبابَ بالزَواجِ، فإِنها تأَمُرُهُم ببذلِ الوسْعِ في طَلَبِ أَسْبابِ القُدْرَةِ عليهِ. وأَنْ لا يَظَلَّ الشَّابُّ حَبِيْسَ يَأَسٍ لا يَبْذُلُ وُسْعاً، ولا يَجْتَهِدُ في طَلَبْ.
مُوْسَى عليهِ السَلامُ عَمِلَ عِنْدَ صَاحِبِ مَدْيَنَ عَشْرَ سِنِيْنَ، مُحْتَسِباً عَمَلَهُ الشَّاقَ الطَوِيْلَ مَهْراً لِزَواجِه، قَالَ لَهُ صاحِبُ مَدْيَن: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} فَقَبِلَ مُوسَى عليه السلامُ ذلكَ فَـ {قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}
أَيُها المُسْلِمُون: وإِنَّ مِنْ حَقَّ الشَبابِ والفَتَياتِ على المُجْتَمَعِ، أَنْ تَتَظافَرَ الجُهُودُ فِيْ حِمايَتِهِم، وفي السَّعْيِ في تَيْسِيْرِ أَمْرِ نِكاحِهِم، وأَنْ يَتَخَلَّى المُجْتَمَعُ عَنْ مَظاهِرِ المباهاةِ والمُفاخَرَةِ والإِسْرافِ التي جَعَلَتْ مِنْ الزَواجِ مَسْلَكاً عَسِيْراً، لا يَتَجاسَرُ الشَابُ في الإِقْدامِ عليهِ إِلا بَعْدَ مُضِيِّ سِنِيْنَ مِنْ زَهْرَةِ شَبابِه ووَفْرَةِ طَاقَتِه.
وإِذا أَحْجَمَ الشَّبَابُ عَنْ الزَواجِ وتأَخَرَوا بِسَبَبِ تَعَسُّرِ الوُصُوْلِ إِليهِ، فَسَتَبْقَى الفَتَياتُ في البُيُوتِ يُوَاجِهْنَ العَناءَ والعُنُوسَةَ. وتِلْكَ نَذارَةُ بَلاءٍ، وإِشارَةُ خَطَر.
وإِذا الوَلِيُّ وَقَفَ حَجَرَ عَثْرَةٍ في طَرِيْقِ زَواجِ ابْنِهِ، أَو في طَرِيْقِ تَزْوِيْجِ ابْنَتِهِ، وَظَلَّ يَعْضُلُها، ويَرُدُّ عَنْها الأَكْفاءَ مِنَ الرِجَالِ. فإِنَّهُ بِذلِكَ يَرْتَكِبُ مُنْكراً عَظِيْماً، ويُجْنِيْ جِنايَةً أَثِيْمَة. سَيَسأَلُهُ اللهُ عَنْ ذلِكَ يَومَ القِيامَةِ ويُحاسِبُهُ عليه.
والفَتاةُ حِيْنَ تَرُدُّ كُلَّ خاطِبٍ، وتُؤَجِلُ الزَواجَ إِلى أَجَلٍ تَهْواهُ بِنَفْسِها، فَإِنَّها تَجُرُّ على نَفْسِها أَسْبابَ الشَقاءِ وهِيَ لا تَشْعُر. فَمْن الذِيْ أَخْبَرَها حِيْنَ رَدَّتْ الخَاطِبَ الكُفءَ، أَنَّه سَيَتَقَدَّمُ إِليها كَفءٌ يُماثِلُهُ حِيْنَ تَرْغَبُ؟! كَمْ نَدِمَتْ فَتاةٌ أَدْرَكَتْ خَطأَها مُتأَخِرَةً. أَدْرَكَتْ أَنَّ الفُرْصَةَ التِيْ كَانَتْ تَعْرِضُ لَها، لَمْ تَعُدَ تَعْرِضُ مِنْ جَدِيْد.
