﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (تــــعـــمــــيـــــم)
يوسف العوض
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنَا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَجَعَلَهُ مَوْسِمًا لِلخَيْرَاتِ وَمِضْمَارًا لِلتَّنَافُسِ فِي الطَّاعَاتِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الصِّيَامَ سَبِيلًا إِلَى التَّقْوَى وَالفَلَاحِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ صَامَ وَقَامَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
عِبَادَ اللَّهِ : اعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي شَهْرٍ عَظِيمٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ﴾، فَهُوَ شَهْرُ القُرْآنِ وَالهِدَايَةِ وَالنُّورِ، وَشَهْرُ الرَّحْمَةِ وَالمَغْفِرَةِ وَالعِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فَمَقْصِدُ الصِّيَامِ تَحْقِيقُ التَّقْوَى، وَتَزْكِيَةُ النُّفُوسِ، وَتَهْذِيبُ السُّلُوكِ، وَتَرْسِيخُ مَعَانِي مُرَاقَبَةِ اللَّهِ فِي القُلُوبِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ»، فَهُوَ شَهْرُ الفُرَصِ العَظِيمَةِ، وَالأُجُورِ المُضَاعَفَةِ، وَالنِّفَحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ.
وَقَالَ ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وَقَالَ ﷺ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، فَطُوبَى لِمَنْ أَقْبَلَ عَلَى اللَّهِ تَائِبًا مُنِيبًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
عِبَادَ اللَّهِ : لَيْسَ الصِّيَامُ تَرْكًا لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ تَرْبِيَةٌ عَلَى تَرْكِ المَعَاصِي، قَالَ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، فَالصِّيَامُ يُهَذِّبُ الأَخْلَاقَ، وَيُقَوِّي الإِرَادَةَ، وَيُرَبِّي عَلَى الصَّبْرِ وَالانْضِبَاطِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ القُرُبَاتِ فِي هٰذَا الشَّهْرِ الصَّدَقَةُ وَالإِحْسَانُ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، وَقَالَ ﷺ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ»، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، فَتَفَقُّدُ الفُقَرَاءِ وَالمُحْتَاجِينَ، وَالسَّعْيُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَمُوَاسَاتُهُمْ، مِنْ أَعْظَمِ مَا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ وَيُعَزِّزُ التَّكَافُلَ فِي المُجْتَمَعِ.
فَاغْتَنِمُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – أَيَّامَ رَمَضَانَ وَلَيَالِيَهُ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَبِّكُمْ، فَإِنَّهَا أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُفِّقَ فِيهَا لِلطَّاعَةِ وَالقَبُولِ.
أَقُولُ قَوْلِي هٰذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
عِبَادَ اللَّهِ : وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الصِّيَامِ تَعْزِيزَ القِيَمِ الإِيمَانِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ فِي المُجْتَمَعِ، فَيَتَعَلَّمُ المُسْلِمُ فِيهِ الصَّبْرَ وَالانْضِبَاطَ وَحُسْنَ المُعَامَلَةِ وَمُرَاقَبَةَ اللَّهِ.
وَقَدْ حَذَّرَ اللَّهُ مِنَ الإِسْرَافِ فَقَالَ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾، وَقَالَ: ﴿إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾، فَلَا يَلِيقُ بِرَمَضَانَ التَّبَاهِي فِي المَوَائِدِ وَكَثْرَةُ الأَصْنَافِ وَإِهْدَارُ الطَّعَامِ، بَلِ الوَاجِبُ تَرْشِيدُ الاسْتِهْلَاكِ وَشُكْرُ النِّعَمِ وَاسْتِحْضَارُ أَحْوَالِ الفُقَرَاءِ وَالمُحْتَاجِينَ.
وَقَالَ ﷺ: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، فَحَرِيٌّ بِالمُسْلِمِ أَنْ يَتَوَلَّى تَفَقُّدَ المُحْتَاجِينَ بِنَفْسِهِ، وَيَسْعَى فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَيُوَاسِيهِمْ، فَذٰلِكَ يُقَوِّي أَوَاصِرَ الأُخُوَّةِ وَيُعَزِّزُ التَّكَافُلَ.
عِبَادَ اللَّهِ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الصِّيَامُ سَبَبًا فِي التَّقْصِيرِ فِي الدِّرَاسَةِ أَوِ التَّهَاوُنِ فِي الأَعْمَالِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾، وَقَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»، فَالإِتْقَانُ وَالاجْتِهَادُ مِنْ حَقِيقَةِ الدِّينِ، وَالصِّيَامُ يَزِيدُ المُؤْمِنَ جِدًّا وَمَسْؤُولِيَّةً.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ، وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ المَقْبُولِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ.
المرفقات
1771501822_رمضان1.docx