رمضان والدعاء
أحمد بن علي الغامدي
أَمَّا بَعدُ: فلِلنَّاسِ حَاجَاتٌ هُم لها طَالِبُونَ، وَمَطَالِبُ إِلَيهَا يَطمَحُونَ ويَتَطَلَّعُونَ ، مَرِيضٌ يَرجُو الشِّفَاءَ، وَمُبتَلًى يَطلُبُ العَافِيَةَ، وَفَقِيرٌ يَأملُ الغِنى، وَمُضَيَّقٌ عَلَيهِ يَتَلَمَّسُ السَّعَةَ، وَتَرَى بعضَ هؤلاءِ يَتَلَفَّتُونَ يَمنَةً وَيَسرَةً :يَتَفَكَّرُونَ، ليُلقُونَ بِحَاجَاتِهِم إِلى مَن يَأمُلُونَ عِندَهُ قَضَاءً لها. وَكَثِيرًا مَا يَغفُلُونَ في هَذَا عَن بَابٍ وَاسِعٍ مِن أَبوَابِ الفَرَجِ، بَابٌ أَوسَعُ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ، ذَكَرَهُ الكَرِيمُ في ثَنَايَا آيَاتِ الصِّيَامِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وَدَعَا إِلَيهِ الرَّحِيمُ عِبَادَهُ، وَرَغَّبَهُم فِيهِ وَدَلَّهُم طَرِيقَهُ، يَقُولُ الحَقُّ -تَبَارَكَ وَتَعَالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَستَجِيبُوا لي وَلْيُؤمِنُوا بي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ) قال العلماء :"وفي هذا: (إِيمَاءٌ إلى أَنَّ الصَّائِمَ مَرْجُوُّ الإِجَابَةِ في جميع نهارِ الصيامِ وعند فطرِه خاصةً)
عباد الله : حقيقة الدعاء هي : إظهارُ الافتقارِ إلى الله، والتبرؤُ من الحولِ والقوةِ ، واستشعارُ الذلةِ البشرية، وهذا من أهمِ شروطِ الدعاء: وهو أن يكون الإنسان معتقداً أنه عاجز عن حصول مطلوبه إلا بالله وحده لا شريك له.
عباد الله :إِذَا لم يَكُنْ رَمَضَانُ هُوَ شَهرُ الدُّعَاءِ وَفُرصَةُ الابتِهَالِ وَالنِّدَاءِ، فَفِي أَيِّ شَهرٍ يَكُونُ ذَلِكَ؟ وَإِذَا لم يَستَغِلَّ العَبدُ مَوسِمَ الرَّحمَةِ لِيَرفَعَ إِلى مَولاهُ حَاجَاتِهِ وَرَغَبَاتِهِ، فَمَتى يَكُونُ ذَلِكَ؟ فاجتهدوا في تحري مواطِنِ وأحوالِ الإجابة، قال-صلى الله عليه وسلم-: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبدِ في جَوفِ اللَّيلِ الآخِرِ".وَقُال -عليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: "إِنَّ في اللَّيلِ لَسَاعَةً لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسلِمٌ يَسأَلُ اللهَ خَيرًا مِن أَمرِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ إِلاَّ أَعطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ في كُلِّ لَيلَةٍ".
وَبَينَ أَيدِيكُم السُّجُودُ في الصَّلَوَاتِ المَكتُوبَات، وَبَينَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وفي قِيَامِ اللَّيلِ، فأَقرَبُ مَا يَكُونُ العَبدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ.
قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللهَ -تعالى- حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَستَحِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيهِ يَدَيهِ أَن يَرُدَّهُمَا صِفرًا خَائِبَتَينِ". وقال صلى الله عليه وسلم: " أعجزُ الناسِ من عجَزَ من الدعاء"
عباد الله :يَا أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: اغتنموا هَذِهِ الفُرَصَ العديدةَ لِلدُّخُولِ عَلَى مَلِكِ المُلُوكِ؟ ووَاللهِ لَو فَتَحَ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ الدُّنيَا بَابَهُ للناس يَومًا لِيَرفَعُوا إِلَيهِ حَاجَاتِهِم وَيَبُثُّوهُ شَكَاوَاهُم، لَوَجَدتَ الزِّحَامَ عَلَى بَابِهِ كَثِيفًا، وَلأَلفَيتَ الحَاضِرِينَ إِلى قَصرِهِ لَفِيفًا، فَكَيفَ وَمَلِكُ المُلُوكِ هُوَ الذي يَفتَحُ ابَوابَه للسائلين؟.
