(خطبة) فضل رمضان وفضل الصدقة والنهي عن التسول والكسل

خالد الشايع
1447/09/02 - 2026/02/19 16:48PM

الخُطْبَةُ الأُولَى ( فضل رمضان وفضل الصدقة وتلمس المحاويح والتحذير من المتسولين والجد والاجتهاد أثناء الصيام ) 3 رمضان 1447

 

الحمدُ للهِ الَّذِي بَلَّغَنَا رَمَضَانَ، وَجَعَلَهُ مِضْمَارًا لِلسَّابِقِينَ، وَمِيدَانًا لِلْمُتَّقِينَ، وَمَوْسِمًا لِلتَّوْبَةِ وَالإِنَابَةِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ.

 

أَمَّا بَعْدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْنا أَنْ بَلَّغَنا رَمَضَانَ.

 

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185].

 

وَأَخْرَجَ البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

 

وَرَمَضَانُ شَهْرُ الجُودِ وَالإِحْسَانِ.

 

أَخْرَجَ البخاريُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ».

 

فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَلْتَكُنْ صَدَقَتُكُمْ عَنْ بَصِيرَةٍ وَحِكْمَةٍ.

 

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [البقرة: 215].

 

وَأَخْرَجَ البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما أَنَّها سألت النَّبِيَّ ﷺ عن الصدقة على زوجها وولدها فقَالَ:

«لَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ».

 

فَابْدَؤُوا بِالأَقْرَبِينَ، وَتَفَقَّدُوا أَحْوَالَهُمْ، فَكَمْ مِنْ فَقِيرٍ مُتَعَفِّفٍ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا.

 

أَمَّا ظَاهِرَةُ التَّسَوُّلِ الَّتِي تَنْتَشِرُ فِي رَمَضَانَ، خُصُوصًا عَلَى أَبْوَابِ المَسَاجِدِ وَبَعْدَ الصَّلَوَاتِ، فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ خَطِيرَةٌ.

 

كَثِيرٌ مِنْهُمْ — وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ — يَنْتَسِبُونَ إِلَى عِصَابَاتٍ مُنَظَّمَةٍ، يَسْتَغِلُّونَ عَاطِفَةَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَيَسْتَخْدِمُونَ الأَطْفَالَ وَالنِّسَاءَ وَالحِيَلَ وَالقِصَصَ المُؤَثِّرَةَ.

وقد صدر تعميم بمنعهم ، ومنع إعطائهم ، وعليهم أن يتوجهوا إلى الجمعيات الخيرة ، فالإسلام لا يحل التسول ولا يدعو إليه ، بل ينهى عنه ويزجر ، ويأمر بالعمل والاجتهاد ، إلا لأفراد وصفوا في السنة بشروط .

 

وَقَدْ أَخْرَجَ مسلمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

«مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ».

 

وَأَخْرَجَ البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

«لَا تَزَالُ المَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ».

فالحذر من إعطائهم لأن هذا يجعلهم يستمرون في هذه الطريقة حتى تصبح مهنة لهم ، ولا نَكُونَ سَبَبًا فِي تَشْجِيعِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ، وَتَكْرِيسِ الكَذِبِ وَالِاحْتِيَالِ، وَتَعْوِيدِ النَّاسِ عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

 

وَلَيْسَ هَذَا مَنْعًا لِلصَّدَقَةِ، وَلَكِنَّهُ تَوْجِيهٌ إِلَى صَرْفِهَا فِي مَصَارِفِهَا الصَّحِيحَةِ، عَنْ طَرِيقِ الجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ المَوْثُوقَةِ، وَالجَمْعِيَّاتِ الخَيْرِيَّةِ المُعْتَمَدَةِ، أَوْ بِالبَحْثِ عَنِ الفُقَرَاءِ الحَقِيقِيِّينَ فِي الحَيِّ وَالأَقَارِبِ.

 

وَإِنَّ مِنَ المُؤْلِمِ أَنْ يُنْفِقَ بَعْضُ النَّاسِ آلَافَ الرِّيَالَاتِ فِي مَوَائِدِ مُبَاهَاةٍ وَتَصْوِيرٍ، ثُمَّ يَغْفُلَ عَنْ أُسَرٍ فِي حَيِّهِ لَا تَجِدُ قُوتَ يَوْمِهَا.

 

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31].

 

وَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: 27].

 

فَلْيَكُنْ رَمَضَانُ شَهْرَ إِخْلَاصٍ لَا شَهْرَ اسْتِعْرَاضٍ.

اللهم تقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

 

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

 

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَمَضَانَ لَيْسَ شَهْرَ نَوْمٍ وَسَهَرٍ عَلَى اللَّغْوِ، وَلَا شَهْرَ تَعَطِيلِ المَصَالِحِ، وَلَا ذَرِيعَةً لِلتَّكَاسُلِ عَنِ الدِّرَاسَةِ وَالعَمَلِ.

 

بَلْ كَانَ رَمَضَانُ عِنْدَ السَّلَفِ شَهْرَ عَمَلٍ وَإِنْجَازٍ.

 

فِيهِ وَقَعَتْ بَدْرٌ، قَالَ تَعَالَى:

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123].

وفيه فتح مكة

 

وَأَخْرَجَ البخاريُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ».

 

فَكَمْ مِنْ طَالِبٍ جَعَلَ الصِّيَامَ حُجَّةً لِضَعْفِ تَحْصِيلِهِ! وَكَمْ مِنْ مُوَظَّفٍ جَعَلَهُ عُذْرًا لِلتَّقْصِيرِ!

وتجد الواحد منهم لا يطيق أن يكلمه أحد ولا ينجز عملا ، فلم هذا الكسل ؟

وَاللَّهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ رِجَالَ كَسَلٍ، بَلْ رِجَالَ عِبَادَةٍ وَعَمَلٍ وَجِهَادٍ.

 

إِنَّ الصِّيَامَ يُرَبِّي الإِرَادَةَ، وَيُقَوِّي العَزِيمَةَ، وَيُعَلِّمُ الانضباط.

 

فَاجْعَلُوا رَمَضَانَ شَهْرَ خُطَّةٍ وَإِنْجَازٍ:

– خُطَّةٍ فِي القُرْآنِ.

– خُطَّةٍ فِي العِلْمِ وَالدِّرَاسَةِ.

– خُطَّةٍ فِي الإِنْجَازِ الوَظِيفِيِّ.

– خُطَّةٍ فِي تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ.

 

وَلَا يَكُنْ شِعَارُكَ: “نَصُومُ فَنَتَعَبُ”، بَلْ “نَصُومُ فَنَسْمُو”.

 

فَإِنَّ الطَّاعَةَ تُورِثُ بَرَكَةً فِي الوَقْتِ، وَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ أَعَانَهُ اللَّهُ.

 

اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَاجْعَلْ رَمَضَانَ شَهْرَ جِدٍّ وَإِنْجَازٍ لَنَا، وَأَغْنِ فُقَرَاءَ المُسْلِمِينَ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا مِنَ الفِتَنِ، وَوَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.

 

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ

المرفقات

1771508908_فضل رمضان وتعميم الوزارة.docx

المشاهدات 577 | التعليقات 0