رَمَضَانُ… فُرْصَةُ العُمْرِ وَتِجَارَةُ الرَّابِحِينَ

فهد فالح الشاكر
1447/09/02 - 2026/02/19 23:28PM
   رَمَضَانُ… فُرْصَةُ العُمْرِ وَتِجَارَةُ الرَّابِحِينَ
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيِّبًا مُباركًا فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى
الحمدُ للهِ الَّذي بلَّغَنا شهرَ القُرآن، وموسمَ الغُفران، وأيَّامَ الإحسان
الحمدُ للهِ الَّذي أمهلَنا فأدركْنا، وستَرَنا فلم يفضَحْنا، وفتحَ لنا أبوابَ الرَّحمةِ قبلَ أن تُغلَق
وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ، فاتَّقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ من أعظمِ نِعَمِ اللهِ على العبدِ أن يُدرِكَ رَمَضان.
فالحمدُ للهِ على إدراكِ شهرِ القُرآن
والحمدُ للهِ أن قيلَ لنا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾
ولم نكن من الغائبين، ولا من المعدودين في عدادِ الموتى.
عبادَ اللهِ
رمضانُ ليس شهرَ العادات، بل شهرُ العبادات
ليس شهرَ الموائد، بل شهرُ المُجاهَدات
ليس شهرَ النَّومِ والسَّهَر، بل شهرُ القِيامِ والسَّحَر.
قال اللهُ تعالى:
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾
كلمةٌ قصيرةٌ، لكنَّها تُزلزِلُ القلوب
أيامٌ قليلة، سريعة، خاطفة
تمرُّ مرَّ السَّحاب، وتنقضي انقضاءَ الأعمار.
ولِمَ قال اللهُ: أيامًا معدودات؟
ليوقِظَ الغافلين، ويُحذِّرَ المُسوِّفين
ويقولَ لك: لا تُؤجِّل، لا تُفرِّط، لا تقل غدًا.
فاستغلُّوا كلَّ لحظةٍ فيه
استغلُّوا الأنفاس، والدقائق، والسَّجَدات
ففي رمضانَ تُرفَعُ الدَّرجات، وتُكَفَّرُ السَّيِّئات، وتُغفَرُ الزَّلَّات.
ولِعِظَمِ هذا الشَّهر، جاء الوعدُ الصَّادقُ من نبيِّكم ﷺ، فقال:
«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»،
وقال ﷺ:
«وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»،
وقال ﷺ:
«وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
إيمانًا لا عادة ، واحتسابًا لا رياء
فأيُّ كرمٍ أعظم؟ وأيُّ صفقةٍ أربح؟
 
ثم اسمعوا – عبادَ الله – إلى هذا الحديثِ العظيم:
صعدَ النبيُّ ﷺ المنبر، فلمَّا رَقِيَ الدَّرَجَةَ الأُولَى قال: «آمِينَ»
ثم رَقِيَ الثَّانِيَةَ فقال: «آمِينَ»
ثم رَقِيَ الثَّالِثَةَ فقال: «آمِينَ».
فقيل: يا رسولَ اللهِ، لِمَ قلتَ آمين؟
فقال ﷺ:
«قالَ لي جِبْرِيلُ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ».
 
اللهُ أكبر…
أدركَ رمضان، ثم خرجَ منه بلا مغفرة!
فأيُّ حرمانٍ بعد هذا الحرمان؟
 
عبادَ اللهِ
ومن أعجبِ ما يُبَيِّنُ فضلَ اغتنامِ رمضان، ما جاء في الحديث الذي صححه الألباني رحمه الله
أنَّ رجلينِ أسلما معًا، فجاهدَ أحدُهما فاستُشهِد
وأُخِّرَ الآخرُ بعده عامًا ثم مات.
 
فرآهما بعضُ الصحابةِ في المنام
فرأى الذي ماتَ بعده قد دخلَ الجنَّةَ قبلَ الشَّهيد
فعجبوا من ذلك، وذكروا الأمرَ للنبيِّ ﷺ، فقال ﷺ:
 
«أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ؟
وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا سَجْدَةً فِي السَّنَةِ؟»
ثم قال ﷺ:
«فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ».
 
رمضانٌ واحد
وصيامُ أيَّامٍ معدودات
وركعاتٌ صادقات
ترفعُ عبدًا درجاتٍ عظيمة.
ثم تذكَّروا – عبادَ الله – مَن كان معنا في رمضاناتٍ مضت، ثم غابوا عن الصُّفوف، وسُكِنت بهم القبور:
كَمْ كُنْتَ تَعْرِفُ مِمَّنْ صَامَ فِي سَلَفٍ
مِنْ بَيْنِ أَهْلٍ وَجِيرَانٍ وَإِخْوَانِ
أَفْنَاهُمُ الْمَوْتُ وَاسْتَبْقَاكَ بَعْدَهُمْ
حَيًّا فَمَا أَقْرَبَ الْقَاصِي مِنَ الدَّانِي
ذهبوا وبقينا
وما بقاءُنا بكرامة
إنما هو إمهالٌ
فانظر ماذا ستصنع في هذه الأيَّامِ الْمَعْدُودَات.
عبادَ اللهِ
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم، فاستغفروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيم.
 
 
                               الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحمدُ للهِ حمدًا يليقُ بجلالِهِ وعظيمِ سُلطانِهِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، تعظيمًا لِشأنِهِ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه الدَّاعي إلى رِضوانِهِ، صلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليه، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.
أمَّا بعدُ:
عبادَ اللهِ
إنَّ الخاسرَ كلَّ الخسارةِ من أدركَ رمضانَ ثم خرجَ منه كما دخل
لم يُغفَرْ له، ولم يتُبْ، ولم يُغيِّر حالَه مع الله.
فاجعلوا رمضانَ شهرَ التوبةِ الصَّادقة
وشهرَ القيامِ والخُشوع
وشهرَ تصحيحِ المسار
قبل أن تُطوَى الصُّحُف، وتُغلَق الصَّفحات.
عبادَ اللهِ
مما يُؤكِّدُ عليه في  هذا الشهر، الحثُّ على الصدقات، وتحري المحتاجين، وبذل المعروف في هذا الموسم العظيم
فهو شهرُ الإحسان، وشهرُ تفريج الكُرُبات، وشهرُ مواساةِ الفقراء والمساكين.
فتحرَّوا المحتاجَ بصمت، وأعطوا بصدق، وأنفِقوا ممّا تحبّون
فما نقص مالٌ من صدقة، بل تزكو بها النفوس، وتُبارَكُ بها الأعمار
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صِيَامَنَا، وَقِيَامَنَا، وَصَالِحَ أَعْمَالِنَا، وَاجْعَلْهُ خَالِصًا لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ ، اللهمَّ اجعلْنا فيه من عُتقائِك من النَّار، واكتبْ لنا فيه المغفرةَ والرِّضوان، وحُسنَ الخِتام.
عباد الله /  صلُّوا وسلِّموا على نبيِّكم ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِذَلِكَ
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى صَاحِبِ الْوَجْهِ الْأَنْوَرِ، وَالْجَبِينِ الْأَزْهَرِ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺالِّلهم صلِ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ .
اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝
وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ۝ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
المرفقات

1771532879_رَمَضَانُ… فُرْصَةُ العُمْرِ وَتِجَارَةُ الرَّابِحِينَ.pdf

المشاهدات 320 | التعليقات 0