(خطبة) عاقبة الظلم وأهله
خالد الشايع
الْخُطْبَةُ الْأُولَى
عَاقِبَةُ الظُّلْمِ وَأَهْلِهِ
18 شَعْبَانَ 1447
أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَتَأَمَّلُوا فِي تَدْبِيرِهِ وَقَدَرِهِ، وَكَيْفَ أَنَّهُ يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ الَّذِي لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، جَلَّ فِي عُلَاهُ.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ لِلَّهِ عَادَةً فِي خَلْقِهِ، فَهُوَ يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِلُ، وَإِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ.
وَلَقَدْ حَثَّ اللَّهُ عِبَادَهُ عَلَى السَّيْرِ فِي الْأَرْضِ، وَأَخْذِ الْعِبْرَةِ بِمَا حَلَّ بِالْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَكَيْفَ كَانَ مَصِيرُهُمْ.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، وَقَالَ: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.
فَالظُّلْمُ ـ عِبَادَ اللَّهِ ـ عَاقِبَتُهُ وَخِيمَةٌ، وَشَرُّهُ مُسْتَطِيرٌ، وَهُوَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي يُعَجِّلُ اللَّهُ بِعُقُوبَتِهَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، وَغَالِبًا مَا تَكُونُ الْعَاقِبَةُ هَلَاكَهُمْ: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾، وَقَالَ: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾.
بَلْ يَكُونُ هَلَاكُهُمْ بِعِقَابٍ أَلِيمٍ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
وَالظَّالِمُ بَغِيضٌ إِلَى اللَّهِ غَيْرُ مَحْبُوبٍ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، كَمَا أَنَّ الظَّالِمَ وَلَوْ طَالَتْ مُدَّتُهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُمَكِّنُ لَهُ فِي الْأَرْضِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
كَمَا أَنَّ الظَّالِمَ تَحِلُّ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، وَقَدْ يُعَاقَبُ بِأَنْ يَمُدَّ اللَّهُ لَهُ فِي طُغْيَانِهِ وَلَا يَهْدِيَهُ لِلتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وَلَوْ أَخَذْنَا فِي ذِكْرِ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلظَّالِمِينَ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ لَطَالَ الْأَمْرُ، فَلَقَدْ تَكَاثَرَتِ الْآيَاتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي بَيَانِ حَالِهِمْ وَمَآلِهِمْ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ وَمِنْ صِفَاتِهِمْ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مَا حَدَثَ وَيَحْدُثُ فِي الْأَرْضِ مَلِيءٌ بِالْعِبَرِ وَالدُّرُوسِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَشْغَلَ عَنْهَا. فَإِنَّهُ لَمَّا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قُبْرُصَ فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِهَا فَبَكَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. قَالَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: فَرَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ جَالِسًا يَبْكِي، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، مَا يُبْكِيكَ فِي يَوْمٍ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا جُبَيْرُ، مَا أَهْوَنَ الْخَلْقَ عَلَى اللَّهِ إِذَا هُمْ عَصَوْهُ وَضَيَّعُوا أَمْرَهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ أُمَّةٌ قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ لَهُمُ الْمُلْكُ، تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ فَصَارُوا إِلَى مَا تَرَى.
فَالْمُؤْمِنُ الْعَاقِلُ النَّاصِحُ لِنَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَتْرُكُ مَا يَخْشَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ ظُلْمًا، فَضْلًا عَنِ الظَّالِمِ نَفْسِهِ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِذَا دَعَتْكَ قُدْرَتُكَ عَلَى ظُلْمِ النَّاسِ فَتَذَكَّرْ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ.
