ضيف غاب ٣٣٠ يوماً

راشد بن عبد الرحمن البداح
1446/08/28 - 2025/02/27 06:20AM

لحمدُ للهِ الذي أعظَمَ على عبادِهِ المِنَّةَ، بما دفعَ عنهم من كيدِشياطينِ الجِنَّةِ، وجعلَ الصومَ حِصناً لأوليائهِ وجُنَّة، وفتحَ لهم به أبوابَالجَنةِ، وصلى اللهُ وسلَّمَ على عبدِهِ ورسولهِ الداعِي للقرآنِ والسُّنَّةِ، وعلى الذينَ بهُداهُ مُسْتَنَّةٌ. أما بعدُ:

فلنتقِ اللهَ تقوىً تَقِينا وتُنجِينا، ولنستحضِرْ في أنفسِنا الآنَ ضيفاًغالياً غائباً ثلاثَ مئةٍ وثلاثينَ يومًا. فكيفَ ستكونُ فرحتُكَ بقدومِهِ، واستبشارُك عندَ لقائهِ؟! ألا إنكَ الليلةَ أو غداً ستَلقَى ذلكَ الغائبَالغاليَ، إنه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}.

(وَشهرُ رَمَضَانَ بَينَ الشُّهُورِ‌كيوسُفَ ‌بَينَ إخْوَتِهِ)(). فلا تقْتُلُوهُ، ولا تطْرَحُوهُ أَرضاً، ولا تُلقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلجُبِّ، ولا تَبيعُوهُ بثمنٍ بخسٍ،فأيامُهُ مَعْدُودَةٌ، فلا تكَونُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ، بل أَكرِمُوا مَثوَاهُ عَسَىٰٓ أَنيَنفَعَنَآ أَو نَتَّخِذَهُ ذُخراً.

وإن أولَ الضيافةِ قبلَ أن يزورَكَ ضيفُكَ الغاليْ أنْ تشتاقَ إليه، فالشوقُ للعبادةِ عبادةٌ، ومن العلاماتِ الدالةِ على شوقِكَ الحقيقيِلرمضانَ أن تتأهبَ لقدومِهِ، كما تتأهبُ لقدومِ حبيبٍ غائبٍ من سفرهِ، فهذا من تعظيمِ شعائرِ اللهِ: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}.

كما أن محبةَ الأعمالِ الصالحةِ والاستبشارَ بها فرعٌ عن محبةِ اللهِ -عزَوجلَ- كما قالَ تعالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}. فلنستبشِرْ، ولنعقِدِ العزمَ الصادقَ على الاستكثارِمن الأعمالِ الصالحاتِ فيه، وقبلَها لنُخَطِطْ لقراءَتِنا للقرآنِ، ولنومِناوسهرِنا، ولمشاهداتِنا، ومجالساتِنا. قالَ تعالَى: {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ}، وقالَ: {وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً}.

وإنَّ أولَ علامةِ شرٍ يرتكبُها أهلُ الغفلةِ وبُغاةُ الشرِ أنهم يستثقِلونَشهرَهم، ويَعُدُّونَ أيامَهُ ولياليَهُ؛ لأنه يَحجبُ عنهمُ الشهواتِ، ويمنعُهمُاللذاتِ.

حُكيَ عن شابٍ سفيهٍ، لما أقبلَ عليهِ رمضانُ ضاقَ به ذرعاً، وأخذَيُنشِدُ:

‌دَعانِيَ ‌شَهْرُ الصَّوْمِ لا كانَ مِنْ شَهْرِ … وَلا صُمْتُ شَهْرًا بَعْدَهُآخِرَ الدَّهْرِ

فَلَوْ كانَ يُعْديني الأنامُ بِقُدْرَةٍ … عَلى الشَّهْرِ لاسْتَعْدَيْتُجَهْدي عَلى الشَّهْرِ

فأُصيبَ بمرضِ الصَّرْعِ، فكان يُصرَعُ في اليومِ مرارًا، فماتَ قبلَ أن يصومَ رمضانَ الآخرَ().

فهل نَعجَبُ أن جبريلَ سيٍّدَ الملائكةِ دعا بدعاءٍ مخيفٍ فقالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَمَاتَ، فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأُدْخِلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ. فأمَّنَعلى دعائهِ محمدٌ سيِّدُ الرسلِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالَ: آمينُ؟! فاللهم ارحمْنا ولا تحرِمْنا.

أيُّها المُتَرْوِحُونَ الليلةَ أو بعدَها: خلاصةُ الوصايا السابقةِ في خمسِكلماتٍ:

تشوّقُوا له، وأحِبُّوهُ، وتأهبُوا، وخطِطُوا لهُ، واستكثِرُوا.

