خطبة في الحث على صلاة الجمعة
صالح محمد السعوي
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة في الحث على صلاة الجمعة
بقلم وتأليف / صالح بن محمد السعوي
في6/7/1447هـ
الحمد لله الذي فضل يوم الجمعة وخص به هذه الأمة، وأمر بإجابة النداء والسعي لذكره.
أحمده تعالى على سوابغ نعمه.
وأشكره سبحانه ومن شكره زاده من فضله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إليه تعنو وجوه خلقه.
وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الذي ختم به رسله.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خيرة أمته وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا أن يوم الجمعة يومٌ عظيم تفضل الله به على أمة الإسلام.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَومَ القِيامَةِ بَيْدَ أنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِنَا، ثُمَّ إن هذا يَوْمُهُمُ الذي فُرِضَ الله عليهم، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ له، فَالنَّاسُ لَنَا فيه تَبَعٌ اليَهُودُ غَدًا، والنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ" متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "خَيْرُ يَومٍ طَلَعَتْ عليه الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وفيهِ أُخْرِجَ مِنْها، ولا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا في يَومِ الجُمُعَةِ" رواه مسلم.
وعن أوس بن أبي أوس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "مِن أفضلِ أيَّامِكُم يومَ الجمعةِ؛ فيهِ خَلقَ اللَّهُ آدَمَ، وفيهِ قُبِضَ، وفيهِ النَّفخةُ، وفيهِ الصَّعقةُ؛ فأَكْثروا عليَّ منَ الصَّلاةِ فيهِ؛ فإنَّ صلاتَكُم مَعروضةٌ عليَّ." قالوا: يا رسول الله وَكَيفَ تُعرَضُ صلاتُنا عليكَ وقد أرِمتَ يعني قد بَليتَ- قالَ: "إنَّ اللَّهَ حرَّمَ على الأرضِ أن تأكُلَ أجساد الأنبياء" رواه الإمام أحمد وغيره وإسناده صحيح.
وعن أبي لبابة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ: "إنَّ يومَ الجمعةِ سيِّدُ الأيَّامِ وأعظمُها عِندَ اللهِ، وهوَ أعظَمُ عندَ اللهِ من يومِ الأضحَى ويومِ الفِطرِ، وفيه خَمسُ خلالٍ : خلَق اللهُ فيهِ آدمَ وأهبَط فيهِ آدمَ إلى الأرضِ وفيهِ توفَّى اللهُ آدمَ وفيه ساعةٌ لا يَسألُ اللهَ فيها العبدُ شيئًا إلَّا أعطاهُ؛ ما لَم يسأَل حرامًا وفيهِ تقومُ السَّاعةُ، ما من مَلَكٍ مُقرَّبٍ، ولا سماءٍ، ولا أَرضٍ، ولا رياحٍ، ولا جبالٍ، ولا بَحرٍ؛ إلَّا وهنَّ يشفقْنَ مِن يومِ الجمُعةِ" رواه الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد حسن وحسنه الألباني.
وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: " لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَومَ الجُمُعَةِ، ويَتَطَهَّرُ ما اسْتَطَاعَ مِن طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِن دُهْنِهِ، أوْ يَمَسُّ مِن طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فلا يُفَرِّقُ بيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي ما كُتِبَ له، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إلَّا غُفِرَ له ما بيْنَهُ وبيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى" رواه البخاري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنِ اغْتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، في الساعة الأولى فَكَأنَّما قَرَّبَ بَدَنَةً ، ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ بَقَرَةً، ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ كَبْشًا أقْرَنَ، ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ دَجَاجَةً، ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ" وفي رواية : "إِذَا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وقَفَتِ المَلَائِكَةُ علَى بَابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فَالأوَّلَ، ومَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الذي يُهْدِي بَدَنَةً ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، ويَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ" متفق عليه.
وملخص خصائص يوم الجمعة كثرة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وليلتها والاهتمام بهذا اليوم واعتباره عيدٌ متكرر للمسلمين في كل أسبوع، وأضل عنه اليهود والنصارى تفضلاً من الله وإحساناً، وهو يوم تكفير السيئات، واستحباب التفرغ فيه للعبادة.
وخيرة الله من أيام الأسبوع، وللصدقة فيه مزية عن غيره من الأيام واستحباب الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب والسواك والتبكير للصلاة، والمشي إليها على الأقدام والاشتغال حال المكث في المسجد بالصلاة والذكر وقراءة القرآن حتى يخرج الإمام، والإنصات للخطبة من حين الشروع فيها حتى الانتهاء منها، وقراءة سورة الكهف وعدم كراهية الصلاة قرب الزوال، واستحباب تجمير المسجد بالبخور، وتحري ساعة الإجابة في اليوم كله لا سيما عند صعود الإمام المنبر وأثناء الخطبة والصلاة.
ومن فضائل هذا اليوم مع ما تقدم أن جهنم تُسجرُ كلَّ يوم إلا يوم الجمعة.
