ضعف المسلمين... بين لحظة المحنة وطريق العودة
د أحمد بن حمد البوعلي
ضعف المسلمين... بين لحظة المحنة وطريق العودة
خطبة يوم الجمعة٥ / ٤/ ١٤٤٥ هـ الموافق ٢٠ / ١٠ /٢٠٢٣ م جامع الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني -رحمه الله تعالى - الاحساء- الهفوف -حي المزروع - الخطيب – د. أحمد بن حمد البوعلي
الخطبة الأولى
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسناومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدهورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كرهالمشركون.
أما بعد، عباد الله: تمر الأمة اليوم بمرحلة ابتلاء شديد، تتقلب فيهاالأحداث وتتزاحم فيها الفتن، وتتهاوى فيها حصون الضعفاء، بينماتثبت في داخلها قلوب الموقنين، وما يجري لإخوانكم في غزة شاهدحاضر لا يحتاج إلى دليل، بيوتهم تُقصف، طرقهم تُهدم، أموالهمتُنهب، أرواح أطفالهم وأعراض نسائهم تُستباح، مشاهد تُكتب بدماءالأبرياء، وتُقرأ بقلوب المؤمنين، وتُترجم في صحائف الملائكة يومالقيامة.
أيها المسلمون: هذه ليست مشاهد صور، هذه فصول من تاريخ أمةأراد الله لها أن تقوم من رقادها، وأن تفهم أن الضعف ليس قدراًمحتوماً، وأن النصر لا يُمنح إلا لمن أخذ بأسبابه، وما يجري اليوم منمحن هو امتداد لسنن الله في خلقه، تأملوا حال المسلمين في الأندلسقبل سقوطها، كانت القلوب متناحرة، والجهل منتشراً، والمعاصيظاهرة، فلما ضاعت هيبة الدين ضاع معها السلطان.
وقد نبه العلماء منذ قرون إلى هذا الأصل الكبير، قال شيخ الإسلامابن تيمية رحمه الله: "إذا ظهرت المعاصي في الأمة ظهر فيهاالفساد، وتسلط عليها العدو" (1)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّنمُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
وقال ابن القيم رحمه الله: "من أعظم أسباب تسلط الأعداء ضعفالبصيرة والعلم، وفساد القلوب، ومحبة الدنيا على الآخرة". (2).
عباد الله: بعض الناس يعلّق الضعف على العدو، وبعضهم يعلقه علىقلة العدد، وبعضهم يعلقه على فقدان القوة، وهؤلاء ينظرون إلى ظواهرلا إلى جذور، إن الجذر الحقيقي هو الجهل، الجهل بالله، الجهلبالدين، الجهل بالسنن الإلهية.
هذا الجهل هو الذي صنع جيلاً يعيش على الهامش، يعبد الدنيا،ويفرط في الصلاة، وينجرف وراء الشهوات، وينسى أن النصر لا يكونإلا لأهل طاعة، انظروا إلى كثير من المجتمعات اليوم، تجد التفكك فيالبيوت، وضعف تربية الأبناء، وهجر حلقات العلم، والانشغال بما لاينفع، هذه عوامل تصنع جيلاً ضعيف الهوية، هزيل الإيمان، سريعالانكسار.
وقد صدق النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "توشك أن تداعىعليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها" (3)، وليس ذلك لقلة عدد،بل لأن الأمة أصبحت غثاء كغثاء السيل، وهي كلمة تدمع لها العيونلأن الغثاء شيء بلا قيمة، بلا وزن، بلا أثر.
أيها المؤمنون: لو أن الأمة رجعت إلى ربها رجوع صدق، ورممت مابينها، وأصلحت ما في قلوبها، وتقنت لله في عبادتها، ورفعت رايةالعلم والهدى، لتغيرت أحوالها. قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لايَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾. فليست قوة العدو هي التي تهزم، بل ضعفالإيمان.
وفي التاريخ شواهد كثيرة على أن الضعف الداخلي أشد من قوةالعدو، يوم أحد، لم يُهزم المسلمون لقلة عددهم، بل بسبب مخالفة أمرالنبي صلى الله عليه وسلم. ويوم حنين، كثرت الجموع، لكن الله قال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، فكانت الهزيمة لأن الاعتماد كانعلى القوة لا على الله.
