عبادة الدعاء في رمضان

أنشر تؤجر
1447/09/09 - 2026/02/26 17:30PM

الحمدُ لله مُجيبِ الدَّعواتِ ، إليه وحدَه تُرفعُ الحَاجَاتِ , نَشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ربُّ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ ، وَنَشْهَدُ أنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّداً عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ المُرسَلُ بِالآياتِ البَيِّنَاتِ ، صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه ، وعلى آله الهداةِ ، وَأَصْحَابِهِ الثِّقاتِ ، والتَّابِعينَ لَهم بِإحسانٍ وإيمانٍ إلى يومِ المَمَاتِ .

أمَّا بعدُ : فأوصيكمْ ونفسي بتقوى اللهِ تعالى ، فمَعَ التقوى تنشطُ النُّفوسُ للطاعَةِ ، وتقوى على العبادَةِ ، وتُسَابِقُ إلى اللهِ :" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ".

عباد الله : إننا في شهرٍ أيامه غنائم ولياليه عظائم ، فما أحرى المرء إلى أن يستغل أيام شهره ولحظاتَ عمره , ويتقي الله ربه .

تتعدد في رمضان أبوابُ الطاعات , وتتنوع القربات , فهو شهرُ حريٌّ أن تُعمَر أوقاتُه بالعبادةِ ، ومن أجل العبادات ، وأنفع الطاعات ، التي يتقرب بها المسلم إلى ربه ، عبادة الدعاء ، فهو صِلَةٌ بِرَبِّنا , وَأُنْسُ قُلُوبِـَنا , وَسِلاحٌ لَنا فِي الشِّدَّةِ والرَّخَاءِ !

ففي سنن الترمذي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال :" الدعاء هو العبادة ".

وتأَمَّلُوا يا رَعَاكُمُ الله في قولِ اللهِ تعالى :( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَستَجِيبُوا لي وَلْيُؤمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ )، أينَ جَاءَتْ هذه الآيةُ ؟ لقد جاءت بعد آياتِ الصيامِ مباشرةً !

وَلذلك قال الشَّيخُ ابنُ العثيمينِ رحمه الله :" إنَّ الصِّيامَ مَظِنَّةُ إجابةِ الدعاء ؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكرَ هذه الآيةَ في أثناءِ آياتِ الصيامِ ".

الدعاءُ سِلاحُ الأَنْبِياءِ وَالأَتْقِيَاءِ , سِلاحٌ يَجْلِبُ الخَيراتِ وَيَدْفَعُ الكُرُباتِ ، نجَّى اللهُ به نوحًا ، وأخذَ قَومَهُ بِالطُّوفانِ , ونجَّى الله بِهِ مُوسى ، وأَغْرَقَ  فِرْعَونَ وَقَومَهُ , وأَعزَّ اللهُ به نبينا مُحمَّدًا عَليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ! الدُّعَاءُ عَمَلُ وَدَأَبُ الأَنْبِياءِ عَليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَمَا حَكَى اللهُ تعالى عَنْهُمُ بِقَولِهِ :( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ .(

يقول أحد الصالحين :" تأملت فإذا الخير كثير ، ثم تأملت وإذا الخير كله عند الله ، ثم تأملت فإذا أقرب طريق لحصول هذا الخير هو في الدعاء ".

ومما يدل على عظم مكانة الدعاء ، أنه أكرمُ شيء على الله تعالى ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :(( ليس شيءٌ أكرمَ على الله من الدِّعاءِ)).

وهو محببٌ إلى الله تعالى ، فالذي لا يدعو الله يغضب عليه ، في سنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :(( إنه من لم يسأل الله يغضب عليه)).

لا تسألن بني آدم حاجة         وسل الذي أبوابه لا تحجب

الله يغضب إن ترك سؤاله        وبني آدم حين يسأل يغضب

وفي الدعاء – يا عباد الله - إظهار لضعف العبد وشدة افتقاره إلى ربه ، وفيه تمام التوكل على الله ، والاعتراف بقدرته على كشف الضر ، وأن خزائنه لا تنفذ سبحانه ، قال تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ).

