قِــــــصَّةُ الصِّيَــــــــــامِ

يوسف العوض
1447/08/21 - 2026/02/09 10:05AM

الخُطْبَةُ الأُولَى

الحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الصِّيَامَ عِبَادَةٌ قَدِيمَةٌ، عَرَفَتْهَا الأُمَمُ السَّابِقَةُ، وَشَرَعَهَا اللَّهُ فِي جَمِيعِ الرِّسَالَاتِ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، فَهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الصِّيَامَ كَانَ مَعْرُوفًا فِي شَرَائِعِ الأَنْبِيَاءِ قَبْلَ الإِسْلَامِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ صُوَرُهُ وَأَحْكَامُهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ صَامَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ وَتَأَهُّبًا لِمُنَاجَاتِهِ، قَالَ تَعَالَى:﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾.

وَمِنْهَا مَا جَاءَ فِي صِيَامِ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:«أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا».

وَمِنْ أَجَلِّ مَا ذَكَرَهُ القُرْآنُ فِي الصِّيَامِ فِي الأُمَمِ السَّابِقَةِ، مَا كَانَ مِنْ صِيَامِ الصَّمْتِ، وَهُوَ إِمْسَاكٌ عَنِ الكَلَامِ تَعَبُّدًا لِلَّهِ ، فَهَذَا نَبِيُّ اللَّهِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ آيَةً عَلَى حَمْلِ زَوْجِهِ، أَنْ يُمْسِكَ عَنِ الكَلَامِ أَيَّامًا، قَالَ تَعَالَى:﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى : ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الصِّيَامِ كَانَ مَشْرُوعًا فِي شَرِيعَتِهِ، وَهُوَ إِمْسَاكٌ تَعَبُّدِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ.

وَكَذَلِكَ الصِّدِّيقَةُ الطَّاهِرَةُ مَرْيَمُ عَلَيْهَا السَّلَامُ، حِينَ أَمَرَهَا اللَّهُ أَنْ تَصُومَ صَوْمَ الصَّمْتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ الصَّوْمُ فِي شَرِيعَتِهِمْ إِمْسَاكًا عَنِ الكَلَامِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى الصِّيَامِ العَامِّ، أَيْ الإِمْسَاكِ تَعَبُّدًا لِلَّهِ.

فَانْظُرُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ، كَيْفَ تَنَوَّعَتْ صُوَرُ الصِّيَامِ فِي الأُمَمِ، وَوَحَدَتْ غَايَتُهُ، وَهِيَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ، وَتَزْكِيَةُ النُّفُوسِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَة

الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

عِبَادَ اللَّهِ : إِذَا كَانَ الصِّيَامُ قَدْ شُرِعَ فِي الأُمَمِ السَّابِقَةِ بِصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ كَمَّلَهُ وَأَتَمَّهُ فِي شَرِيعَةِ الإِسْلَامِ ، فَجَعَلَهُ صِيَامًا لِلْجَسَدِ وَالقَلْبِ وَالجَوَارِحِ، وَفَرَضَهُ فِي شَهْرٍ مُبَارَكٍ، قَالَ تَعَالَى:﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ، وَجَعَلَهُ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:«بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ… وَصَوْمِ رَمَضَانَ».

وَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ جُوعًا وَعَطَشًا فَقَطْ ، فَقَالَ:« مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».

وَفِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:«كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».

 فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ صِيَامَنَا هُوَ امْتِدَادٌ لِطَرِيقِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ هَذِهِ العِبَادَةَ جَمَعَتْ مَا تَفَرَّقَ فِي الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ، فَكَانَتْ أَكْمَلَ وَأَتَمَّ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الصَّائِمِينَ الصَّادِقِينَ، وَارْزُقْنَا التَّقْوَى وَالإِخْلَاصَ.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            

المرفقات

1770620745_قصة الصيام.docx

المشاهدات 60 | التعليقات 0