والموتى تدنو أرواحهم من قبورهم وتوافيها يوم الجمعة فيعرفون زوارهم ومن يمرُ بهم ويسلمُ عليهم، وهو يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد، وهو اليوم الذي تفزعُ منه السماوات والأرض والجبال والبحار والخلائق كلها إلا الجن والإنس، وهو الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه، واليوم الذي يتجلى الله فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة وغير ذلك مما خص به انتهى.
ولفرضية صلاة الجمعة والوعيد شديد لمن تخلف عنها قال عليه الصلاة والسلام: "لَيَنْتَهينَّ أقْوامٌ عن ودْعِهِمُ الجُمُعاتِ، أوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ علَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكونُنَّ مِنَ الغافِلِينَ" رواه مسلم.
وقال ﷺ: "لقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ علَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ" رواه مسلم.
وقال عليه الصلاة والسلام: "مَن تَرَكَ ثَلاثَ جُمَعٍ تَهاوُنًا بها طُبِعَ الله على قَلْبِه" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وإسناده حسن.
اللهم وفقنا للمحافظة على الصلاة في الجمع والجماعات، وأصلح الأولاد والنساء وقهم الفتن والأسواء.
اللهم أصلح إمامنا واحفظه وانصر به الدين وأصلح ولي عهده والعلماء والأمناء والمستشارين وشد عضده بهم لما فيه صلاح العباد والبلاد يا رب العالمين أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)) [الجمعة الآية ٩].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بالآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
خطبة أخيرة في الحث على صلاة الجمعة
الحمد لله الذي جعل لهذا اليوم قدراً عند المؤمنين.
أحمده تعالى على توفيقه وعونه للهادين المهديين.
وأشكره سبحانه وفضله كبير على الشاكرين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله مصلح الصالحين.
وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الذي بعثه رحمة للعالمين.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الفضلاء المكرمين، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه واغنموا فضل هذا اليوم، وخذوا بنصيب وافر مما خص به.
عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "احضروا الذِّكرَ، وادنوا منَ الإمامِ، فإنَّ الرَّجلَ لا يزالُ يتباعدُ حتَّى يؤخَّرَ في الجنَّةِ وإن دخلَها" رواه أبو داود وحسنه الألباني.
ولدخول المسجد والمكث فيه وسماع الخطبة آداب يتأكد التزامها وذلك أن من دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين فإن كان حال الخطبة خففهما من أجل سماع الخطبة.
وإن كان في أثناء الآذان شرع في صلاة الركعتين من غير أن ينتظر فراغ المؤذن.
ويجب الإنصات للخطبة وعدم الاشتغال بشيء يشغل عنها أو يشغل المستمعين لها بكلام ولا بحركة، ولا بما يدعو إلى صرف أنظار الحاضرين عن الإنصات للخطبة، ولا تخطي الرقاب.
قال عليه الصلاة والسلام: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَومَ الجُمُعَةِ: أنْصِتْ، والإِمَامُ يَخْطُبُ، فقَدْ لَغَوْتَ" متفق عليه.
والإقبالُ بالقلب والقالب على سماع الخطبة، وترك كل ما يشغل عنها من لغو وعبث، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "مَن مَسَّ الحَصَى فقَدْ لَغا" رواه مسلم.
ولهذا فإنه لا يشرع رد السلام بالكلام ولا تشميت العاطس، ومن سمع من الخطيب الصلاة على النبي ﷺ فليصل ويسلم عليه من غير جهد يشغل المستمعين، ومن العبث أثناء الخطبة التسوك، والاشتغال بالجوال وتعديل الغترة والشماغ والعقال، والالتفات يمنة ويسرة من غير حاجة، ومن جاء في أثناء الصلاة وأدرك مع الإمام ركعة تابعه فإذا سلم الإمام أتى بركعة وسلم وقد أدرك الجمعة وإن لم يدرك ركعة نواها ظهراً وأتمها أربع ركعات لأن الجماعة لا تدرك إلا بركعة، ومن كان مصلياً بعد الجمعة فليصل أربع ركعات بسلامين جاء الأمر من رسول الله ﷺ بذلك.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد ما هبت الرياح، وتحركت الأغصان.
وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الآل وباقي الصحب والتابعين وتابعيهم بإحسان، وعنا معهم ياذا الجود والكرم والامتنان.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين واكفنا شر الأشرار وكيد الفجار وشياطين الإنس والجان واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً سخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أصلح ولاة أمورنا وكل من تولى للمسلمين أمراً، وخص إمامنا بالتوفيق والحفظ والعون والتسديد وشد أزره بولي عهده والعلماء وخيرة المؤمنين المصلحين.
اللهم أصلح أحوالنا وجميع المسلمين، واجمع كلمتنا على الحق ومناصرته والدعوة إليه ومن علينا بصلاح الذراري والنساء والمربين والمربيات.
وسائر أفراد المجتمع اللهم احفظ لنا إيماننا وثبتنا عليه واحفظ أمننا والقائمين عليه واحفظ عليهم دماءهم وأعراضهم وعتادهم واغفر لمن مات منهم وأحسن الخلف على من خلفوا.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولأحبتنا وأدلائنا ولمن أحسن إلينا ولجميع المسلمين.
اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين وافسح لهم في قبورهم ونورها عليهم ولا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم ياذا الجلال والإكرام والحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات.