خطر المسكرات والمخدرات

خطر المسكرات والمخدرات

ألقيت في جامع حمراء الأسد بالمدينة النبوية

بتاريخ 2/ ربيع الأول/ 1443

عبد الله بن عبد الرحمن الرحيلي
 

عناصر الخطبة:

1-حفظ الإسلام للضروريات الخمس.

2- الآثار السيئة للخمر والمسكرات.

3- تحريم المسكرات في النصوص.

4- دخول المخدرات في الإسكار المنهي عنه.

5- جزاء متعاطي المسكرات والمخدرات في الآخرة.

6-أسباب تعاطي المخدرات.

7-علاج المخدرات والوقاية منها.

8-حرمة الستر على المروجين، ووجوب الإبلاغ عنهم.

9-خبر الصحابة رضي الله عنهم لما نزل تحريم الخمر.

10-رسالة لمن يتعاطى مسكرا أو مخدرا.

 

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً.

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمعه ويراه، واعمروا أوقاتكم بطاعة الله، وإذا استغنى الناس بالدنيا فاستغنوا أنتم بالله، وإذا فرحوا بالدنيا فافرحوا أنتم بالله، وإذا أنِسوا بأحبابهم فاجعلوا أنسكم بالله.

 

أيها المسلمون: امتن الله علينا بدين عظيم، لم يكن لأمة من الأمم مثلُه، ولا نزل على نبي نظيرُه.

دين حفظ الله لنا به الدين والنفس، والعقل والمال، والنسب.

 

فحرم الردة ليحفظ على الناس الدين؛ فيفوزوا بالسعادة الأبدية في جوار رب العالمين.

 

وحفظ النفوس: فحرم الله القتل وشرع القصاص، لتنحقن بذلك الدماء، وتنقمع به الأشقياء.

 

وحفظ المال: فأوجب الأمانة، وحرم السرقة والخيانة.

 

وحفظ الأنساب: فحث على الزواج وأشاع فضائله، وحرم الزنى ووسائله.

 

وحفظ العقول والأبدان: فحرم كل ضار ومسكر، لتبقى عقول العباد سليمة، يعقلوا بها عن الله أمره ونهيه، فيحققوا العبادة، ويفوزوا بالسعادة.

 

عباد الله.. آفةُ عظيمة الخطر، بالغة الضرر، تهدم ما جاء بحفظه الإسلام، هي أصل كل بلاء ورأس كل إجرام، فرقت الشمل وشتَّت الأسر، أم الخبائث والكبائر، تجمع ألوانا من الخسائر، إذهاب للعقول، وهتك للأعراض، وباب للسرقات، وطريق للقتل وسائر الموبقات، رجسٌ ونجَس، آفة لم تنتج إلا البلايا، ولم تخرج إلا الدنايا.

 

إنها آفة المسكرات والمخدّرات.

تودي بأهلها في أقبح المهالك، وأسوأ المسالك، إنه مستنقع للفساد والرذيلة، ينشد أهله فيه المال بكل وسيلة.

 

تهدم القيم الخلقية، وتجلب الأمراض النفسية والعصبية والعقلية.

في أضرار تفوق العد والإحصاء.

 

توارد على ذمها العقلاء، منذ عهد الجاهلية الجهلاء، إلى أن جاء الله بدين الكمال والطهر والصفاء؛ فذمها وحرّمها ، ولعن عاصرَها ، ومعتصرَها ، وشاربَها ، وحاملَها ، والمحمولةَ إليه ، وساقِيَها ، وبائعَها ، وآكلَ ثَمَنِها ، والمشترِي لها ، والمُشتَراةَ له.

 

أخبر الله أنها تورث العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة،

إنها باب عظيم للبغي والعدوان، وهي رجس من عمل الشيطان.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) [المائدة: 90-91].

 

تَذهب بالدين وواجب الإيمان.

قال عليه الصلاة والسلام: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن"

 

قال عثمان بن عفان: "إنه -والله- لا يجتمع الإيمان والخمر في قلب رجلٍ إلا يوشك أحدهما أن يذهب بالآخر"

 

إنها مفتاح كل شر، وأصل كل بلاء وخسر.

أم الخبائث ومصدر القبائح.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ"

 

قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ " إِيَّاكُمْ وَالْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ، أُتِيَ رَجُلٌ فَقِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تَحْرِقَ هَذَا الْكِتَابَ وَإِمَّا أَنْ تَقْتُلَ هَذَا الصَّبِيَّ وَإِمَّا أَنْ تَقَعَ عَلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَإِمَّا أَنْ تَشْرَبَ هَذَا الْكَأْسَ وَإِمَّا أَنْ تَسْجُدَ لِهَذَا الصَّلِيبِ.

