خطبة عيد الفطر 1446
عبدالله البصري
اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ ، اللهُ أَكبَرُ وَللهِ الحَمدُ .
أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِوَصِيَّةِ اللهِ لِلأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ " وَلَقَد وَصَّينَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وَإِيَّاكُم أَنِ اتَّقُوا اللهَ وَإِن تَكفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا " اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ ، اللهُ أَكبَرُ وَللهِ الحَمدُ .
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، نَظرَةٌ سَرِيعَةٌ إِلى يَومِنَا الَّذِي نَحنُ فِيهِ ، وَالتِفَاتَةٌ مِثلُهَا إِلى يَومِ عِيدِ الفِطرِ مِن عَامِنَا المَاضِي ، تُرِينَا أَنَّهُ لَيسَ بَينَ ذَاكَ العِيدِ وَهَذَا العِيدِ إِلاَّ كَمَا بَينَ أَمسِ وَاليَومِ ، أَو كَمَا بَينَ البَارِحَةِ وَاللَّيلَةِ ، فَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، مَا أَسرَعَ اللَّيَاليَ وَالأَيَّامَ وَأَعجَلَ سَيرَهَا ! وَمَا أَخَفَّ جَريَ الأَشهُرِ وَهِيَ تَمضِي وَمَا أَعجَبَ مُرُورَهَا ! وُلِدَ أُنَاسٌ وَمَاتَ آخَرُونَ ، وَشُفِيَ مَرضَى وَمَرِضَ أَصِحَّاءُ ، وَضَحِكَ أَقوَامٌ وَبَكَى أَقوَامٌ ، وَافتَقَرَ غَنِيٌّ وَاغتَنَى فَقِيرٌ ، وَارتَفَعَ البَلاءُ عَن قَومٍ وَحَلَّ بِآخَرِينَ . نُوَدِّعُ رَمَضَانَ وَنَجتَمِعُ لِلعِيدِ ، ثم نَلهُو في دُنيَانَا طَوِيلاً ونَذهَبُ يَمِينًا وَشِمَالاً ، وَلا يُوقِظُنَا مِن غَفلَتِنَا إِلاَّ إِعلانُ دُخُولِ رَمَضَانَ ، فَنُحاوِلُ جَمعَ شَتَاتِ نُفُوسِنَا ، وَلَمَّ مَا تَفَرَّقَ مِن هَمِّهَا ، لَعَلَّنَا نَعمَلُ صَالِحًا وَنَتَقَرَّبُ مِن رَبِّنَا وَنَتَزَوَّدُ لأُخرَانَا ، فَلا نَشعُرُ إِلاَّ وَقَدِ انقَضَى رَمَضَانُ وَأُعلِنَ العِيدُ ، وَلَكِنَّنا نَرجُو رَحمَةَ اللهِ وَنَطمَعُ فِيمَا عِندَهُ مِنَ الفَضلِ الوَاسِعِ ، نَتَوَسَّلُ بِوُقُوفِنَا بَين يَدَيهِ ، وَنَتَقَرَّبُ بِتَعَرُّضِنَا لِنَفَحَاتِهِ وَإِقبَالِنَا عَلَيهِ ، وَحَسبُنَا أَنَّنَا اجتَهَدَنَا فَصَلَّينَا وَصُمنَا ، وَزَكَّى مِنَّا مَن زَكَّى وَتَصَدَّقَ مَن تَصَدَّقَ ، واعتَمَرَ مَنِ اعتَمَرَ وَفَطَّرَ الصَّائِمِينَ مَن فَطَّرَهُم ، وَخَتَمَ القُرآنَ مَن خَتَمَهُ وَذَكَرَنَا اللهَ وَدَعَونَا وَرَجَونَا ، وَهَا نَحنُ اليَومَ نَجتَمِعُ لِنُكمِلَ الفَرَحَ بِفَضلِ اللهِ بَعدَ تِلكَ الطَّاعَاتِ ، بِشُهُودِ هَذَا المَجمَعِ وَأَدَاءِ هَذِهِ الصَّلاةِ ، ثم بِوَصلِ أَرحامِنَا وَالسَّلامِ عَلَى أَقارِبِنَا ، وَاللِّقَاءِ بِأَصحَابِنَا وَأَحبَابِنَا ، فَالحَمدُ للهِ عَلَى مَا وَفَّقَ إِلَيهِ وَيَسَّرَهُ ، والشُّكرُ لَرَبِّنَا عَلَى ما نَعِيشُهُ مِن أَمنٍ وإِيمانٍ واجتِماعِ كَلِمَةٍ . وَإنَّهَا لَنِعمَةٌ مِن أَكبَرِ النِّعَمِ ، أَن يَبسُطَ اللهُ تَعَالى بِرَحمَتِهِ بِسَاطَ الأَمنِ عَلَى البِلادِ ، وَأَن تَتَوَفَّرَ لأَهلِهَا الأَرزاقُ ، فَيَجتَمِعَ شَملُهُم وَيَأتَلفِوُا ، وَيَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم قَريبَهُ وَيَلقَى حَبِيبَهُ ، في حِينِ أَنَّنا نَرَى النَّاسَ مِن شَرقِ الدُّنيَا وَغَربِها ، يَأتُونَ إِلى بِلادِنَا لِطَلَبِ الرِّزقِ ، وَيُخَلِّفُونَ وَرَاءَهُم آبَاءً وأُمَّهاتٍ ، وَأَبنَاءً وَبَنَاتٍ وَإِخوَةً وَأَخَواتٍ ، وأَقَارِبَ وَأَحبَابًا وَجِيرَانًا وَأَصحَابًا ، وَيَظَلُّ بَعضُهُم في غُربَتِهِ سَنَوَاتٍ حتى يَفنى كَبِيرُ قَومِهِ وَيَكبُرُ صَغِيرُهُم ، وَقَد يَمُوتُ وَالِدُ أَحدِهِم أَو وَالِدَتُهُ وَهُوَ في غُربَتِهِ ، لم يَتَمَتَّعْ بِهِمَا وَلم يَتَمَتَّعا بِهِ ، فَنَحمَدُ اللهَ حَمدًا حَمدًا ، وَنَشكُرُهُ شُكرًا شُكرًا ، عَلَى مَا مَنَحَنَا مِن نِعَمٍ لا تُحصَى ، مِن أَجَلِّهَا نِعمَةُ الأَمنِ وَالإِيمَانِ وَالاجتِمَاعِ ، وَتَيسِيرِ الأَرزَاقِ دُونَ كُلفَةٍ وَلا مَشَقَّةٍ وَلا كَبِيرِ عَنَاءٍ ، إِلاَّ مَا لا بُدَّ لِلإِنسَانِ مِنهُ مِمَّا هُوَ مِن سُنَّةِ اللهِ في خَلقِهِ . اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ ، اللهُ أَكبَرُ وَللهِ الحَمدُ .
