خطبة عيد الفطر (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)
راكان المغربي
خطبة عيد الفطر (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)
الخطبة الأولى:
الحمدُ للهِ ذي الفضلِ والإنعامِ، الحمدُ للهِ ذي الجلالِ والإكرامِ، الحمدُ للهِ الذي أكملَ لنا العدة، وهدانا السبيلَ، وأتمَّ لنا شهرَ رمضان، بفضلِ منه وإحسان. (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[البقرة: 185].
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
الله أكبر وأجل، الله أكبر على ما هدانا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، أما بعد:
(الإسلامُ) رأسُ مالِنا، وأغلى ممتلكاتِنا.
(الإسلامُ) بهجةُ أرواحِنا، وسعادةُ قلوبِنا.
(الإسلام) حبلُ نجاتِنا، وطريقُ نعيمِنا الخالدِ في جناتِ النعيمِ.
(الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)
فمن استمسكَ بالإسلامِ فقد رشدَ وفازَ أعظمَ الفوزِ، ومن ضيعه فقد غوى وخسرَ أشدَّ الخسرانِ.
معاشر المسلمين
لقد وصّانا الله في كتابِه ألا نموتَ إلا الإسلام فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)، وكانت هذه وصية الأنبياءِ لأبنائِهم كما قال سبحانه: (وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).
والمعنى كما قال ابنُ كثيرٍ -رحمه الله-: " حَافَظُوا عَلَى الْإِسْلَامِ فِي حَالِ صِحَّتِكُمْ وَسَلَامَتِكُمْ لِتَمُوتُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ قَدْ أَجْرَى عَادَتَهُ بِكَرَمِهِ أَنَّهُ مَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بُعث عَلَيْهِ".
وإن من المحافظةِ على الإسلامِ أن تقيموا أركانَه التي يقومُ عليها بناءُ الإسلامِ، فبها يشتدُّ عودُه أو يضعفُ، وبإسقاطِها يسقطُ عياذا بالله.
وأعظمُ الأركانِ إقامةُ الشهادتين، بالإذعانِ لله بالتوحيد الخالص، والإقرارِ برسالة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ناسخةً لما سواها. فلا دينَ يقبلُه الله إلا الإسلامَ الذي جاءَ به محمدٌ صلى الله عليه وسلم (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
ثم ركنُ الصلاةِ، التي هي عمادُ الدينِ وأساسُه القويمِ وعهدُه المتينِ، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ بيْنَ الرَّجُلِ وبيْنَ الشِّرْكِ والْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاةِ)، فإن أردتم المحافظةَ على إسلامِكم، فأقيموا عمادَه، واحذروا كلَّ الحذر من التفريطِ ولو في صلاةٍ واحدةٍ، فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تَتْرُكَنَّ صَلاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فإنَّ مَنْ تركَ صَلاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فقد بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ). قال ابن القيم رحمه الله: "لا يختلف المسلمون أن تركَ الصلاةِ المفروضةِ عمداً من أعظمِ الذنوب وأكبرِ الكبائرِ، وأن إثمَه عندَ اللهِ أعظمُ من إثمِ قتلِ النفسِ وأخذِ الأموالِ، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمرِ وأنه متعرضٌ لعقوبةِ اللهِ وسخطِه وخزيِه في الدنيا والآخرة".
قال الإمامُ أحمدُ -رحمه الله-: " فكلُّ مستخفٍّ بالصلاةِ مستهينٍ بها فهو مستخفٌّ بالإسلامِ مستهينٌ به، وإنما حظُّهم من الإسلامِ على قدرِ حظِّهم من الصلاةِ، ورغبتُهم في الإسلامِ على قدرِ رغبتِهم في الصلاة، فاعرفْ نفسَك يا عبدَاللهِ واحذرْ أن تلقى اللهَ ولا قدرَ للإسلامِ عندَك. فإن قدرَ الإسلامِ في قلبك، كقدرِ الصلاةِ في قلبِك".
ثم بعدَ ذلك تؤدي زكاةَ أموالِك وتصومُ شهرَك في كل عام، وتحجُّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلاً مرةً في العمرِ، فإن فعلتَ ذلك فقد أتممتَ أركانَ دينِك، وحفظتَ بناءَ إسلامِك من الهدمِ والسقوطِ.
ومن المحافظةِ على الإسلامِ، أن تحذرَ أشدَّ الحذرِ ممن يريدُ تقويضَ بناءِ دينِك من أهلِ الكفرِ والضلالِ، الذين يبثون السمومَ، وينشرون الشبهاتِ، ويجرّونَ أهلَ الإسلامِ بشراكِ الشهواتِ. قال اللهُ سبحانه محذراً أهلَ الإيمانِ من طاعةِ الكافرين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ). كما حذّرنا تحذيراً خاصاً من أهل الكتابِ من اليهودِ والنصارى فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).
