فتنة المسيح الدجال

فتنة المسيح الدجال

ألقيت في جامع حمراء الأسد – المدينة المنورة

عبد الله بن عبد الرحمن الرحيلي

20/ 12/ 1442

عناصر الخطبة:

1-عظم فتنة المسيح الدجال.

2-كثرة تكرار النبي صلى الله عليه وسلم التحذير منه.

3-زمن خروج الدجال.

4-صفات الدجال.

5- مخرجه وأكثر أتباعه.

6- صور من فتنته.

7-نجاة المؤمنين من فتنته.

8-أوصاف الدجال الدالة على كذبه.

9-مقتله.

10-الأعمال التي تعصم من فتنة المسيح الدجال.

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله قدوة الخلق أجمعين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله في السر والعلن؛ وتعوذوا بالله من الفتن؛ ما ظهر منها وما بطن.

 

أيها المسلمون..

فتنة عظيمة؛ هي أكبر الفتن على وجه الأرض؛ وأعظم الفتن بين يدي الساعة، هي ابتلاء من الله لعباده؛ ليميز المؤمنين من المنافقين، والصادقين من الكاذبين، والموقنين من المرتابين.

 

"ما بعثَ الله من نبيٍّ إلا أنذرَ أمَّتَه، أنذَرَه نوحٌ والنبيُّون من بعدِه".

كان -عليه الصلاة والسلام- يتعوَّذ في صلاتِه من فتنته، ويُعلِّم أصحابَه التعوُّذ منه كما يُعلِّمهم السورةَ من القرآن.

 

فتنة تدهش فيها العقول وتتحير؛ إنها فتنة المسيح الدجال؛ مسيح الضلالة؛ شر غائب ينتظر.

 

عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- قال: ذَكَرَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ الدَّجَّالَ الغداةَ، فخَفضَ فيهِ ورفعَ، حتَّى ظننَّا أنَّهُ في طائفةِ النَّخلِ، فلمَّا رُحنا إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، عَرفَ ذلِكَ فينا، فقالَ: ما شأنُكُم؟ فقُلنا: يا رسولَ اللَّهِ ذَكَرتَ الدَّجَّالَ الغداةَ، فخفَضتَ فيهِ ثمَّ رفعتَ، حتَّى ظننَّا أنَّهُ في طائفةِ النَّخلِ، قالَ: غيرُ الدَّجَّالِ أخوَفُني عليكُم: إن يخرُج وأَنا فيكُم فأَنا حجيجُهُ دونَكُم، وإن يخرُجُ ولستُ فيكم، فامرؤٌ حجيجُ نفسِهِ، واللَّهُ خَليفتي على كلِّ مسلمٍ".

 

بيَّن لنا نبيُّنا -صلى الله عليه وسلم- فتنته، وجلى لنا أمره ونعت لنا صفته.

يخرج الدجال أيها المؤمنون في خفقةٍ من الدين، وإدبارٍ من العلم.

لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر.

 

يخرج الدجال في زمنٍ مظلمٍ، تنطمِسُ فيه أنوارُ الهدى؛ وتعلو فيه رؤوس الجهل والهوى.

يخرج في زمن يظهرُ فيه الربا والخمر والزِّنى، زمنٌ يكثرُ فيه القتلُ ويستهان فيه بالدماء.

 

عباد الله..

الدجال رجلٌ من بني آدم، شاب أَحْمَرُ جَسِيمٌ، أكبرُ خلقٍ في هذه الدنيا، جعدُ الشعر كثيرُه، واسع الجبهة ، أعور العين اليمنى ، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ؛ قصير أفحج، عريض النحر ، فيه انحناء، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤها كل مؤمن؛ كاتبٌ وغيرٌ كاتب.

 

يجوب الأرض سريعاً، كالغيث استدبرته الريح، ومعه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار.

 

 

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مَعَ الدَّجَّالِ إِذَا خَرَجَ مَاءً وَنَارًا، فَأَمَّا الَّذِي يَرَى النَّاسُ أَنَّهَا النَّارُ فَمَاءٌ بَارِدٌ، وَأَمَّا الَّذِي يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ فَنَارٌ تُحْرِقُ؛ فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَى أَنَّهَا نَارٌ، فَإِنَّهُ عَذْبٌ بَارِدٌ"

 

يخرج الدجالُ من جهة المشرق من خراسان، له حرسٌ وأعوانٌ؛ وينصره سبعون ألفاً من يهود أصبهان؛ وأكثر أتباعه اليهود، والنساء.

 

"حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْجِعُ إِلَى حَمِيمِهِ, وَإِلَى أُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ، فَيُوثِقُهَا رِبَاطًا؛ مَخَافَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ".

 

يدعي النبوة ثم يدعي الربوبية، فيتبعه على ذلك الجهلة من بني آدم والطغام من الرعاع والعوام، ويخالفه ويرد عليه من هدى اللهُ من عباده الصالحين وحزب الله المتقين، يأخذ البلاد بلدا بلدا، ولا يبقى بلد من البلاد إلا وطئه غير مكة والمدينة.

 

تفزَعُ جميع البلاد منه سوى المدينة، فلا يدخلُها رُعبُ الدجَّال .

فهنيئا لمن سكن مكة والمدينة من أهل الإيمان والتقوى؛ ويا خسران من ابتعد عن كتاب الله وسنة نبي الهدى؛ ولو كان من أهل مدينة المصطفى.