وقال تعالى في الحديث القدسي حديث أبي ذر في صحيح مسلم  :(( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر )).

واعلموا رحمكم الله أنه ما دعا الله داعٍ إلا استجاب الله له بإحدى ثلاث : إما أن يعطيه الله ما يطلبه مباشرة أو بعد فترة من الزمن ، وإما أن يدخر له خيراً منه في الآخرة ، وإما أن يدفع عن الداعي من البلاء ما لا يعلمه بسبب دعائه ، فثمرة الدعاء مضمونة ، وربحه ظاهر ، فقد جاء في صحيح الأدب المفرد للبخاري وكذلك في مسند الأمام أحمد بسند جيد ، عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(( ما مِنْ مُسلمٍ يدعو ليس بإثمٍ ولا بقطيعةِ رَحمٍ إلَّا أَعْطَاهُ اللهُ إحدى ثلاثٍ : إمَّا أن يُعجِّلَ له دَعْوَتَهُ ، وإمَّا أن يَدَّخِرها له في الآخرةِ ، وإمَّا أنْ يَدْفَعَ عنه من السُّوءِ مِثْلَـَها )) قَالُوا : إذًا نُكثرُ يا رسولَ الله؟ قال :(( اللهُ أكثر.((
أتهزأ بالدعاء وتزدريه       وما تدري ما صنع الدعاءُ
سهام الليل لا تُخطئ ولكن    لها أمدٌ وللأمد انقضاءُ

قال بعض العباد :" إنه لتكون لي حاجة إلى الله فأساله إياها ، فيفتح علي من مناجاته ومعرفته ، والتذلل بين يديه ما أحب معه أن يؤخر عني قضائها ، وتدوم لي تلك الحال ".

فابشِروا يا مُؤمِنُونَ : فَلَن يَهلِكَ مَعَ الدُّعاءِ أَحَدٌ ، وَلَن يَخِيبَ مَنْ للهِ رَجَا وَقَصَدْ ، فَكَم من بليَّةٍ رَفَعَهَا ! وكم من معصيةٍ غفرَها ! وكم من نعمةٍ ظاهرة وباطِنَةٍ أنعم بها ؟!

فسبحان من وعم بعفوه زلات المذنبين فوسعها ، وخرقت السبع الطباق دعوات التائبين والسائلين فسمعها ، يجود على عبده بالعطاء قبل السؤال ، ويغفر لمن تاب إليه ولو بلغت ذنوبه عدد الحصى والرمال ، فباب الكريم مفتوح ، ويمينه لا تغيضها نفقه .

 يَا رَبُّ عَفوُكَ ليس غيرُكَ يُقصدُ  **  يـا من له كلُّ الخلائِقِ تَصمُدُ

أَبْوَابُ غَيرِك ربنا قد أوصِدَتْ  **  ورأيتُ بابَك واسعَاً لا يُوصَدُ

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُون ).

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرحيم .

 الخطبة الثانية :

الحمدُ لله مُجِيبِ دَعوةِ المضطرِّين ، وكاشِف البلوى عن المؤمنينَ , وأشهَد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ، وأشهَدُ أنَّ محمَّداً عبدُ اللهِ ورسولُه ، بعثهُ اللهُ بشيراً ونذيراً ، ورحمةً وسراجاً منيراً .

