لطائف الإسراء والمعراج
يوسف العوض
الخطبة الأولى
عبادَ اللهِ : قالَ اللهُ تعالى "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" ليست معجزةُ الاسراءِ والمعراجِ من باب التسلية، ولا من باب كشف الأحزان عنه، بل هي أجلّ وأعظم من هذا الهدف، لأن الله عبّر فقال (لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ) أي عجائب قدرتنا، وآياتنا الخاصة، وليست محصورة هذه الآيات بما رآه في بيت المقدس لأن هذه قد رآها غيره صلى الله عليه وسلم، وليست هي الأحجار والوديان والجدران، بل المرئيات والآيات أعظم وأكبر من ذلك ولذلك سمّاه القرآن (ٱلۡكُبۡرَىٰٓ) لأنه صلى الله عليه وسلم رآها بقوة خاصة وسمعها بسمع خاص، وقوله : (لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ) ليس مقصوراً على الرؤيا بل يتضمن أيضاً: ولنسمعه أيضاً من آياتنا، ويدل عليه تمام الآية: (إنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ) وهذه الآيات من العوالم الغيبية، كالجنة والنار، وسدرة المنتهى، والبيت المعمور، ولقاء خاصٌ جمعه بالأنبياء، وأصناف الناس ومقاماتهم، وغير ذلك من العوالم الغيبية.
عبادَ اللهِ :الإسراء والمعراج كلاهما ثابت في القرآن والسنة وتواترت حادثة المعراج تواتراً معنوياً في الأحاديث ولا مجال لإنكاره إلا من ذوي الجهل، وأصحاب الأفكار الضالة، ومطْلع سورة الإسراء في القرآن الكريم دلالة قاطعة لكل منكر للإسراء ، فالإسراءُ والمعراجُ كانا بالروح والجسد إجماعً عند أهل السنة والجمعة وأهل الاعتقاد الصحيح، ولا عبرة لغير ذلك من الأقوال، وقوله تعالى:( مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) دليل على وجود السافات الحسّية، وهو من شأن الأجساد مع الأرواح، وقوله: (أَسۡرَىٰ) دليلٌ على الجسم والروح أيضاً، وكذلك قوله تعالى: (بِعَبۡدِهِۦ) ولو كان الإسراء والمعراج بالروح فقط لما اعترضت قريش وكفّارها على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبرهم، وقد جاءه التأييد الإلهي بالنقل المباشر الحيّ لصورة بيت المقدس كما هي فجعل صلى الله عليه وسلم يصفه لهم فقال: " لَمّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ في الحِجْرِ فَجَلّى اللَّهُ لي بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عن آياتِهِ وأنا أنْظُرُ إلَيْهِ " وهكذا طُويَ الزمان والمكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلا آلة ولا أداة، وإنما بإعجاز إلهي يُظهر فيه عظيم مقام هذا النبي المبعوث رحمة للعالمين .
عبادَ اللهِ : ليلة الإسراء والمعراج هي ليلة مباركة، وهي ليلة التكريم الرباني للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وفيها هدية السماء لأهل الإيمان وفيها لقاء سيد الأنبياء بإخوانه الأنبياء في مسجد الأقصى المبارك والصلاة بهم إماماً، وفيها الرحمة المحمدية بأمته بتخفيه الصلاة من خمسين إلى خمس بالعمل ، وفيها الكرم الإلهي بأن هذه الصلوات...كخمسين صلاة في الأجر ، وفي المعراج أيضاً نفع سيدنا موسى عليه السلام لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالنصيحة له أن يطلب التخفيف عن أمته، وهذه من رحمة الأنبياء في أقوامهم.
كل ذلك بعد أن ضاقت الأرض به وآذاه أهلها، فآن زمان احتفاء السماء بلقاء أكرم الأنبياء على الله والترحيب به هي وأهلها وملائكتها، لتقول له إذا كان أهل الأرض قلوْك وطردوك ، فإن السماء وأهلها ينتظروك. فكانت ليلة الإسراء والمعراج ليلة مؤانسة ومؤازرة، وليلة إكرام ومفاخرة، وليلة لقاء وعطاء، فاق بفضلها وبركاتها وأنوارها وعطاياها كل الأنبياء إنها الليلة التي كلّمه رب العزة جلّ وعلا ، وناجى الحبيب رسوله وأكرمه وقرّبه ، وحبَاهُ وتجلّى عليه.
عبادَ اللهِ : تلك هي الليلة التي عرج فيه النبي صلى لله عليه وسلم فكانت بسببها أوقات العروج اليومي لكل عبد يلتزم بصلاته ويؤديها في وقتها فالصلاة صلة العبد بربه وهي معراج المحبين والمؤمنين إلى رب العالمين ومدَدَ متصل بين الأرض والسماء، ففي الصلاة يعرج الإنسان بروحه، ويطوي فواصل البعد بينه وبين خالقه عزّ وجلّ، ولا يشعر بهذه الرحلة إلا من يكتمل خشوعه في صلاته، وبهذا يتحقق المعنى الحقيقي للصلاة وهي الصلة بين العبد وربه ولذلك قيل الصلاة معراج المؤمن.
الخطبة الثانية
عبادَ اللهِ : رحلة الإسراء والمعراج هي رحلة عطاء من الله ورحمة والتي انعكست على الرحمة المحمدية في كيفية فرضية الصلاة والتخفيف منها! ثم انظر إلى تهاون المسلمين بهذه الشعيرة العظيمة وتجاهلهم الرحمتين، نسأل الله العافية. يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم:.
"ثمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ، قلت: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي ـ وَاللَّهِ ـ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ؛ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ! قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى، وَأُسَلِّمُ ... فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي ".
عبادَ اللهِ : وهكذا كانت هدية السماء لأهل الأرض في ليلة الإسراء والمعراج ، بهذه الفريضة التي هي أول ما يُسْأل عنها العبد في قبره وبعد موته، فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله، ولعظمتها وأهميتها لم تُفرض الصلاة إلا في رحلة الإسراء والمعراج حيث فُرضت في السماء، فعلينا الالتزام بها والدعوة إليها والاهتمام بها فإنها وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر آيّامه حين قال : "الصّلاة الصّلاة... وما ملكت أيمانكم..".
عبادَ اللهِ : وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها لا في رجب ولا غيره، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها.
ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات ، ولم يجز لهم أن يحتفلوا بها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمرا مشروعا لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة، إما بالقول وإما بالفعل، ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر، ولنقله الصحابة رضي الله عنهم إلينا، فقد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم كل شيء تحتاجه الأمة، ولم يفرطوا في شيء من الدين، بل هم السابقون إلى كل خير.
المرفقات
1737004612_الاسراء.docx
يوسف العوض
منقول
تعديل التعليق