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، سُنَّةٌ مِن سُنَنِ اللهِ في خَلقِهِ ، أَنَّ النِّعَمَ سَرِيعَةُ الزَّوالِ إِن لم تُشكَرْ ، قَرِيبَةُ الرَّحِيلِ إِنْ لم تُحفَظْ ، وَالشُّكرُ كَمَا يَكُونُ بِالقَلبِ بِالإِقراِر بِأَنَّهُ تَعَالى وَاهِبُ النِّعَمِ وَمُسدِيهَا ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِاللِّسَانِ بِالاعتِرَافِ بِهَا وَذِكرِهَا وَشُكرِهَا ، وَالأَهَمُّ وَالأَعلَى أَن يَكُونَ بِالجَوارِحِ كُلِّها ، بِأَلاَّ تَتَحَرَّكَ إِلاَّ فِيمَا يُرضِي اللهَ ، وَأَن تُكَفَّ عَمَّا يُغضِبُهُ وَيُسخِطُهُ ، وَالعَاقِلُ مَنِ استَعمَلَ جَوَارِحَهُ فِيمَا يُقَرِّبُهُ مِن رَبِّهِ وَيَنَالُ بِهِ رِضَاهُ عَنهُ ، فَإِنَّ مَدَّ يَدَهُ مَدَّهَا بِسَلامٍ أَو عَطَاءٍ ، وَإِن خَطَا بِرِجلِهِ مَشَى إِلى صَلاةٍ أَو صِلَةٍ ، أَو في إِجابَةِ دَعوَةٍ أَو قَضَاءِ حَاجَةٍ أَو بَذلِ مُسَاعَدَةٍ ، وَإِنْ تَكَلَّمَ لم يُكثِرْ إِلاَّ مِن ذِكرٍ وَتِلاوةِ قُرآنٍ وَدُعَاءٍ ، وَأَمرٍ بِمَعرُوفٍ وَنَهيٍ عَن مُنكَرٍ ، وَنُصحٍ وَتَوجيهٍ وَتَعلِيمِ خَيرٍ ، أَو بِكَلامٍ طَيِّبٍ يَجمَعُ وَلا يُفَرِّقُ ، وَيُشَجِّعُ عَلَى الخَيرِ وَلا يُحبِطُ وَلا يُثَبِّطُ . أَجَل أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّ نِعمَةَ الأَمنِ هِبَةٌ مِنَ الكَرِيمِ المَنَّانِ ، وَعَطَاءٌ لا يُشتَرَى بِالأَموَالِ وَلا يُقَدَّرُ بِالأَثمَانِ ، وَهَل عَيشٌ يَهنَأُ دُونَ أَمنٍ ، وَهَل حَيَاةٌ تَطِيبُ وَقَد فُقِدَ الأَمنُ ؟! لا وَاللهِ وَبِاللهِ وَتَاللهِ ، فَبِاستِتبَابِ الأَمنِ تُقَامُ شَعَائِرُ الدِّينِ ، وَيَنتَشِرُ العِلمُ وَتَجتَمِعُ الكَلِمَةُ ، وَيُحكَمُ بِالعَدلِ وَتُحفَظُ الحُقُوقُ ، وَتُقَامُ الحُدُودُ وَتَتِمُّ المَصَالِحُ وَتُكَفُّ المَفَاسِدُ ، وَيُكبَتُ العَدُوُّ وَيَأمَنُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِم وَأَموَالِهِم وَأَعرَاضِهِم ، وَتُغدَقُ الأَرزَاقُ وَيَتَبَادَلُ النَّاسُ المَنَافِعُ ، وَأَمَّا إِذَا اختَلَّ الأَمنُ وَنَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ ، فَإِنَّ الأَحوَالَ تَتَبَدَّلُ وَتَتَغَيَّرُ ، فَلا تَهنَأُ نَفسٌ وَلا يَرتَاحُ بَالٌ ، وَلا يَطمَئِنُّ قَلبٌ وَلا يَطِيبُ عَيشٌ ، يَفشُو الجَهلُ وَيَشِيعُ الظُّلمُ ، وَتَضِيعُ الحُقُوقُ وَتَختَلُّ المَعَايِشُ ، وَتُنتَهَكُ الأَعرَاضُ وَتُسفَكُ الدِّمَاءُ ، وَتُهجَرُ الأَوطَانُ وَتخلى البُلدَانُ .
وَإِنَّهُ لَيَكفِي إِشَارَةً إِلى أَهمِيَّةِ الأَمنِ ، أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَدَّمَهُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالرِّزقِ فَقَالَ : " مَن أَصبَحَ مِنكُم آمِنًا في سِربِهِ ، مُعَافًى في جَسَدِهِ ، عِندَهُ قُوتُ يَومِهِ ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَت لَهُ الدُّنيَا بِحَذَافِيرِهَا " رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ . اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ ، اللهُ أَكبَرُ وَللهِ الحَمدُ .
