مضى ثُلُثُ رمضان

محمد بن عبدالله التميمي
1447/09/09 - 2026/02/26 13:28PM

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ الذي خصَّ بالفضلِ والتَّشرِيفِ شهرَ رمضانَ، وأَنزلَ فيه القرآنَ هُدى للناسِ وبيِّناتٍ من الهدى والفُرقانِ، وخَصَّهُ بالعفو والغفرانِ، واخْتَصَّ منِ اصطَفاهُ بفضلٍ منه وامتنانٍ، وأيقَظَ بالوعظِ من وفَّقهُ في هذا الموسم العظيمِ الشانِ.

وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ ذُو الفضلِ والإحسانِ. وأشهدُ أن محمدًّا عبدهُ ورسُولهُ سيدُ ولدِ عَدنانِ، صلّى اللهُ عليه وعلَى آلِهِ وأصحابِهِ وسلّم تسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعدُ:

فاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاشْكُرُوهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعَمٍ وَافِرَةٍ سَابِغَةٍ، خُصُوصًا فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ كِتَابَهُ الْمُبِينَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَنُورًا لِلْمُسْتَضِيئِينَ، وَهُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وَعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ نَجَا، وَمَنْ طَلَبَ الْهُدَى مِنْهُ اهْتَدَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ وَقَعَ فِي الْهَلَاكِ وَالرَّدَى، فَبُؤْسًا لِلْمُعْرِضِينَ الْهَالِكِينَ.

أيُّها المسلمون: إنَّ هذا القرآنَ حياةُ الأَرْوَاح، ومَنْبَعُ الأَفْرَاح، قال اللهُ جلَّ ذِكْرُه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.

هذا الكتابُ فيه الثوابُ والأُجُور، والتجارةُ التي لا تَبُور، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾، وقال ﷺ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ (الم) حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ».

إخواني.. إننا في شهرِ رمضان، شهرِ الصيامِ والقرآنِ، ولكلٍّ منهما فضائل، وثمتَ فضيلةٌ لهما مجتمعَيْن، فقد قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «الصيامُ والقرآنُ يَشفعانِ للعبدِ يومَ القيامة؛ يقول الصيام: أي ربِّ، منعته الطعامَ والشهوةَ فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النومَ بالليلِ فشفِّعني فيه، قال: فيُشفَّعان».

معشرَ المسلمين: تدبُّرُ القرآنِ يفتحُ لصاحبه الخيرِ، ويُبصّرُه بطُرقَ الشرِّ، ويُدرك حِكمةَ اللهِ في نهيه وأمره، وعظمتَه في خَلقه، وفضلَه في إكرامه، وعدلَه في عقابه، وقوَّتَه في مؤاخذته، ورحمتَه بعباده، وسعةَ علمِهِ في مخلوقاته، وجبروتَه في قهر أعدائه، ونُصرتَه لأنبيائه وأوليائه، وعزَّتَه ومنعتَه، وقدرتَه أن يفوته أحدٌ من المخلوقين، وسمعَه الواسع في إدراكِ نُطقِ الناطقين، وبصرَه النافذ العظيم الذي لا تخفى عليه حركةٌ ولا سكونٌ من خلقه أجمعين.

فالقرآنَ القرآنَ -يا عبادَ الله- حافظوا على تلاوته وتدبُّره والعملِ به، وأكثروا من قراءته في هذه الأيام؛ فإنَّها أيامٌ فاضلة، وموسمُ أرباح، فأروا اللهَ من أنفسكم مع كتابه خيرًا؛ فالسعيدُ من صحِب القرآن ولازَمَه فإنَّه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه.

ها قد مضى ثُلُثُ شهرِ رمضانَ «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، وكما ترون قد دبَّ الكسلُ وفتَرَ النشاطُ وبدَا جليًّا التقصير، فالجِدَّ الجِدَّ وتجديدَ الهمةِ والتَّشْمِير، المُجِدُّونَ تابعوا الخَتَمات؛ فحاسِبْ نَفسكَ ورتِّب الأوقات، وليس الأمر معسورا، فلا تكن هَجُورًا. فالساعة تَقْرَأُ فيها ثلاثةَ أجزاءٍ من القرآن بِيُسْر، ومع حضورِ القلب والتدبُّرِ والتأثُّر، فمَن كان من أول رمضان يجلَسُ لقراءة القرآن في اليوم ثلاثَ ساعات فقد أتمَّ ثلاثَ خَتَمَات، وإذا حدَّثتك نفسك أن الثلاثَ ساعاتٍ كثيرة فارجع لتقدير مدة استخدام الجوال وكم أمضيت في كلِّ يومٍ عليهِ مِنْ ساعة، فما أشدَّ الإضاعة!

