سوانح رمضانية
الشيخ د. عادل بن عواض الثبيتي
الحمد لله؛ ما مِنْ مُعْطىً إلا بِمِنّةٍ مِنه وفضل، وما مِنْ محرومٍ إلا بحَقٍّ حرَمَه وعدل، نحمده سبحانه ونشكره، وهو لعظيمِ الحمدِ وجزيلِ الشكرِ أهْل، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له ولا ندّ ولا كفؤَ ولا مِثْل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خاتَمُ الأنبياءِ وأفضلُ الرُّسْل، أوضحَ الله به السبيل لعباده، فمن سلكه رَشَدَ واهتدى، ومن تنَكَّبَهُ غَوِيَ وضَلّ، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ذوي المقامِ الأعلى والمنزلِ الأَجَلّ، وعلى من تبعهم بإحسانٍ واقتفى أثرهم ما ارْتَحَلَ مُرْتَحِلٌ أو حَلّ.
أما بعد:
فإن تقوى الله تعالى خيرُ المقامات، وخشيتَه سبحانه أحسنُ الهِبَات، بها تُنالُ رفيعُ الدرجات، وبسببها تُحَطّ الأوزارُ والسيئات، فقد ربِحَ والله من كان قلبُهُ بتقوى الله آهِلا، وعن مساخطِ مولاه راحلا، وفي رياضِ عبادته مقيماً ونازلا، ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٨ﵞ ﵝالحَدِيد : ﵘﵒﵜ.
عباد الله: هذه أيّامُ النّفحاتِ الربانيّة، وليالي الهِبَاتِ الإلهيّة، والحياةُ فُرَص! فالعاقلُ من استغلّ الفرصة، واهتبل المناسَبة، واستثمر المهلة، والأحمقُ من تأتيه الفرصة، لكنه يفوّتها؛ بسببِ شهوةٍ مؤقّتة، أو عادةٍ غالبة، فلم يرفعْ لهذه الأيامِ رأسَاً، ولمْ يَرَ في تضييعها بأساً، وتلك والله الخسارة، التي تهون عندها خسارة الأموال، ويتقَزّمُ إِزَاءها ضياعُ التجارات، ولكنّ الأمرَ بيدِ الله وحده، فلا هاديَ لمنْ أضلّ، ولا مُضِلَّ لمنْ هدى، ولا معطيَ لما منع، ولا مانعَ لما أعطى.
وشهر رمضان يجتمع فيه من فُرَصِ القبول والنّجاة عند الرحمن، وسوانِحِ الفوزِ بأعالي الجِنَان، ما لا يجتمع في غيره من الشهور، وما لا يتوفر في سواه على مدى الدهور، وما ذاك إلاّ لعظيمِ فضيلته، وجزيل منزلته.
وأيمُ الله إنّ فوز العبدِ بواحدةٍ من هذه الفرصِ كفيلٌ بنقله من الضلال إلى الهدى، ومن الخذلان إلى التوفيق، ومن الشقاوة إلى السعادة، ومن ضيق المعصية إلى سَعَة الطاعة، ومن ذِلّة السيئةِ إلى عِزة الحسنة، ومن بعد البعد إلى القرب، ومن النار إلى الجنة، فكيف حالُ من فاز بفرص رمضان كلِّها؟ وظفر مِن سوانحه بنيلها؟ ﵟذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٤ﵞ ﵝالجُمُعَة : ﵔﵜ.
إدراكك رمضان وأنت قادرٌ على صومه: فُرصة، فعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن صامَ يَوْمًا في سَبيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) متفق عليه([1]).
تقلّبُكَ في الساجدين، وقيامك الليل بين يدي ربّ العالمين: فرصة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) متفق عليه([2]).
صلاتك التراويح مع إمامك حتى ينتهي على يُسْرِ وقتها: فرصة، فعن أبي ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن قام معَ الإمامِ حتى ينصرفَ كُتِبَ له قيامُ ليلةٍ) أخرجه أهل السنن إلا أبو داود([3]).
توقّفك عن لغوِ الكلام، وسيء الألفاظ، وقبيح الأفعال، وضبطك لانفعالاتك بسبب الصوم: فرصة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (...الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فلا يَرْفُثْ يَومَئذٍ وَلَا يَسْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) متفق عليه([4]).
