زلزال المظالم

الشيخ محمد الوجيه
1447/08/17 - 2026/02/05 14:53PM

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي جعل العدل قِوامَ البرية، وحرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محظوراً وقضية. نحمده سبحانه حمد من أيقن أن البغي مَصْرَعُه وَخيم، وأن ربك لبالمرصاد لكل جبار أثيم

. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تبرأ بها الذمة من الإشراك، وتنجو بها النفس من مهالك الارتباك.

 وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، نبي الرحمة الذي كسر قيود الاضطهاد، وأرسى قواعد الإنصاف بين العباد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل والرشاد.

إخواني: أوصيكم ونفسي بتقوى الله -عز وجل-؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71]. 

 

أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى واحذروا من الظلم، فإن التقوى حصن منيع، والظلم مَرْتَعٌ وَبيءٌ ومَهْيَعٌ شنيع. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾.

أيها المؤمنون: إن من النفوس نفوساً كَالِحة، غشيها رانُ الأثَرَة، وأعماها بريق القدرة؛ فاسْتَمْرأتِ الجَوْرَ وظنته ذكاء، وامتَهنتِ البَغْيَ وحسبته بهاء.

 

إن الظلم -يا رعاكم الله- زلزال يقوض أركان المجتمعات، وظلام يمحو نور البركات. إذا طغى المرء وتجبر، ونسي القوي الأكبر.

 

أيها المسلمون: إن للظلم وجوهاً كالحة، أعظمها جرماً: الظلم في جنب الله؛ بالشرك والرياء، وهو الذنب الذي لا يغفر إلا بالتوبة قبل اللقاء. ثم ظلم العبد لنفسه باتباع الشهوات، وخوض غمار الموبقات. وأشدها وقعاً في الدنيا: ظلم العباد في أموالهم، وأعراضهم، ودمائهم.

يا من غرته قوته فبغى، ويا من أنساه منصبه أن الله يرى: تذكر موقفاً تشخص فيه الأبصار، وتبلى فيه الأسرار. هناك لا ينفع جاه ولا سلطان، بل هي الحسنات والسيئات ترجح بها الأوزان.

قال الصادق المصدوق ﷺ: «اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». هل تحمل نفسك سواد تلك الظلمات؟ وهل تطيق أن تكون يوم الحشر من المفلسين الهالكين؟

 

تأملوا -يا رعاكم الله- في عدل الله حتى بين العَجْماوات، حيث يُقادُ للشاةِ الجَلْحاء من القَرناء؛ ليعلم الإنسان أن ربه لا يظلم مثقال ذرة. فكيف بمن صادر حقوق الأيتام؟ أو بخس الأجراء حقهم من الطعام؟ أو آثر بعض أبنائه على بعض في العطاء والإكرام؟

 

إنها لحسرة أي حسرة، أن يجتهد العبد في صلاة وصيام، ثم يأتي يوم الزحام وقد هدم ما بنى بظلمه للأنام. فيا من عنده مظلمة: تَحَلَّلِ اليوم قبل أن تكون المُقاصَّةُ بالأنفاس والقلوب، حيث لا درهم يقضي الديون ولا دينار يمحو الذنوب.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله العدل في قضائه، القائم بالقسط في أرضه وسمائه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.

أما بعد: فاعلموا أن للمظلوم سهاماً لا تخطئ أهدافها، ودعوات لا ترد أبوابها. لقد حذر النبي ﷺ معاذاً فقال: "واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".

إن دعوة المظلوم تخرق السبع الشداد، ويقول الله لها: "وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين". لا تغتر بصلاحك إذا ظلمت فاجراً، فإن فجوره على نفسه، وظلمك له موجب للنَّقْمَة بك. كم من ظالم نام قرير العين والمظلوم يدعو عليه بقلب محترق، فأصبح الظالم وقد زال نعيمه، وتشتت شمله، وخربت دياره.

 

اذكروا مصارع الغابرين، واقرؤوا سير المعتدين؛ كيف صارت عظامهم نَخِرَة، وديارهم خاوية بما ظلموا. إن الله ليملي للظالم حتى يغتر بحلمه، فإذا أخذه لم يُفْلِتْه، ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾.

 

فيا من ظلم زوجة لا ناصر لها إلا الله، ويا من هضم حق عامل غريب تقطعت به الأسباب، ويا من شهد بالزور ليقتطع لقمة من فم مسكين: أين المهرب من ملك الملوك؟

اللهم إنا نعوذ بك أن نَظلم أو نُظلم، أو نَجهل أو يُجهل علينا...

 

المرفقات

1770292407_زلزال المظالم.docx

1770292419_زلزال المظالم.pdf

المشاهدات 285 | التعليقات 0