قَالَ: فَلَمْ يَرَ فِيهَا شَيْئًا أَهْوَنَ مِنْ شُرْبِ الْكَأْسِ، فَلَمَّا شَرِبَهَا سَجَدَ لِلصَّلِيبِ وَوَقَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَقَتَلَ الصَّبِيَّ وَحَرَقَ الْكِتَابِ "

 

عباد الله.. الخمر هي كلّ ما خامر العقل مهما كان نوعُه واسمه؛ قال رسول الله: "كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلّ خمرٍ حرامٌ"

 

والمخدرات بأنواعها شر من الخمر؛ ابتلاعا لها أو شما، تدخينا لها أو حقنا.

 

تُذهِب العقلَ وتُكسِب الجهلَ، وتُسقِط المروءةَ، وتُفسِد الفتوةَ، وتدعو إلى عشرة الوضيع، وتحط درجة الرفيع.

 

تقتُل الغيرة؛ حتى يصير متعاطيها ديّوثًا وممسوخًا.

فهي تشارك الخمر في الإسكار، وتزيد عليها في كثرة الأضرار.

 

لا تورث إلا شرا ووبالا، ومع غلائها فإنّ مروِّجَها من أفقر الناس وأتعسهم حالاً.

 

تستنزف من المتعاطي الأموال، حتى يضيق بالنفقة على الزوجة والعيال، بل ربما باع الأهل والعرض، مقابل مسكر أو مخدر.

 

تسفل المخدرات بهمة المتعاطي وتنحدر، فتنحصر في كأس مسكر أو جرعة مخدر.

 

تورث الجنون، وربما أذهبت عقل متعاطيها بالكلية؛ فيهيم على وجهه في الطرقات، يأوي إلى الحشوش المحتضرة، والأماكن المنتنة، متسخ الثياب في حال بئيسة، هوان في الدنيا والآخرة، نسأل الله العافية.

 

عباد الله.. وأما جزاء من يتعاطى المسكر والمخدر في الآخرة.. فطينةُ الخبال، والعذاب والنكال.

 

يقول  النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ" قَالُوا: "يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟"، قَالَ: "عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ: عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ"

 

إنها تجارة كاسدة خاسرة، ضرر في الدنيا، وعذاب أليم في الآخرة.

 ويقول صلى الله عليه وسلم: "مُدْمِنُ الْخَمْرِ إِنْ مَاتَ لَقِيَ اللَّهَ كَعَابِدِ وَثَنٍ".

 

وقال صلى الله عليه وسلم : (من شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يُدمنها لم يتُب؛ لم يشربها في الآخرة)

فكيف يستبدل المسلمُ النعيمَ بالجحيم، وخمرَ الجنة المصون، بخمر الدنيا الملعون.

قال صلى الله عليه وسلم "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ".

 

إنها نصوص تخويف ووعيد، وزجر وتهديد، فيا ويل من لم يتب منها، قبل أن يقف غدا بين يدي الله فيسأله عنها.

 

عباد الله..

أما أسباب انتشار هذا البلاء؛ فضعفُ وازع الدين والإيمان، وظلامُ القلوب بكثرة المعاصي والذنوب، والغفلة عن الله، والبعد عن طاعته وهداه، والتهاون في صلة العبد بمولاه، ووسائل وملهيات أسهمت في والغفلة، وهونت ارتكاب المعصية، فلا يزجر العبد عن العصيان عذاب الآخرة، ولا تردعه عقوبةٌ في الدنيا معجلة.

 

ومن لم يكن له دين صحيحٌ يمنعه؛ فلا عقلَ ينفعه، ولا زجرَ يردعه.

 

ومن أسباب هذا البلاء: وسائل اتصال وقنوات، صحِبت البنين والبنات، بما تعرضه من دعايات ومسلسلات، تهون من أمر الخمر والمسكرات، فويل لهم من عذاب الله وعقوبته، وويل لمن غش رعيته؛ فلم يُحِطْهم بملاحظته وعنايته.

 

ورفقاء السوء منهم يبتدأ الشر، يوقعون صاحبهم في المنكر، طلبا لمتعة متوهمة، أو نيلا للذة ساعة ذاهبة.

 

تأمل يا عبد الله.. يغفل الشاب عن طاعة الله: فيجثم الشيطان على قلبه ويوسوس، ويزين له الهروب من عيش بئيس ليقع في أبأس؛ ويغريه بالانتقال من واقع تعيس فينتهي إلى أتعس.

 

إنه غياب مؤقت، يعقبه صحوة على خسارة عظيمة، وعقوبة أليمة، تعاسة في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.

ألا ما أعظم الجناية، وما أشنع العاقبة والنهاية .

 

عباد الله..

أصبحت المخدرات سلاحا فتاكا للأعداء، يهدمون به الدول والمجتمعات.

قصدوا بها شبابا كثُر فراغهم، وضعُف إيمانهم، وتفككت أسرهم؛ وغاب التوجيه عنهم؛ فصنعوا للشاب حاضنة شر تؤويه، في غفلة من أمه وأبيه، أغروه بالأموال واللذائد المتوهمة؛ فوقع في حبائل المخدرات؛ فضعف منه البدن، وفسد العقل.

في قصص وأخبار تواترت، ووقائع تزايدت وتكاثرت.