وسادسُها: فِرُّوا من مُلهياتِ الشاشاتِ والسناباتِ والقنواتِ، فإن كثيراً من أهلِها ممن قالَ اللهُ فيهم: {أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ}. ففي الشاشاتِ زنا العينِ، وزنا الأذنِ، وعجيبٌ لمن يُفتونَ أنفسَهم أن مشاهدةَ المتبرِّجاتِ ما دامَ ليسَ في نهارِ رمضانَ فهو جائزٌ عندَهم!!

فلنحفظْ ليلَنا كما نحفظُ نهارَنا. وما أشدَّ زجرَ الناصحِ المشفقِالحريصِ علينا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حينَ قالَ: رُبَّ قائمٍ حظُّهُ من قيامهِ السهرُ، ورُبَّ صائمٍ حظُّهُ من صيامهِ الجوعُ والعطشُ().

الحمدُ للهِ على قُربِ رمضانَ، وصلاةً وسلاماً على المنزَّلِ عليهِ القرآنُ، أما بعدُ:

فمنَ الأعمالِ المغفولِ عنها في مطلعِ موسمِ رمضانَ تَفَقُّدُ المَحاويجِمن جيرانِكَ وأقاربِكَ بما تستطيعُ، بأن تحفظَ ماءَ وجوهِهِم بالصدقةِالخفيةِ، وبإطعامِ الطعامِ على شكلِ هديةٍ، وبسدادِ ما تيسَّرَ من فواتيرِهِم دونَ أن يعلمُوا بكَ، فاللهُ يَعلمُكَ، وسيَجزِيكَ الجزاءَ الأوفَى. قالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَيْسَ المُؤْمِنُ الذِيْ يَشْبَعُ، وَجَارُهُ جَائِعٌ().

أتَى رجلٌ صديقًا له كريماً، فدَقَّ عليهِ البابَ، وقالَ له: عَلَيَّ دَينٌ.فسدَّدَ له صديقُهُ دَينَهُ، ثم أغلقَ بابَهُ وهو يبكِي! فقالتْ له امرأتُهُ: لِمَأعطيتَهُ إذ شقَّ عليكَ؟! فَقَالَ: أَبْكِي لِأَنِّي لَمْ أَتَفَقَّدْ حَالَهُ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى ‌مُفَاتَحَتِي.

(قالَ بعضُ السلفِ: لَأَنْ أَدْعُوَ ‌عَشَرَةً ‌مِنْ ‌أَصْحَابِي، فَأُطْعِمَهُمْ طَعَامًا أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى سُوقِكُمْ هَذَا، فَأَشْتَرِيَ رَقَبَةً فَأُعْتِقَهَا)().

(وكانَ كثيرٌ منهم يُؤْثِرُ بفطورِهِ وهوَ صائمٌ، فهذا ابنُ عمرَ كانَ لا يُفطرُ إلا مع اليتامَى والمساكينَ، وربَّما رَدُّوهُم عنهُ أهلُهُ، فلا يُفطِرُتلكَ الليلةَ حَزنًا. وكَانَ أَحَدُهُمْ لا يُفْطِرُ عَلَى طَعَامٍ قَطُّ وَحْدَهُ، إِنْ وَجَدَ مَنْ يَأْكُلُ مَعَهُ أَكَلَ، وَإِلَّا ‌أَخْرَجَ ‌طَعَامَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَأَكَلَهُ مَعَ النَّاسِ)().

فيا عبدَ اللهِ: احتسِبْ وأنتَ تُطعمُ أو تُفَطِّرُ أو تُسحِّرُ قولَ نبيِكَ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَطَابَ الكَلاَمَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ().

• فاللهم أقبِلْ بقلوبِنا في رمضانَ، وارزقْنا كثرةَ تلاوةِ القرآنِ.
• اللهم وفِقنا للصالحاتِ قبلَ المماتِ، وهبْ لنا في الدنيا لذةَالمناجاةِ، وفي الآخرةِ سرورَ التحياتِ.
• اللهم اهدِ حيارَى البصائرِ إلى نورِكَ، وضُلَّالَ المناهجِ إلى صراطِكَ.
• اللهم وآمِنْ أوطانَنا، واجمعْ على الهدَى شؤونَنا، واقضِ ديونَنا، وحسنْ أخلاقَنا، وطيبْ أرزاقَنا، وارحمْ أمواتَنا، ووفِقْ ولاتَنا.
• اللهم وفقْ إمامَنا ووليَ عهدِه لهداكَ، واجعلْ عملهُمَا في رضاكَ.
• اللهم صلِ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ.

المشاهدات 564 | التعليقات 0