 

فإن "الدجال حين يأتي المدينة وتمنعه الملائكة من دخولها ترجف بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى فيها منافق ولا منافقة إلا خرج إليه".

 

 

 

تعينه الشياطين على باطله؛ ليوقع الناس في حبائله، "يأتي إلى الأعرابي فيقول له: "أرأيت لو أحييت أمك وأباك أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطان في صورة أمه وأبيه فيقولان: يا بني اتبعه فانه ربك فيؤمن به".

 

يَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، ويدعو البهائم فتتبعه، " يَأْتِي الْقَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ، فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ" .

 

"يَأْتِي الدَّجَّالُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ، فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي المَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا، ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لاَ، فيقتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي اليَوْمَ، فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ"

 

قال الصحابة: يا رسولَ اللهِ وما لَبثُهُ في الأرضِ؟ قالَ: "أربعونَ يومًا، يومٌ كسنةٍ، ويومٌ كشهرٍ، ويومٌ كجُمُعةٍ، وسائرُ أيَّامِهِ كأيَّامكُم" فسأل الصحابة رضي الله عنهم، سؤالا ينبئ بعظيم قدر الصلاة في قلوبهم، قالوا: يا رسولَ اللهِ فذلكَ اليومُ الذي كسنةٍ، أتكفينَا فيه صلاةُ يومٍ؟ قال: "لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدرَهُ"

 

 فتنة عظيمة، وهول شديد، يكثر فيها أتباعُه، وتَعُمُّ فِتنتُه، يفر الناس إلى الجبال فزعا منه، ولا ينجو من فتنته إلاَّ قلة من المؤمنين.

 

ويثبِّتُ الله الكريم في هذه الفتنة أهل الإيمان؛ فقد جعل الله فيه من الصفات ما يدل على كذبه؛ فإن الدجال مخلوق يعجز ويموت، والله لا إله إلا هو خالق كل شيء حيّ لا يموت، والله تعالى لا يراه أحدٌ في الدنيا، والدجَّال يراه الناس، والدجَّال مكتوبٌ بين عينيه كافرٌ، وهو أعورُ العينِ اليمنى، وإن اللهَ ليس بأعورَ، له سبحانه الأسماءُ الحسنى، وله الوصف الأكمل والمثلُ الأعلى.

      

أيها المسلمون..

ما بعد العسر إلا اليسر؛ ولا بعد الشدة إلا الفرج؛ فبعد عظيم الفتنة والامتحان؛ يأذنُ الله تعالى بالفرج لأهلِ الإيمانِ؛ فيبعث الله عيسى ابن مريم -عليه السلام-؛ فينزل عند المنارة البيضاء شرقيَّ دِمشق، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، ويدرك الدجال عند باب لُدّ بفلسطين؛ ثم يهرب؛ فيدركه نبي الله فيقتله بحربته، ويقتل المؤمنون أتباعه فينهزمون، ويختبئ اليهودي من وراء الحجر أو الشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله؛ إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود.

 

نعوذ بالله من شر فتنة المسيح الدجال.

اللهم اكتب لنا النجاة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واغفر لنا ذنوبنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين؛ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد.. فقلد بين لنا نبينا صلى الله عليه وسلم ما يعصم من شر الدجال وفتنته.

فأمر من سمع به بالابتعاد عنه، والهرب منه.

قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في الدَّجالِ: «من سمِعَ به فلينأَ عنه ؛ فواللهِ إن الرجلَ ليأتِيه وهو يحسبُ أنه مؤمنٌ، فيتبعُه لما يبعثُ به من الشُّبُهاتِ"

 

ومن أدركه فليثبت على الإيمان؛ وليذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم- في الدَّجَّالِ:

«إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالاً، يَا عِبَادَ اللهِ فَاثْبُتُوا».

 

وإن مما يعصم من هذه الفتنة العظيمة: دعاءَ الله تعالى والالتجاء إليه.

 

 أمرنا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أن نستعيذ منه فقال « إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ".

 

 و"من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِمَ من فتنة الدجال"

يقول النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ"

 

وبعد عباد الله.. فاستعيذوا بالله من فتنة المسيح الدجال،

تعلموا خبره وصفته؛ وبينوا للناس فتنته؛ والزموا صراطَ الله ودينَه وشريعتَه.

تسلحوا بسلاح الإيمان؛ وسارعوا إلى صالح الأعمال؛ تكن عصمةً لكم من شر فتنة المسيح الدجال:

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَّالَ؛ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ؛ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ".

 

ثم صلوا وسلموا عباد الله؛ على نبيكم محمد رسول الله.

 

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

 

اللهم أحسِن عاقبَتنا في الأمور كلِّها، وأجِرنا من خِزيِ الدنيا وعذابِ الآخرة.

اللهم إنا نعوذُ بك من زوالِ نعمتِك، وفُجاءَة نقمتِك، وتحوُّلِ عافيتِك.

اللهم انصر دينَك، وكتابَك، وسُنَّةَ نبيِّك وعبادك الصالحين.

اللهم آمنَّا في أوطانِنا، وأصلِح اللهم وُلاةَ أمورنا، اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضَى، اللهم وفِّقه وولي عهده لهُداك، واجعل عملَهما في رِضاك.

نسألُك الجنةَ وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذُ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل، برحمتِك يا أرحم الراحمين.

 

 

 

المرفقات

1631781959_خطبة فتنة المسيح الدجال.docx

1631781959_خطبة فتنة المسيح الدجال.pdf

المشاهدات 329 | التعليقات 0