من آداب المساجد
عبدالرحمن سليمان المصري
من آداب المساجد
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل عمارة المساجد برهانا على الإيمان ، وشهادة لروّادها بالهدى والرضوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا . أما بعد :
أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى :﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ﴾ النساء : 131 .
عباد الله : فضل الله بعض البقاع على بعض ، وجعل أحب البقاع إليه المساجد، قال صلى الله عليه وسلم : " أحب البلاد إلى الله مساجدها ، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها " رواه مسلم .
المساجد فيها يعبد الله ويوحد ، ويعظم ويمجد ، هي مهبط رحمته ، وملتقى ملائكته والصالحين من عباده ، أضافها الله لنفسه تشريفا وتكريما ، ووعد من بناها أو شارك في بنائها ولو بالقليل ؛ ببيت في الجنة .
وقد أعد الله لمن مشى إلى المساجد وقصدها للصلاة ؛ بمغفرة الذنوب والخطايا ، ومن حافظ على الصلاة فيها ؛ كان في ظل الرحمن يوم القيامة ، وكانت له نور، وبرهان ، ونجاة يوم القيامة ، وأوجبت له الجنة .
عباد الله: ولما كانت المساجد لها من القدسية والمنزلة؛ شرع لقاصدها من الآداب التي ينبغي العناية بها، ومنها :
استحباب التزين للصلاة ؛ من الثياب والطيب والسواك ، قال تعالى:﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾، وقال ﷺ :" إن الله أحق من تزين له " رواه الطبراني وصححه الألباني.
كما يشرع الخروج للمسجد بسكينة ووقار ، ويقارب خطاه ، ويقول ما ورد ، ولا يشبك بين أصابعه ، ويستحب التبكير والتهجير إليها ، فإذا وصل المسجد قدم رجله اليمنى عند الدخول ، ويقول ما ورد ، وإذا خرج قدم رجله اليسرى ، ويسن له التقدم للصف الأول ، فالله وملائكته يصلون على الصف الأول ، وليحذر من تخطي الرقاب أو التفريق بين اثنين .
عباد الله : ومن الآداب ، ألا يجلس الداخل للمسجد حتى يصلي ركعتين تحية المسجد ، ثم يشتغل بالذكر وقراءة القرآن ، أو يجلس صامتا ، فهو في حكم من يصلي سواء قبل الفريضة أو بعدها ، والملائكة تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه ، ما لم يحدث أو يؤذي .
ومن الآداب : الحرص على تسوية الصفوف في الصلاة ، وإكمال الصف الأول فالأول ، ومن وصل صفا وصله الله ، ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة ، وبنى له بيتا في الجنة ، وليحذر المصلي من المزاحمة التي يكون فيها إيذاء للمصلين.
ومن حقوق بيوت الله : اجتناب المؤمن للروائح الكريهة ، التي تنفر الناس وتؤذيهم ، في ملبسه أو مأكله أو جسده ، قال ﷺ : " من أكل ثوما أو بصلا ، فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته \" ، وفي رواية \"فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم " رواه مسلم .
ومن آداب المسجد: تجنب أذية المصلين أو التشويش عليهم ، فلا يحجز فيه مكانا ، ولا يرفع صوته بالقراءة، أو بالخصومة واللغط، وليحذر المؤمن من الغيبة ، أو البيع والشراء ، أو قطع خشوع المصلين بنغمات الجوال .
عباد الله: إن الصلاة في المساجد ، شرعها الله تعالى لإقامة ذكره ، وإظهار عز المسلمين باجتماعهم ، كما شرعت لائتلاف القلوب واجتماع الكلمة، وبمشاهدة المسلم لإخوانه يحصل التنافس والتسابق إلى مغفرة الله ورضوانه ، قال تعالى : ﴿ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ﴾ آل عمران : 133.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا . أما بعد :
عباد الله : المساجد بيوت الله ، فيها تحيا القلوب ، وتسمو الأرواح ، تحضرها الملائكة وتشهد لأهلها ، وتستمع للخطب وتحف مجالس العلم فيها ، شهد الله لروادها وعمارها ؛ بالإيمان والعمل الصالح ، وزكاهم بالهداية ، قال تعالى: ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾ التوبة : 18.
وعمارة المساجد تشمل العمارة الحسية ، والعمارة المعنوية بالصلاة والذكر وسائر الطاعات ، ﴿ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾
وقد جعل الله تعالى للعناية بالمساجد وصيانتها والاهتمام بها، وتنظيفها وتطييبها ؛ عبادة وطاعة وقربة ، ويدخل في ذلك المرافق التابعة لها ، كأماكن الوضوء ونحوها ، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور ، وأمر بها أن تنظف وتطيب\" رواه ابن ماجة وصححه الألباني. ، وسأل النبي ﷺ عن امرأة كانت تقم مسجده ، فقالوا : ماتت ، فقال: " دلوني على قبرها "، فدلوه فصلى عليها. رواه البخاري.
عباد الله: ومن الآداب التي ينبغي العناية بها ؛ إذا أراد المصلي الدخول للمسجد ، أن يضع نعليه في الصناديق المخصصة ، أو وضعها على جانبي الأبواب ، ولا يسد بها الطريق ، لما يسببه ذلك من الأذى والمشقة على كبار السن ، وذوي الإعاقة ، ومن هم على الكراسي المتحركة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " الإيمان بضع وسبعون ، أو بضع وستون شعبة ، فأفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " رواه مسلم. -وإماطة الأذى- أي تنحيته وإبعاده ، والمراد بالأذى كل ما يؤذى من حجر أو مدر ، وهذا مثلها.
وليحذر المؤمن إذا حضر للصلاة بسيارته ، ألا يؤذي جيران المسجد بالوقوف أمام أبوابهم ، وألا يقفل الطريق أو يسد على سيارات المصلين وخاصة يوم الجمعة ، ومن فعل ذلك فليعجل بالانصراف متى انتهت الصلاة ، حتى لا يؤذي المسلمين .
عباد الله : إن توقير المساجد وتعظيمها ، والتزام الآداب فيها ؛ هو دليل على الإيمان والتقوى ، وهو تعظيم لما عظمه الله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ الحج :32 .
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال تعالى: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
المرفقات
1776975920_من آداب المساجد خطبة 2.docx
1776975923_من آداب المساجد خطبة 2.pdf