شَيَاطِينُ الإِنسِ فِي رَمَضَانَ

يوسف العوض
1447/08/28 - 2026/02/16 10:37AM

الخُطْبَةُ الأُولَى

الحمدُ للهِ الَّذي بَلَّغَنا رَمَضَانَ، وَفَتَحَ لَنَا فِيهِ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَأَغْلَقَ أَبْوَابَ النِّيرَانِ، وَجَعَلَهُ مَيْدَانًا لِلتَّزَوُّدِ مِنَ الإِيمَانِ، وَمِضْمَارًا لِلتَّنَافُسِ فِي الطَّاعَاتِ وَالإِحْسَانِ.

أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ رَمَضَانَ فُرْصَةٌ عُظْمَى لِتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَتَطْهِيرِ القُلُوبِ، وَمُرَاجَعَةِ الأَعْمَالِ، قَالَ تَعَالَى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وَإِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» وَلَكِنَّ العَبْدَ إِنْ لَمْ يُجَاهِدْ نَفْسَهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْذَرْ شَيَاطِينَ الإِنسِ، ضَاعَتْ عَلَيْهِ فُرَصُ الخَيْرِ.

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: إِنَّ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا قَدِيمًا، أَقْسَمَ بِعِزَّةِ اللهِ أَنْ يُضِلَّ بَنِي آدَمَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾.

وَهَذَا العَدُوُّ لَيْسَ وَاحِدًا، بَلْ هُمْ شَيَاطِينُ الجِنِّ وَالإِنسِ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾.

فَشَيَاطِينُ الجِنِّ يُوَسْوِسُونَ فِي الصُّدُورِ، وَيُزَيِّنُونَ المَعَاصِي، وَيُثَبِّطُونَ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَيُذَكِّرُونَ بِاللَّذَّاتِ، وَيُنْسُونَ الآخِرَةَ.

وَأَمَّا شَيَاطِينُ الإِنسِ فَهُمْ أَخْطَرُ؛ لأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلِسَانٍ مُبِينٍ، وَيَظْهَرُونَ فِي صُورَةِ النَّاصِحِينَ، وَيَدْعُونَ إِلَى الفِتَنِ وَالشُّبُهَاتِ، وَيُهَوِّنُونَ مِنْ شَأْنِ الذُّنُوبِ، وَيَسْخَرُونَ مِنَ المُتَمَسِّكِينَ بِالدِّينِ.

عِبَادَ اللهِ: وَإِنْ كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تُصَفَّدُ فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّ أَثَرَ مَا زَرَعُوهُ فِي القُلُوبِ قَبْلَهُ يَبْقَى، وَإِنَّ شَيَاطِينَ الإِنسِ لا يُصَفَّدُونَ؛ بَلْ يَنْشُطُونَ فِي هَذَا الشَّهْرِ لِصَرْفِ النَّاسِ عَنْ حَقِيقَتِهِ.

فَمِنْ مَكَائِدِهِمْ فِي رَمَضَانَ:

إِشْغَالُ النَّاسِ بِالمُسَلْسَلَاتِ وَالبَرَامِجِ حَتَّى تَضِيعَ سَاعَاتُ اللَّيْلِ.

تَحْوِيلُ السَّهَرِ إِلَى لَهْوٍ وَقِيلٍ وَقَالٍ، بَدَلَ القِيَامِ وَالدُّعَاءِ.

الإِفْرَاطُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ حَتَّى يُصْبِحَ الصَّائِمُ أَسِيرًا لِشَهْوَتِهِ.

إِشْغَالُ الأَوْقَاتِ فِي الأَسْوَاقِ، وَالتَّفَاخُرِ بِالمَوَائِدِ، وَإِهْمَالُ القُرْآنِ.

إِضَاعَةُ الصَّلَوَاتِ أَوِ التَّكَاسُلُ عَنْ صَلَاةِ الفَجْرِ بِسَبَبِ السَّهَرِ.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: رَمَضَانُ شَهْرُ القُرْآنِ، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِ أَنْ يَجْعَلَ نَصِيبَهُ مِنَ القُرْآنِ أَقَلَّ مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ اللهْوِ؟!

كَيْفَ يَجُوعُ بَطْنُهُ وَيَغْفُلُ قَلْبُهُ؟!

كَيْفَ يَمْتَنِعُ عَنِ الحَلَالِ نَهَارًا، ثُمَّ يَقَعُ فِي الحَرَامِ لَيْلًا؟!

إِنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ امْتِنَاعًا عَنِ الطَّعَامِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ صِيَامُ العَيْنِ عَنِ الحَرَامِ، وَصِيَامُ اللِّسَانِ عَنِ الغِيبَةِ وَالكَذِبِ، وَصِيَامُ الأُذُنِ عَنِ السُّوءِ، وَصِيَامُ القَلْبِ عَنِ الحِقْدِ وَالحَسَدِ.

فَاتَّقُوا اللهَ، وَاحْذَرُوا مَكَائِدَ الشَّيَاطِينِ، وَاجْعَلُوا رَمَضَانَ مِفْتَاحَ تَغْيِيرٍ فِي حَيَاتِكُمْ، وَلا تَكُونُوا مِمَّنْ يُدْرِكُهُ رَمَضَانُ فَلَا يُغْفَرُ لَهُ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الفَائِزَ الحَقِيقِيَّ فِي رَمَضَانَ مَنْ جَعَلَ هَذَا الشَّهْرَ نُقْطَةَ انْطِلَاقٍ، لا مُجَرَّدَ عَادَةٍ سَنَوِيَّةٍ.

إِنَّ المُجَاهَدَةَ فِي رَمَضَانَ تَكُونُ بِمُخَالَفَةِ الهَوَى، وَمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى الشَّيْطَانِ، وَسَدِّ أَبْوَابِ الفِتَنِ.

وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الثَّبَاتِ:

المُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا، وَخُصُوصًا الفَجْرَ وَالعِشَاءَ.

حُسْنُ اسْتِغْلَالِ اللَّيَالِي، وَلا سِيَّمَا العَشْرَ الأَوَاخِرَ.

الإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ؛ فَالصَّائِمُ لَهُ دَعْوَةٌ لا تُرَدُّ.

صُحْبَةُ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يُعِينُونَ عَلَى الطَّاعَةِ.

تَقْلِيلُ التَّعَرُّضِ لِمَوَاطِنِ الفِتَنِ وَالإِعْلَامِ المُضِلِّ.

عِبَادَ اللهِ: الأَيَّامُ سَرِيعَةُ الانْقِضَاءِ، وَاللَّيَالِي مَعْدُودَةٌ، وَالسَّعِيدُ مَنْ خَتَمَ شَهْرَهُ بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ، وَقَلْبٍ مُقْبِلٍ عَلَى اللهِ.

اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ، وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ المَقْبُولِينَ، وَجَنِّبْنَا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ، وَاصْرِفْ عَنَّا الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ العُتَقَاءِ مِنَ النَّارِ.

المرفقات

1771227469_شياطين.docx

المشاهدات 91 | التعليقات 0