فالعبرة ليست بالعتاد، بل بالإيمان، ولا بالعدد، بل بالبصيرة، ولابالشعارات، بل بالعمل.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، واجمع كلمة المسلمين، واشفِ جراح إخواننافي كل بلد، واجعلنا من أهل الطاعة والصدق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الخطبة الثانية
الحمد لله على نعمائه التي لا تحصى، والشكر له على آلائه التي لاتستقصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنمحمداً عبده ورسوله.
عباد الله: الجهل ليس أمراً عابراً، بل هو أصل الداء، وسبب تسلطالأعداء، ومفتاح كل شر. الجهل هو الذي يقود الناس إلى التفرق،ويجعل المجتمعات تميل للشهوات، وتترك الواجبات، وتنسى حق الله.
وقد روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "منيرد الله به خيراً يفقهه في الدين".(4) وهذا يدل على أن من لميُفقه في الدين فقد فاته خير عظيم، وليس المقصود العلم اللفظي، بلعلم يثمر عملاً، ويزكي القلب، ويهذب السلوك.
وفي زمننا تظهر آثار الجهل في صور مؤلمة، منها: انتشار الربا،التهاون في الحجاب، ترك الصلاة، القطيعة بين الأقارب، الانغماس فيالترف، استهلاك بلا إنتاج، كلام بلا عمل، ولغط بلا فائدة. هذه الصورهي من نتائج غياب العلم الشرعي والوعي الإيماني.
قال الحسن البصري رحمه الله: "هلك الناس في اثنتين، الكِبروالجهل". (5)
وقال مالك بن أنس رحمه الله: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بماصلح به أولها. أي العلم والعمل." (6).
أيها المسلمون: الله سبحانه وضع سنناً لا تحابي أحداً، فمن أخذ بهانجا، ومن تركها هلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوامَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فالتغيير يبدأ من النفس، من البيت، من القلب، منالتربية. الأمة التي تربي أبناءها على العلم والجد والإيمان لا تهزمبسهولة.
ومن أمثلة العصر: انظروا إلى بعض المجتمعات التي استثمرت فيالعلم والعمل والانضباط، فأصبحت قادرة على حماية نفسها رغم قلةمواردها، بينما مجتمعات تملك ثروات لا حصر لها، لكنها بلا تخطيط،وبلا تربية، وبلا علم، فتكون ضعيفة أمام أي هجوم.
أيها المؤمنون: من وسائل الإصلاح العملية:
1.تعلم العلم الشرعي على يد العلماء.
2.إصلاح البيوت وبناء جيل يعرف ربه.
3.تربية النفس على مراقبة الله.
4.دعم المظلومين والتخفيف عنهم.
5.الإعداد النفسي والمادي للدفاع عن الأمة.
6.تقوية روابط المجتمع بالإحسان والعدل.
7.كثرة الدعاء لأنه عبادة تنقل القلب من الأرض إلىالسماء.
قال سفيان الثوري رحمه الله: "إذا أردت النصر فاستعن باللهوأصلح ما بينك وبينه، فإذا أصلحته أصلح ما بينك وبين الناس". (7).
فلنبدأ بأنفسنا: أَحْسِنُوا الظن بالله، واطلبوا منه الثبات، وادعوا بإخلاص. وادعوا لأئمة المسلمين ولولاة الأمر، وادعوا لإخواننا المستضعفين، واطلبوا من الله نصراً قريبًا يعمّ به الخير.
اللهم انصر إخواننا أهل السنة حيث كانوا، اللهم أصلح أحوال المسلمين، وقوِّ كلمتهم على الحق، واحفظ بلادنا وولاة أمرنا، وارزق قادتنا الرشاد.
اللهم أصلح قلوبنا، واغفر ذنوبنا، وانصر المستضعفين من المسلمين،واجمع كلمتنا على الحق، واحفظ بلاد المسلمين من الفتن، وصلى اللهوسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الهوامش
1- مجموع الفتاوى (15-25).
2- الفوائد ص 42.
3- أبو داود (4297).
4- البخاري (71)، مسلم (1037).
5- حلية الأولياء 2-159.
6- المدونة، كتاب العلم.
7- سير أعلام النبلاء 7-260