 أمَّا بعدُ : فيا أيها الصائمون : مَا أَكرَمَ اللهَ تعالى وَأَقرَبَهُ , مَا أحلـَمه وَأَرحَمَهُ ! وهَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ ، شَهرُ الدُّعَاءِ وَفُرصَةُ الابتِهَالِ وَالنِّدَاءِ , فارفَعُوا إِلى اللهِ جَمِيعَ الحَاجَاتِ ، وَأَلِحُّوا بِالمَسأَلَةِ في شَهرِ النَّفَحَاتِ ، وسألوه من خيري الدنيا والآخرة ، وَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ بِقُربِ الفَرَجِ ، فَقَد قالَ النبي عليه الصلاة والسلام :(( يُستَجَابُ لأَحَدِكُم مَا لم يَعجَلْ ، يَقُولُ : دَعَوتُ فَلَم يُستَجَبْ لي )).

وكلَّما اشتدَّ الإخلاصُ وَقَوِيَ الرَّجاءُ ، كَانَتِ الإجَابَةُ أَقْرَبَ وَأَحْرى ، يَقُولُ عليه الصلاة والسلام :(( اُدعُوا اللهَ وَأَنتُم مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ ، وَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ لا يَستَجِيبُ دُعَاءً مِن قَلبٍ غَافِلٍ لاهٍ )).

فَنادِ ربَّكَ بِقلبٍ حاضِرٍ , وتخيَّرْ من الدُّعَاءِ أَحْسَنَهُ وَأَجمعَهُ ، وَتحرَّ من الأوقاتِ أَفْضَلَها ، وَمِنْ الأَحْوَالِ أَرْجَاهَا ، فَالثُّلثُ الأَخِيرُ مِن اللَّيلِ مَظِنَّةُ الإجَابَةَ , حيث ينزل رب العالمين إلى السماء الدنيا نزولا يليق بجلاله وعظمته ، وينادي خلقه : هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من داع فأجيبه ؟

، وَبَينَ الأَذَانِ وَالإقَامَةِ ؛ دَعْوَةٌ لا تُرَدُّ , كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إنَّ الدُّعَاءَ لا يُردُّ بَينَ الأَذَانِ وَالإقَامَةِ؛ فَادْعُوا ).

وَأَقْربُ مَا يَكُونُ العَبدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ , وَفِي يَومِ الجُمُعَةِ ،(( سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصلِّي ، يَسْأَلُ اللهَ شَيئًا ؛ إلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاهُ )).

وَللصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةٌ لا تُرَدُّ!

ولْنحرصْ على رَفْع اليَدَينِ أَثْنَاءَ الدُّعاءِ ، ))فَإنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ ، يَسْتَحِيي إذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إليهِ يَدَيهِ أنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَينِ )).

فإذا اجتمعَ مع الدُّعاء حُضُورُ القَلْبِ , وَوَفَقَ وَقْتَ إِجَابَةٍ ، وَانْكِسَارًا وتضرعاً بَينَ يَدَيِّ الرَّبِّ ، واستقبلاً للقبلة ، وكان على طهارة ، ورفع يديه لمولاه ، وبدأ بحمد الله والثناء عليه ، ثم بالصلاة على محمد ، وَتَوَسَّلُ  بِأَسْمَائِهِ الحُسْنى , وَصِفَاتِهِ العُلا ، فإنَّ هذا دُعَاءً لا يَكَادُ يُرَدُّ أبدًا ، ألا فأكثروا من الدعاء في شهر البركات ، وألحوا بالمسألة في شهر النفحات ؛ فإن من أكثر طرق الباب فتح له ، ورب العالمين يحب من عبده أن يلح عليه في الدعاء .

اللَّهُمَّ صلِ وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَأَذِلَ الشركَ والمُشْرِكِين ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا ، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ .

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا ، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاَةَ أُمُورِنَا ، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا ، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى ، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى .

اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ ، وَشُكْرِكَ ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ , اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْم ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرّ ، وَالْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ , اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا ، وَأْبَصَارِنَا ، وَقُلُوبِنَا ، وَأَزْوَاجِنَا ، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ , رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجمعين .

المرفقات

1772116179_عبادة الدعاء في رمضان.docx

المشاهدات 368 | التعليقات 0