 

وبعد عباد الله.. فاحمدوا الله أن عافاكم من شر الخمر والمسكرات، واسعوا إلى إصلاح البيوت وإحسان تربية الناشئة، كونوا لهم القدوة الصالحة، ربوهم على الصلاة والطاعات والعملِ للآخرة.

 

أرشدوهم لما ينفعهم، واعمروا أوقاتهم بما هو صالح لهم، وأحسنوا اختيار صحبتِهم، تابعوهم فيما يتابعون.

 

وكونوا في يقظة دائمة، فإذا رأيتم منهم ما يُريب، ومن صحبتهم ما يسوء،  فادفعوا عنهم الخطر، وجنبوهم الشر والضرر، وأحيطوهم بالدعاء لهم بالصلاح والتوفيق.

 

وإننا لنحمد الله تعالى أن من علينا ببلد يحكم بشرع الله في المروجين للمخدرات؛ وهو القتل، ويحرص رجال أمنه على تتبعهم وكف شرهم.

وفقهم الله وقواهم، وأعظم أجورهم وسدد في الخير خطاهم.

 

عباد الله .. كونوا جميعا حراس ثغور مع حراس الثغور، لقطع دابر المجرمين، بالتعاون مع الأجهزة المعنية لفضح أوكار المفسدين، والإبلاغ عن المروجين.

 

واعلموا أنه لا يجوز الستر عليهم، والمتستر عليهم مشارك لهم في جرمهم، فاتقوا الله في أهلكم ومجتمعكم.

 

اللهم احفظنا وأولادنا من كل سوء وشر، وأعذنا وإياهم من شر شياطين الإنس والجن، وقنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين من المخدرات وسائر الشرور يا رب العالمين.

اللهم احفظنا من شر الأشرار وكيد الفجار وشر طوارق الليل والنهار

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله فاطر الأرض والسماوات، حرم الخبائث وأحل الطيبات.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد أزكى البريات،  المؤيد بالآيات الباهرات ،

 

أما بعد..

عباد الله.. لا وازعَ عن الرذائل كوازع الإيمان والدين، ولا رادعَ كالخوف من رب العالمين.

 

تأملوا نبأ المؤمنين زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لما نزل تحريم الخمر، أريقت الخمر في شوارع المدينة أنهاراً ؛ لسماعهم نداء المنادي: "ألا إن الخمر قد حرمت"

 

فقال أحدهم: "فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، قال: وبعض القوم شربته في يده أراقها، قائلا: انتهينا ربنا".

 

 ما سبب هذا الامتثال المباشر عباد الله ؟

وما بالهم لم يتلكؤوا أو يترددوا في الاستجابة لأمر الله؟

إن السبب في كلمة واحدة؛ لها في القلوب عظيم الأثر، تفعل أكثر مما يفعل السحر: إنه الإيمانُ وتعظيمُ الرحمن.

 

إيمان يرتفع بالشباب إلى سمو لا سفل معه، وثبات لا تردد فيه.

إنه وازع الإيمان والمراقبة، إذا فقد هذا الوازع ونزع؛ فإنه لا يجدي في ترك المخدرات أي رادع.

 

فحصنوا المجتمع بالإيمان والطاعة، انصحوا وذكروا، نبهوا وأرشدوا واصبروا وصابروا.

 

ويا من وقع في شيء من براثن المسكرات..

إنك على جرم عظيم، وفي مرتع وخيم.

تذكر ما ينالك في الدنيا من سوء العاقبة، وما ينتظرك من أليم العذاب في الآخرة.

ضرر يلحق الأهلين والوالدين وذوي القربي، في قلوبهم نار تلظى، وفي أحشائهم ألم لا يبلى.

 

فتدارك نفسك بتوبةٍ نصوح ؛ قبل غرغرة الروح. 

أقبل إلى ربك، وتب إلى الله من ذنبك، انهض من عثرتك ولو تكرر منك السقوط، وإياك واليأس والقنوط؛ فإن الرب كريم، تواب رحيم.

 

من أقبل إلى الله تائبا عائدا إليه؛ فإن الله يتوب عليه، يقبل منه المعذرة، ويقابل ذنبه بالعفو والمغفرة، ويضع مكان كل سيئة حسنة (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) [الفرقان: 70- 71].

 

التحِقْ ببرامج علاج الإدمان، التي وضعتها الدولةُ أعزَّها الله، وَزُرِ المختصينَ من الأطباء.

غفر الله لنا ولك الزلات، ووقانا جميعا السموم والمخدرات.

 

 

ثم صلوا وسلموا عباد الله؛ على نبينا محمد رسول الله.

 

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على نبينا محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واخذل أعداءك أعداء الدين.

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة.

 

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، واجمع على الحق كلمتهم.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا ووالدينا عذاب القبر والنار.

 

المرفقات

1634549335_خطبة خطر المسكرات والمخدرات.docx

1634549336_خطبة خطر المسكرات والمخدرات.pdf

المشاهدات 106 | التعليقات 0