كَيفَ وَهُوَ -سُبحَانَهُ- قد تسمى بالقَرِيب والمُجِيبِ والغني والكريم والمنانِ والوهّاب والجوادِ والواسع والبرِ والصمد والحميد والمجيد ، فَأَكثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ في شَهرِ البَرَكَاتِ، وَارفَعُوا إِلى اللهِ جَمِيعَ الحَاجَاتِ، وَأَلِحُّوا بِالمَسأَلَةِ في شَهرِ النَّفَحَاتِ؛ فَإِنَّ مَن أَكثَرَ طَرقَ البَابِ فُتِحَ لَهُ، وَرَبُّ العَالمينَ يُحِبُّ مِن عَبدِهِ أَن يُلِحَّ عَلَيهِ في الدُّعَاءِ،وَاحذَرُوا العَجَلَةَ وَاستِبطَاءَ الإِجَابَةِ، وَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ بِقُربِ الفَرَجِ ، فَقَد قال -صلى الله عليه وسلم-: "يُستَجَابُ لأَحَدِكُم مَا لم يَعجَلْ، يَقُولُ: دَعَوتُ فَلَم يُستَجَبْ لي". وَيَقُولُ -صلى الله عليه وسلم-: "اُدعُوا اللهَ وَأَنتُم مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ لا يَستَجِيبُ دُعَاءً مِن قَلبٍ غَافِلٍ لاهٍ".
عباد الله أقول هذا القول....
أَمَّا بَعدُ: فَإِنَّ -أكرمَ الأكرمين - لا يُضِيعُ أَجرَ مَن أَحسَنَ عَمَلاً، وَلا يُخَيِّبُ مَن أَعظَمَ فِيهِ رَجَاءً، قَال -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِن مُسلِمٍ يَدعُو بِدَعوَةٍ لَيسَ فِيهَا إِثمٌ وَلا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلاَّ أَعطَاهُ اللهُ بها إِحدَى ثَلاثٍ: إِمَّا أَن يُعَجِّلَ لَهُ
دَعوَتَهُ، وَإِمَّا أَن يَدَّخِرَهَا لَهُ في الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَن يَصرِفَ عَنهُ مِنَ السُّوءِ مِثلَهَا"، قَالُوا: إِذًا نُكثِرُ. قَالَ: "اللهُ أَكثَرُ".أي : [[أكثرُ إحساناً ونوالاً مما تطلبون وتسألون]].
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ رحمه الله تعالى:" فالدعاءُ إذا لم يكنْ فيه اعتداءٌ، سيحصلُ به المطلوبُ أو مثلُه، وهذا غايةُ الإجابة، فإنّ المطلوبَ بعينِه قد يكون ممتنعًا، أو مفسدا للداعي أو لغيرِه، والداعي جاهل لا يعلم ما فيه من المفسدةِ عليه، والربُ قريبٌ مجيب، وهو أرحمُ بعباده من الوالدة بولدها، والكريمُ الرحيمُ إذا سئل شيئًا بعينه وعلِم أنه لا يصلح للعبد أعطاه نظيره كما يصنع الوالد بولده إذا طلب منه ما ليس له، فإنه يعطيه من ماله نظيره، ولله المثل الأعلى" انتهى كلامه رحمه الله .
وقال شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ رحمه الله :"والدعاءُ من أعظم الأسباب في حصول المطلوبِ، ودفعِ المرهوب، وإذا أراد الله بعبد خيرا ألهمَه دعاءَه، وجعل ذلك سببا للخير الذي قضاه له"..... [ثم قال] والصلاةُ على النبي ﷺ مع الدعاء من أقوى الأسباب التي يُرجى بها الإجابة".
عباد الله : صلوا وسلموا ...
المرفقات
1772052088_رمضان والدعاء.docx