فتحُ أبواب الجنان، وغلقُ أبواب النيران، ونداء المنادي عليك من السماء: يا باغي الخير أقبل، وإعتاقُ اللهِ كل ليلةٍ لجماعات من عباده من النار: فرصة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كانَ أوَّلُ ليلةٍ من رمضانَ صُفِّدَتِ الشَّياطينُ مردَةُ الجنِّ، وغُلِّقَتْ أبوابُ النَّارِ فلم يُفتَحْ منها بابٌ، وفتِحَت أبوابُ الجنَّةِ فلَم يُغلَقْ منها بابٌ وَنادى مُنادٍ: يا باغيَ الخيرِ أقبل ويا باغيَ الشَّرِّ أقصِر، وللَّهِ عتقاءُ منَ النَّارِ) أخرجه الترمذي وغيره([5]).
ملازمتك كتاب الله في هذا الشهر تلاوةً، وتدبراً، وحفظاً، ومراجعةً: فرصة، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها لا أقولُ (الـم) حرفٌ، ولكنْ (ألفٌ) حرفٌ و(لامٌ) حرفٌ و(ميمٌ) حرفٌ) أخرجه الترمذي([6]).
تفطيرك صائماً في هذا الشهر: فرصة، فعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( من فطَّر صائمًا فلهُ مثلُ أجرِهِ) أخرجه الترمذي وابن ماجه([7]).
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم...
الخطبة الثانية
أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون، فإن في تقوى الله مَراحُ الأرواح، وبسببها يحصل الفوز والفلاح، ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢ﵞ ﵝآل عِمۡرَان : ﵒﵐﵑﵜ.
أيها المؤمن: فتحت لك الجنةُ الأبواب، وتهيأت لدخولك إليها الأسباب، ودعاك باسمك الحُجّاب.
نادى عليك المُنادي، وحداك لجنات النعيم الحادي، وهبّت عليك منها نسائم الريحان والكادي.
فاجمعْ متاعك راحلا، واطوِ الديارَ منازلاً فمنازلا، فقد أسْمَعَكَ الداعي قائلا:
(...إنَّ لَكُمْ أنْ تَصِحُّوا فلا تَسْقَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكُمْ أنْ تَحْيَوْا فلا تَمُوتُوا أبَدًا، وإنَّ لَكُمْ أنْ تَشِبُّوا فلا تَهْرَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكُمْ أنْ تَنْعَمُوا فلا تَبْأَسُوا أبَدًا. فَذلكَ قَوْلُهُ عزَّ وجلَّ: ﵟوَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣ﵞ ﵝالأَعۡرَاف : ﵓﵔﵜ)([8]).
"هلموا إلى دار لا يموت سكانها، ولا يخرب بنيانها، ولا يهرَم شبابها (وعنفوانها)، ولا يتغير حسنها وإحسانها، هواؤها النسيم، وماؤها التسنيم، يتقلب أهلها في رحمة أرحم الراحمين، ويتمتعون بالنظر إلى وجهه كل حين"([9]).
"فواعجبا لها كيف نام طالبها؟ وكيف لم يسمحْ بمهرها خاطبها؟ وكيف طاب العيش في هذه الدارِ بعد سماع أخبارها؟ وكيف قرّ للمشتاق القرارُ دون معانقة أبكارها؟ وكيف قرّت دونها أعينُ المشتاقين؟ وكيف صبرت عنها أنفُس الموقنين؟ وكيف صدَفت عنها قلوبُ أكثرِ العالمين؟ وبأي شيء تعوضت عنها نفوسُ المعرضين؟"([10]).
([1]) أخرجه البخاري (2840)، ومسلم (1153) باختلاف يسير.
([2]) أخرجه البخاري (37)، ومسلم (759).
([3]) أخرجه الترمذي (806) مطولاً واللفظ له، والنسائي (1605)، وابن ماجه (1327) مطولاً باختلاف يسير.
([4]) أخرجه البخاري (1904)، ومسلم (1151).
([5]) أخرجه الترمذي (682)، وابن ماجه (1642).
([6]) أخرجه الترمذي (2910) واللفظ له، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (6/263)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (1983) باختلاف يسير.
([7]) أخرجه الترمذي (807)، وابن ماجه (1746)، والنسائي في ((الكبرى)) (3317)، والطبراني (5/ 255) (5267) واللفظ لهم، وأصله في الصحيحين بدون هذا اللفظ.
([8]) أخرجه مسلم (2837) من حديث أبي هريرة.
([9]) لطائف المعارف لابن رجب 31، بزيادة ما بين القوسين.
([10]) حادي الأرواح 7.
المرفقات
1771917984_سوانح رمضانية 3 9 1447.docx
1771917993_سوانح رمضانية 3 9 1447.pdf