وقد أخبرَ الله سبحانَه عن فئة ارتدت عن دينِها في زمنِ النبوّةِ، وكان سببُ ارتدادِها هو طاعةُ الكارهين لما أنزل اللهُ، الذي يريدون تبديلَ شريعةِ اللهِ بأهوائِهم البشريةِ وقوانينِهم الأرضيةِ، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ۙ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ (25) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ۖ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ).
ومن المحافظةِ على الإسلامِ، أن نثبتَ في وجهِ الأعداءِ، ولا نستسلمَ للخصومِ، وأن نبذلَ الغالي والنفيسَ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ، والتمكينِ لدينِه في الأرضِ.
فإن غايةَ أهلِ الكفرِ هي أن يرتدَّ الناسُ عن الإسلامِ، ولا يزالون يبذلون كل جُهدٍ وثمنٍ لتحقيقِ هذه الهدف، كما قال سبحانه: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا). فإن أردنا المحافظةَ على الإسلامِ في أنفسِنا وأولادِنا، فلنثبتْ على الحقِّ، ولنجاهدْهم بما نستطيعُ، ولا نتنازل عن الدينِ إرضاءً لأهواء الكفار والمنافقين، ولنكنْ من الطائفةِ الموعودةِ بالنصرِ، التي قال النبي صلى الله عليه وسلم عنهم: (لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي ظاهِرِينَ علَى الحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، ولا من خالفَهم، حتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ).
قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
وإن أردنا المحافظةَ على إسلامِنا، فلندعو بدعوةِ الأنبياءِ (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)، وكان من دعاء الحبيبِ صلى الله عليه وسلم: (اللهمَّ احْفَظْنِي بِالإسلامِ قائِمًا، و احْفَظْنِي بِالإسلامِ قاعِدًا، و احْفَظْنِي بِالإسلامِ رَاقِدًا)، وكان من دعائه: (يا ولِيّ الإسلامِ وأهلِهُ، مَسِّكْني بالإسلامِ حتى ألقاكَ عليهِ)، وكان أكثر دعائه عليه الصلاة والسلام: (يا مقلبَ القلوبِ، ثبت قلبي على دينك).
فاللهم يا مقلبَ القلوبِ ثبت قلوبنا على دينِك، الله احفظنا بالإسلامِ قائمين، واحفظنا بالإسلامِ قاعدين، واحفظنا بالإسلامِ راقدين، ربنا توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية:
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
معاشر النساء
حينَ نزلَ رسولُ الإسلامِ من جبلِ حراء فَزِعاً مرعوباً، استقبلته زوجُه خديجةُ رضي الله عنها فاحتضنته ودفأته، ودثرته وزملته، وثبتته وقوته، ومن هناكَ بدأتْ قصةُ الإسلامِ، محمولا على كتفِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، تسندُه خديجةُ رضي الله عنها.
معاشر النساء
دورُكنَّ في إقامةِ الإسلامِ ونشرِ الدينِ دورٌ كبير، وثغرُكن الذي تحرسونه وتقفون عليه ثغرٌ عظيم.
فعلى أعينكن يكبُرُ الجيلُ، وبأيديكن يُصنعُ المستقبلُ، وبتربيتِكن يُصبغُ المجتمعُ.
فالوصيةُ لكنَّ بأن تتعلمنَ الإسلامَ، وتتّبعنَ القرآنِ، وتلتمسنَ هديَ النبوة، ثم يتربى الجيل بأيديكن على منهجِ الإسلامِ القويمِ، فبذلك يكون حفظُ الإسلامِ في الأرضِ، ويكون لكنَّ أجرُ تعليمِ العلمِ النافعِ، والعملِ الذي لا ينقطعُ بعد المماتِ بإذنِ الله.
لقد علم العدوُّ والصديق، أن صلاحَ المرأةِ هو صلاحُ الأمة، وفسادَها هو فسادُ الأمة، فهي المنشأُ والمصنعُ. فاستمسكنَ بالإسلامِ، واعضدنَ بالنواجذِ عليه، واحذرنَ من أهلِ الأهواءِ، واصبِرنَ على أذى المنافقين والكفار، واثبُتْن على الحق، والله لا يضيع عمل العاملين لا في الدنيا ولا في الآخرة (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
المرفقات
1743175927_خطبة عيد الفطر (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).docx
1743175928_خطبة عيد الفطر (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).pdf