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، لِمَا لِلأَمنِ مِن مَكَانَةٍ ، وَلِكَونِهِ مَقصِدًا مِنَ المَقَاصِدِ الكُبرَى ، فَقَد شَرَعَ اللهُ لَهُ مِنَ الأَحكَامِ مَا يَكفَلُهُ ، وَأَحَاطَهُ مِنَ السِّيَاجَاتِ بِمَا يَصُونُهُ ، فَأَوجَبَ المُحَافَظَةَ عَلَى الدِّينِ وَالنَّفسِ وَالعَقلِ وَالعِرضِ وَالمَالِ ، وَحَرَّمَ كُلَّ مَا يُؤَدِّي إِلى النَّيلِ مِن تِلكَ الضَّرُورَاتِ ، وَشَرَعَ مِنَ الأَحكَامِ الزَّاجِرَةِ مَا يَمنَعُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهَا أَو المِسَاسِ بِجَنَابِهَا ، حَتى لَقَد جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِالنَّهيِ عَن كُلِّ مَا يُؤذِي النَّاسَ في طُرُقَاتِهِم وَأَسوَاقِهِم وَمَوَاضِعِ حَاجَاتِهِم ، فَكَيفَ بِمَا هُوَ أكبَرُ مِن ذَلِكَ وَأَعلَى ؟! وَمَعَ كَثرَةِ الفِتَنِ وَهَذَا الانفِتَاحِ العَرِيضِ عَلَى الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ ، فَإِنَّ أَمنَ البُلدَانِ اليَومَ صَارَ كَرِيشَةٍ في مَهَبِّ الرِّيحِ ، وَغَدَا العَاقِلُ يَعجَبُ مِمَّا تُبتَلَى بِهِ الشُّعُوبُ مِنِ انتِكَاسَاتٍ في هَذَا المُكتَسَبِ المُهِمِّ ، وَمِن ثَمَّ كَانَ عَلَى المُجتَمَعَاتِ المُسلِمَةِ أَن تَأخُذَ بِالأَسبَابِ المُنجِيَةِ ، أَلا وَإِنَّ أَعظَمَ تِلكَ الأَسبَابِ وَأَهَمَّهَا وَأَعلاهَا ، الاعتِصَامُ بِاللهِ تَعَالى وَالتَّمَسُّكُ بِشَرعِهِ القَوِيمِ ، قَالَ جَلَّ وَعَلا : " وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذكُرُوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم إِذْ كُنتُم أَعدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانًا وَكُنتُم عَلَى شَفَا حُفرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِنهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم آيَاتِهِ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ " وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ : " فَإِنَّهُ مَن يَعِشْ مِنكُم يَرَ اختِلافًا كَثِيرًا ، فَعَلَيكُم بِسُنَّتي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهدِيِّينَ ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُم وَمُحدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحدَثَةٍ بِدعَةٌ وَكُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ " رَوَاهُ أَحمَدُ وَأَبُودَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ .
وَمِن أَسبَابِ حِفظِ الأَمنِ المُحَافَظَةُ عَلَى الفَرَائِضِ وَالعِبَادَاتِ ، وَأَهَمُّهَا وَأَعظَمُهَا الصَّلاةُ ، وَشُهُودُ الجُمَعِ وَالجَمَاعَاتِ ، وَقَد وَعَدَ اللهُ بِالتَّمكِينِ مَن آمَن وَعَمِلَ صَالِحًا ؛ قَالَ تَعَالى : " وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم في الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا يَعبُدُونَني لا يُشرِكُونَ بي شَيئًا وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ "
وَمِن أَسبَابِ حِفظِ الأَمنِ تَجَنُّبُ الظُّلمِ بِأَنوَاعِهِ ، وَأَقبَحُهُ الشِّركُ بِاللهِ ، ثم التَّعَدِّي عَلَى حُقُوقِ الآخَرِينَ وَالبَغيُ وَالاعتِدَاءُ دُونَ خَوفٍ مِنَ اللهِ ، قَالَ سُبحَانَهُ " الَّذِينَ آمَنُوا وَلم يَلبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلمٍ أُولَـئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدُون "
وَمِن أَسبَابِ الأَمنِ اجتِمَاعُ الكَلِمَةِ وَعَدَمُ التَّفَرُّقِ ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ المُسلِمِينَ وَإِمَامِهِم ، قَالَ تَعَالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنَازَعتُم في شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأوِيلاً " وَفي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّكُم سَتَرَونَ بَعدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنكِرُونَهَا " قَالُوا : فَمَا تَأمُرُنَا يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : " أَدُّوا إِلَيهِم حَقَّهُم ، وَسَلُوا اللهَ حَقَّكُم "
وَمِن أَسبَابِ حِفظِ الأَمنِ اعتِزَالُ الفِتَنِ ، وَعَدَمُ المُشَارَكَةِ فِيهَا ، وَالبُعدُ عَن مَوَاطِنِهَا ، وَالحَذَرُ مِنَ المُجَاهَرَةِ بِالفُسُوقِ وَالمَعَاصِي ، فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " سَتَكُونُ فِتَنٌ ، القَاعِدُ فِيهَا خَيرٌ مِنَ القَائِمِ ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيرٌ مِنَ المَاشِي ، وَالمَاشِي فِيهَا خَيرٌ مِنَ السَّاعِي ، مَن تَشَرَّفَ لَهَا تَستَشرِفْهُ ، فَمَن وَجَدَ مَلجَأً أَو مَعَاذًا فَليَعُذْ بهِ " وَفي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ أُمَّتي مُعَافًى إِلاَّ المُجَاهِرُونَ ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَن يَعمَلَ الرَّجُلُ عَمَلاً بِاللَّيلِ ثُمَّ يُصبِحَ وَقَد سَتَرَهُ اللهُ ، فَيَقُولَ : يَا فُلَانُ ، عَمِلتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا ، وَقَد بَاتَ يَستُرُهُ رَبُّهُ وَيُصبِحُ يَكشِفُ سِترَ اللهِ عَنهُ " اللَّهُمَّ آمِنْ رَوعَاتِنَا ، وَاستُرْ عَورَاتِنَا ، وَاحفَظْنَا مِن بَينِ أَيدِينَا وَمِن خَلفِنَا ، وَعَن أَيمَانِنَا وَعَن شَمَائِلِنَا ، وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَن نُغتَالَ مِن تَحتِنَا ، اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَينَ قُلُوبِنَا ، وَأَصلِحْ ذَاتَ بَينِنَا ، وَاحفَظْنَا في أَسمَاعِنَا وَأَبصَارِنَا وَأَزوَاجِنَا ، وَاجعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعَمِكَ مُثنِينَ بِهَا عَلَيكَ ، قَابِلِينَ بِهَا وَأَتِمَّهَا عَلَينَا ، اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ ، اللهُ أَكبَرُ وَللهِ الحَمدُ .
الخطبة الثانية :
اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ ، اللهُ أَكبَرُ وَللهِ الحَمدُ .
أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ وَالمُسلِمَاتُ ، وَاعلَمُوا أَنَّ مِن أَهَمِّ أَسبَابِ حِفظِ الأَمنِ ، الَّتي هِيَ مِن فَرَائِضِ الوَقتِ المُتَعَيِّنَةِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالكِبَارِ وَالصِّغَارِ ، الأَمنَ الأُسْرِيَّ ، نَعَم أَيُّهَا المُسلِمُونَ وَالمُسلِمَاتُ ، الأَمنُ الأُسرِيُّ وَمَا أَدرَاكُم مَا هُوَ ؟! الأُسرَةُ أَيُّهَا المُوَفَّقُونَ هِيَ وَاحَةُ الأَمنِ وَمُستَودَعُ المَحَبَّةِ ، وَالمَلجَأُ الَّذِي يَجِدُ فِيهِ النَّاسُ الهُدُوءَ وَالطُّمَأنِينَةَ وَالاستِقرَارَ ، فَإِذَا اختَلَّ هَذَا الحِصنُ الحَصِينُ وَتَصَدَّعَ ، أَو هُدِمَ جَانِبٌ مِنهُ أَو وَقَعَ ، فَعَلَى كَثِيرٍ مِن أَمنِ المُجتَمَعِ السَّلامُ ، قَالَ رَبُّكُم تَعَالى مُمتَنًّا عَلَى عِبَادِهِ وَذَاكِرًا آيَةً عَظِيمَةً مِن آيَاتِهِ : " وَمِن آيَاتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أَزوَاجًا لِتَسكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُم مَوَدَّةً وَرَحمَةً إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ " بَل لَقَد بَيَّنَ تَعَالى في تَعبِيرٍ قُرآنيٍّ هُوَ قِمَّةٌ في الوَجَازَةِ وَالبَلاغَةِ ، أَهمِيَّةَ اللُّحمَةِ الأُسْرِيَّةِ وَخَاصَّةً بَينَ الزَّوجَينِ ، اللَّذَينِ هُمَا عِمَادُ الأُسرَةِ وَقُطبَا رَحَاهَا ، قَالَ سُبحَانَهُ : " هُنَّ لِبَاسٌ لَكُم وَأَنتُم لِبَاسٌ لَهُنَّ " أَيْ هُنَّ سَكَنٌ لَكُم وَأَنتُم سَكَنٌ لَهُنَّ ، فَاللهَ اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ وَالمُسلِمَاتُ ، اللهَ اللهَ بِالاجتِمَاعِ وَالائتِلافِ ، وَحَذَارِ حَذَارِ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالاختِلافِ ، تَوَاطَؤُوا وَتَوَاضَعُوا وَلِينُوا ، وَلا تَنسَوُا الفَضلَ بَينَكُم وَاحفَظُوا العُهُودَ وَصُونُوا المَوَاثِيقَ ، اِحرِصُوا عَلَى تَحَقُّقِ السَّكِينَةِ وَدَوَامِ الطُّمأَنِينَةِ في بُيُوتِكُم ؛ وَاعلَمُوا أَنَّ هَذَا لا يَكُونُ إِلاَّ بِمَعرِفَةِ كُلٍّ مِنكُم مَا لَهُ وَمَا عَلَيهِ ، وَتَحَمُّلِهِ مَسؤُولِيَّتَهُ وَعَدَمِ تَنَصُّلِهِ مِن وَاجِبَاتِهِ ، قَالَ تَعَالى : " وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى " وقال نَبِيُّكُم عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ : " أَلا كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهلِ بَيتِهِ وَهُوَ مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ ، وَالمَرأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيتِ زَوجِهَا وَولدِهِ وَهِيَ مَسؤُولَةٌ عَنهُم ، وَعَبدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسؤُولٌ عَنهُ ، أَلا فَكُلُّكُم راعٍ وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ " اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ ، اللهُ أَكبَرُ وَللهِ الحَمدُ .
عِبَادَ اللهِ ، صِلُوا أَرحَامَكُم ، وَلِينُوا بِأَيدِي إِخوَانِكُم ، أَفشُوا السَّلامُ ، وَطَيِّبُوا الكَلامَ ، اِصفَحُوا وَتَصَافَحُوا ، وَتَصَالَحُوا وَتَسَامَحُوا ، وَابتَسِمُوا وَتَزَيَّنُوا بِالتَّوَاضُعِ وَحُسنِ الخُلُقِ ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانًا وَعَلَى الحَقِّ أَعوَانًا . اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ ، اللهُ أَكبَرُ وَللهِ الحَمدُ .
المرفقات
1743261016_عيد الفطر 1446.docx
1743261016_عيد الفطر 1446.pdf