رَمضان فرصةُ العُمْرِ ومشروع التغيِيرِ
أسامة بن سعود عبد الله التميمي
1447/09/03 - 2026/02/20 05:34AM
رَمَضَانُ…
فُرْصَةُ العُمْرِ وَمِشْرُوعُ التَّغْيِيرِ
الخُطْبَةُ الأُولَى
- اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنَا مَوَاسِمَ الطَّاعَاتِ، وَفَتَحَ لَنَا أَبْوَابَ الرَّحْمَاتِ، وَجَعَلَ فِي الأَعْمَارِ فُرْصًا لِلتَّوْبَةِ قَبْلَ الفَوَاتِ.
نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَنَسْتَغْفِرُهُ مِنْ تَقْصِيرِنَا وَعِصْيَانِنَا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ رَمَضَانَ مَيْدَانًا لِلتَّسَابُقِ إِلَيْهِ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ أَعْرَفَ النَّاسِ بِقَدْرِ هَذَا الشَّهْرِ، وَأَكْثَرَهُمْ فِيهِ إِقْبَالًا وَجُودًا.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ.
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ التَّقْوَى سَبَبُ كُلِّ خَيْرٍ، وَمِفْتَاحُ كُلِّ فَلَاحٍ، وَأَمَانُ الْعَبْدِ يَوْمَ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
نَحْنُ نَعِيشُ شَهْرًا عَظِيمًا…
شَهْرٌ إِذَا دَخَلَ تَغَيَّرَتِ الموازين لِأَهْلِ الإِيمَانِ
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ».
تَأَمَّلُوا…
أَبْوَابُ الجَنَّةِ مَفْتُوحَةٌ…
فَهَلْ نُقْبِلُ؟
أَبْوَابُ النَّارِ مُغْلَقَةٌ… فَهَلْ نُقْلِعُ؟
الشَّيَاطِينُ مُقَيَّدَةٌ… فَمَا الَّذِي يُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ؟
رَمَضَانُ لَيْسَ تَارِيخًا فِي التَّقْوِيمِ…
بَلْ فُرْصَةُ عُمْرٍ قَدْ لَا تَتَكَرَّرُ.
فَأَوَّلُ مَا نَسْتَقْبِلُ بِهِ رَمَضَانَ: تَوْبَةٌ صَادِقَةٌ.
تَوْبَةٌ تُصْلِحُ صَلَاتَنَا.
تُزَكِّي أَلْسِنَتَنَا.
تُطَهِّرُ خَلَوَاتِنَا.
نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ.
ثُمَّ يَا عِبَادَ اللَّهِ:
رَمَضَانُ شَهْرُ الجُودِ وَالإِحْسَانِ.
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ،
حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:
«فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ».
وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الجُودِ فِي رَمَضَانَ: بَذْلُ الصَّدَقَاتِ، وَإِخْرَاجُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[البقرة: ٢٧١]
فبِالصَّدَقَةِ… يَلِينُ القَلْبُ.
وَبِالصَّدَقَةِ… تُفَرَّجُ الكُرُبَاتُ.
وَبِالصَّدَقَةِ… يُبَارَكُ فِي الرِّزْقِ وَالعُمْرِ.
وَمِنَ أجمل الصَّدَقَةِ: دِرْهَمٌ تُخْفِيهِ عَنِ الأَعْيُنِ.
وَمِنْهَا: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ.
وَمِنْهَا: ابْتِسَامَةٌ صَادِقَةٌ فِي وَجْهِ أَخِيكَ.
وَمِمَّا يُشَارُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ العَظِيمِ: تَفْطِيرُ الصَّائِمِينَ.
قَالَ ﷺ:
«مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ».
تَأَمَّلْ…
تُقَدِّمُ إِفْطَارًا وَلَوْ كَانَ بَسِيطًا، فَيُكْتَبُ لَكَ أَجْرُ صِيَامِ يَوْمٍ كَامِلٍ؛
وَكَأَنَّكَ صُمْتَ يَوْمَيْنِ بَدَلَ يَوْمٍ وَاحِدٍ.
بذل صَادِق… يكُونُ لَكَ نُورًا يَوْمَ تَلْقَى اللَّهَ، وَذُخْرًا يَوْمَ يَقِلُّ الزَّادُ وَيَعْظُمُ الحِسَابُ.
وَلْيَكُنْ إِحْسَانُكَ بِحِكْمَةٍ وَتَحَرٍّ؛
فَابْحَثْ عَنِ المُتَعَفِّفِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ:
﴿يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾.
وَابْدَأْ بِالأَقْرَبِينَ؛
فَإِنَّ «الصَّدَقَةَ عَلَى ذِي القَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ».
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
رَمَضَانُ شَهْرُ الْقُرْآنِ…
فَلِمَاذَا لَا يَكُونُ هَذَا الرَّمَضَانُ بَدَايَةَ مِشْرُوعِ حِفْظِكَ لِكِتَابِ اللَّهِ؟
حِفْظُ الْقُرْآنِ لَيْسَ خَاصًّا بِالصِّغَارِ، وَلَا بِفِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛
بَلْ هُوَ شَرَفٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
يُبَارِكُ فِي الْوَقْتِ،
وَيُثَبِّتُ الْقَلْبَ،
وَيُزَكِّي النَّفْسَ،
وَيَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا قَدْرًا، وَفِي الْآخِرَةِ دَرَجَةً.