* ومِنْ أَخْطَرِ المَفاهِيْمِ التِيْ غَشِيَتِ المُجْتَمَعَ، فَحَرَفَتْ كَثِيْراً مِنْ الفِطَرِ السَلِيْمَة عَنْ صَوابِها. اعْتِقادُ أَنَّ عَمَل َالمَرأَةِ مِنْ أَولى الأَولَوِياتِ، وأَنَّ حُصُولَها على الوَظِيْفَةِ مِنْ أَكَدِ الضَرُورِياتِ. وأَنَّ عَمَلَها مُقَدَّمٌ على الزَّواجِ والزَّوْجِ وبِناءِ الأُسْرَةِ. فَصارَ هَوَسُ الفَتاةِ بالوَظِيْفَةِ والعَمَلِ، يُفْقِدُها حُسْنَ التَفْكِيْرِ وصَفاءَ الإِدْرَاك. فَلا يَقُومُ في مِيْزانِها مَعَ الوَظِيْفَةِ زَوْجٌ ولا أُسْرَة. وما قِيْمَةُ وَظِيْفَةٍ أَكْسَبَت المَرأَةَ مالاً، وأَفْقَدَتْها زَوْجاً وأُسْرَةً واسْتِقْراراً.
(خُذُوا شَهَادَتِيْ وَأَعْطُوْنِيْ زَوْجًا) كَلِمَةٌ قَالَتْها طَبِيْبَةٌ تَقَدَّمَ عُمُرُها، سَعَتْ في شَبابِها لِنَيْلِ أَعْلى الشَهادَاتِ، ولِِبُلُوغِ أَعلى الرُتَبِ ونَيْلِ أَكْبَرِ المُرَتَّباتِ. وآثَرَتْ ذَلِكَ على زَوْجٍ وأُسْرَةٍ وَوَلَد. فَما أَفَاقَتْ إِلا بَعْدَما فَاتَ أَوانُ الإِفاقَةِ، وما أَدْرَكَتْ إِلا بَعْدما فاتَ أَوانُ التَدارُك. كَتَبَتْ مَقالَها ومما قَالَتْ فيهِ: (أَخْرُجُ في السَّابِعَةِ صَباحاً صَوْبَ عِيادَتِيْ، وتِلْكَ سَاعَةٌ تَسْتَمْطِرُ كُلَّ يَومٍ أَدْمَعِي. أَصِلُ إِلى عِيادَتِي (بَلْ إِلى زِنْزَانَتِي) وعِنْدَها أَجِدُ النِساءَ يَصْطَحِبْنَ أَطْفالَهُنَّ يَنْتَظِرْنَنِي. يَنْظُرْنَ إِلى مِعْطَفِي الأَبْيضِ وكَأَنُهُ بُرْدَةُ حَرِيْرٍ فارِسِيَّةٍ، وأَنا أَنْظُرُ إِليهِ كَلِباسِ بُؤْسِ وَحِدَاد.. إِلى أَنْ قَالَتْ في آخِرِ مَقالَتِها، بِقَلْبٍ يَعْتَصِرُ مِنَ الحَسْرَةِ والنَدَم: (خُذُوا شَهَادَتِيْ ومَعاطِفِي وأَلْقابِيْ، وأَسْمِعُونِيْ كَلِمَة (ماما).
فَرَحِمَ اللهُ مَنْ كَانَ للشَبابِ عَوْناً، وللفَتَياتِ مُرْشِداً، وللمْجْتَمَعِ مُذَكِراً، ورَحِمَ اللهُ مَنْ كانَ سَباقاً في كَسْرِ العَوائِقِ، وتَذْلِيْلِ الأَسْبابِ لِتَيْسِيْر الزَواج.
اللهم اجعلنا هداةً ..
المرفقات
1769070857_من استطاع منكم الباءة 4 ـ 8 ـ 1447هـ.docx