وإنَّ هذا الجوال ليس يَطولُ به الانشغالُ فحَسْب، بل هو قاطع الطريقِ، عن الازديادِ من التَّوفِيق، فأحَدُنا ما إنْ يقْرَاُ بِضْعَ آيات، إلَّا وينْظرُ ما أتى على جوالِه من إشعارات، فأقْصِه عنْك وستَرى الإنْجَاز، وما أعظمَ رِبْحً مَن صحِبَ القرآن ففاز.

رزقني اللهُ وإيّاكم الإقبالَ على كتابه، والعملَ بما فيه، وجعلَه حجَّةً لنا لا علينا...والصلاة والسلام على الهادي النذير والسراج المنير.

أخي الموفَّق.. حاسب النَّفْس لِتُدْرِكَ الأُنس، كيف حالكَ مع الصّلوات؟! مع أهمِّها وهي الصلوات الخمسُ المفروضات، بأدائهما في المساجد جماعةً لا في البيوتات.

كيف حالكَ مع التراويح؟! المُجِدُّون ما تركُوا ركعةً واحدة، و«إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» وتعبُ القيام قد زال وبقيِت لذَّتُه ويُرجَى قَبُولُ مثوبتِه، وذهَب وقت اللهو وبَقِيَتْ حَسْرتُه.

اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. أقول قولي هذا وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ يُحبُّ التَّوابِينَ، وَيغفِرُ لِلمُستَغفِرِينَ، أشهدُ ألاَّ إلَه إلاَّ اللهَ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ربُّ العالَمِين، وأشهَدُ أنَّ سَيِّدَنا مُحمَّداً خاتَمُ النبيِّين، صلـَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَليه وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، والتَّابِعينَ لَهُم وَمَنْ تَبِعَهم بِإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أمَّا بعدُ:

فإِنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ، وَقُربَةٌ جَلِيلَةٌ، لا يَدَعُهَا إِلاَّ عَاجِزٌ، وَلا يَغفَلُ عَنهَا إِلاَّ مَحرُومٌ، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وقال ﷺ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ». وَفي الحَدِيثِ القُدسِيِّ يَقُولُ اللهُ تَبَارَك وَتُعَالَى: «أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَاني».

إذا دعوتم الله فبقلوبكم أقْبِلُوا، وبوعد الله بالإجابة أيقنوا، ولشروطه وآدابه حقِّقُوا، وبالثناء على الله استفتحوا، وبالصلاة على نبيه ﷺ ثَنُّوا، وبالتضرُّعِ والطمع تعلَّقوا، ومع الوَجَلِ والخِيْفة لا تنقطعوا، وبخفضِ الصوتِ والخُفْيَة ادْعُوا، وبالطلب أَجْمِلُوا ولا تعتدوا، ثم في طلب مسألتكم ألِحُّوا.

عبادَ الله الصائمين.. إنَّ الله يُحبُّ التوَّابين، وإنَّ بابَ التَّوبةِ مَفتُوحٌ، وخَيرُها مَمنُوحٌ، مَا لَمْ تُغرغِرُ الرُّوحُ، قَالَ النبيُّ ﷺ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ».

وأنتم فِي هَذَا الشَّهرِ قد اكتنفتكم أسباب الإجابة ، ففي نهاره صائمون، وربُّكم أثناء آياتِ الصيامِ أمر بدعائه ووعدَ بالإجابة لعلكم تَرشُدون، و«لِلصَّائِمِ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ»، والدُّعَاءُ بَينَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ مُستَجَابٌ، وفي الليل ساعةُ إجَابَة، وَأَقرَبُ مَا يَكُونُ العَبدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وفي الثلث الأَخِيرِ مِنَ اللَّيلِ مستيقظون، ورَبُّ العَالمينَ يقول: «هَلْ مِن سَائِلٍ فَأُعطِيَهُ؟ هَل مِن مُستَغفِرٍ فَأَغفِرَ لَهُ؟ هَل مِن تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيهِ؟ هَل مِن دَاعٍ فَأُجِيبَهُ؟». اللهم اقبَل توبَتَنَا واغسِلْ حَوبَتَنَا، وأجِبْ دَعوَتَنا.

المرفقات

1772101714_مضى ثُلُثُ رمضان.docx

1772101714_مضى ثُلُثُ رمضان.pdf

المشاهدات 2280 | التعليقات 0