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْتِي الْقُرْآنُ شَفِيعًا لِصَاحِبِهِ،
وَيُقَالُ لَهُ:
«اقْرَأْ وَارْتَقِ… فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا».
وَالْيَوْمَ تَيَسَّرَتِ الْوَسَائِلُ:
حِلَقٌ حُضُورِيَّةٌ،
وَدُرُوسٌ عَنْ بُعْدٍ،
وَتَطْبِيقَاتٌ فِي الْهَوَاتِفِ.
فَلَا تَحْرِمْ نَفْسَكَ هَذَا الشَّرَفَ.
اجْعَلْ رَمَضَانَكَ بَدَايَةً… وَلَوْ نِصْفَ وَجْهٍ فِي الْيَوْمِ،
فَالْقَلِيلُ مَعَ الْمُدَاوَمَةِ يَصِيرُ كَثِيرًا.
هذا واحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ مِنَ الإِسْرَافِ فِي مَوَائِدِ الإِفْطَارِ.
قَالَ اللَّهُ:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.
رَمَضَانُ مَدْرَسَةُ اقْتِصَادٍ فِي النَّفْسِ… لَا مَوْسِمُ مُبَاهَاةٍ.
وَلَا يَكُونُ الصِّيَامُ عُذْرًا لِلتَّقْصِيرِ فِي الدِّرَاسَةِ أَوِ العَمَلِ.
قَالَ ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ».
فَرَمَضَانُ يَزِيدُ المُؤْمِنَ انْضِبَاطًا… لَا كَسَلًا.
وَهِمَّةً… لَا فُتُورًا.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ،
وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الْمَقْبُولِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الْمَحْرُومِينَ،
وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
🕌 الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يُحِبُّ ربُّنا ويرضى،
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له،
وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليه، وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين.
أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، اتقوا الله حقَّ التقوى.
رَمَضَانُ لَيْسَ شَهْرًا طَوِيلًا…
إِنَّهُ أَيَّامٌ مَعْدُودَةٌ.
لَيَالٍ سَرِيعَةُ الاِنْقِضَاءِ.
كُلُّ يَوْمٍ يَمْضِي… يَنْقُصُ مِنْ رَصِيدِكَ.
وَكُلُّ لَيْلَةٍ تَغْرُبُ… لَا تَعُودُ إِلَيْكَ.
كَنَّا بِالأَمْسِ نَقُولُ: أَقْبَلَ رَمَضَانُ…
وَسَيُقُالُ قَرِيبًا: وَدَّاعا رمضان.
فَالسَّعِيدُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَ السَّاعَةِ قَبْلَ فَوَاتِهَا.
وَالْمُوَفَّقُ مَنْ رَتَّبَ وَقْتَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْدَمَ عَلَيْهِ.
رَتِّبْ يَوْمَكَ فِي رَمَضَانَ.
اجْعَلْ لِلصَّلَاةِ أَوَّلَوِيَّتَهَا.
فَإِنَّهَا أَعْظَمُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ العَبْدُ إِلَى رَبِّهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ:
«وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ».
وَاجْعَلْ لِلْقُرْآنِ وَرْدَهُ الثَّابِتَ.
وَلِلصَّدَقَةِ نَصِيبَهَا ولو بالقليل.
وَلِلدُّعَاءِ سَاعَتَهُ.
لَا تَدَعِ السَّاعَاتِ تَذْهَبُ فِي لَهْوٍ لَا يَبْقَى،
وَلَا تَسْرِقْ مِنْ رَمَضَانَ أَيَّامَهُ بِالغَفْلَةِ وَالتَّسْوِيفِ.
رَمَضَانُ فُرْصَةُ تَجْدِيدٍ،
فُرْصَةُ قُرْبٍ مِنَ اللَّهِ،
فُرْصَةُ صِلَةٍ بِكِتَابِهِ،
فَلَا تَدَعُوهُ يَمُرُّ كَغَيْرِهِ.
تَدَارَكُوا أَيَّامَهُ قَبْلَ أَنْ تَتَفَلَّتَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيكُمْ.
فَإِنَّ الأَعْمَالَ بِالخَوَاتِيمِ،
وَإِنَّ السَّابِقَ مَنْ أَدْرَكَ آخِرَ الشَّهْرِ بِهِمَّةٍ أَعْلَى مِنْ أَوَّلِهِ.
وَإِذَا كُنَّا نَرْجُو قَبُولَ أَعْمَالِنَا فِي هَذَا الشَّهْرِ،
وَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ المُتَّقِينَ فِيهِ،
فَمِنْ أَعْظَمِ مَا نَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ:
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ البَرِيَّةِ،
فقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ عَلَى حُسْنِ اسْتِغْلَالِ أَوْقَاتِنَا،
وَاجْعَلْ أَيَّامَهُ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ،
وَلَيَالِيَهُ رِفْعَةً لَنَا فِي الدَّرَجَاتِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ المُحْسِنِينَ، وَمِنَ المُتَّقِينَ، وَمِنَ المَقْبُولِينَ،
وَأَصْلِحْ قُلُوبَنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَعْمَارِنَا،
وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ فَرِّجْ هُمُومَ المَهْمُومِينَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ المَدِينِينَ،
وَاشْفِ مَرْضَانَا وَمَرْضَى المُسْلِمِينَ،
وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَوُلَاةَ أَمْرِنَا، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد،
وعلى آله وصحبه أجمعين،
وأقمِ الصلاة.
المرفقات
1771554804_رَمَضَانُ.pdf