لَا تَظْلِمَنَّ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِرًا
فَالظُّلْمُ آخِرُهُ يَأْتِيكَ بِالنَّدَمِ
وَاحْذَرْ أَخِيَّ مِنَ الْمَظْلُومِ دَعْوَتَهُ
لَا تَأْخُذَنَّكَ سِهَامُ اللَّيْلِ فِي الظُّلَمِ
نَامَتْ عُيُونُكَ وَالْمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ
يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمِ
وَجَدَ خُمَارَوَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ ـ أَحَدُ الْأُمَرَاءِ ـ مَرَّةً فِي جَيْبِهِ رُقْعَةً لَمْ يَعْرِفْ مَنْ رَفَعَهَا، وَلَا مَنْ قَالَهَا، فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكُمْ مَلَكْتُمْ فَأَسَرْتُمْ، وَقَدَرْتُمْ فَأَشَرْتُمْ، وَوُسِّعَ عَلَيْكُمْ فَضَيَّقْتُمْ، وَعَلِمْتُمْ عَاقِبَةَ الدُّعَاءِ فَاحْذَرُوا سِهَامَ السَّحَرِ، فَإِنَّهَا أَنْفَذُ مِنْ وَخْزِ الْإِبَرِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ جَرَحْتُمْ قُلُوبًا قَدْ أَوْجَعْتُمُوهَا، وَأَكْبَادًا أَجَعْتُمُوهَا، وَأَحْشَاءً أَنْكَيْتُمُوهَا، وَمُقَلًا أَبْكَيْتُمُوهَا، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَهْلِكَ الْمُنْتَظِرُونَ وَيَبْقَى الْمُنْتَظَرُونَ، فَاعْمَلُوا إِنَّا عَامِلُونَ،
وَجُورُوا إِنَّا بِاللَّهِ مُسْتَجِيرُونَ، وَاظْلِمُوا فَإِنَّا إِلَى اللَّهِ مُتَظَلِّمُونَ. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: 227].
فَبَكَى هَذَا الْأَمِيرُ بُكَاءً شَدِيدًا، وَجَعَلَ يَتَعَهَّدُ قِرَاءَتَهَا فِي غَالِبِ أَوْقَاتِهِ، وَيَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى إِجْرَاءِ عَبَرَاتِهِ.
اللَّهُمَّ نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ، أَقُولُ..
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ……..
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لَقَدْ حَذَّرَ الْمُصْطَفَى ﷺ مِنَ الظُّلْمِ أَيْمَا تَحْذِيرٍ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ـ وَاللَّفْظُ لَهُ ـ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ ﷺ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ مُحَرَّمًا بَيْنَكُمْ، فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي».
وَإِنَّ مِمَّا يُوبِقُ الظَّالِمَ ـ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ـ دُعَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ لَهُمْ. أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، يَقُولُ اللَّهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ».
قَالَ الزُّبَيْدِيُّ: «إِنَّ الْمَظْلُومَ إِذَا شَكَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى اقْتَضَى عَدْلُ اللَّهِ تَعَالَى الْإِيقَاعَ بِظَالِمِهِ، فَيُحِبُّ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَجْهَرَ الْمَظْلُومُ بِالشَّكْوَى؛ لِيَكُونَ الْإِيقَاعُ بِالظَّالِمِ مَبْسُوطَ الْعُذْرِ عِنْدَ الْخَلْقِ، وَزَاجِرًا لِأَمْثَالِهِ عَنْ أَمْثَالِ فِعْلِهِ».
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: لَقَدْ حَكَى اللَّهُ لَنَا فِي كِتَابِهِ قِصَصَ الظَّالِمِينَ لِنَعْتَبِرَ بِهَا فَنَهْرُبَ مِنَ الظُّلْمِ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ. فَهَذَا فِرْعَوْنُ الَّذِي بَلَغَ مِنَ الطُّغْيَانِ وَالْجَبَرُوتِ مَا بَلَغَ، حَتَّى إِنَّهُ اسْتَعْبَدَ أَهْلَ مِصْرَ كُلَّهُمْ، وَبَلَغَ بِهِ مِنْ صَلَفِهِ وَغُرُورِهِ مَا قَالَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ: «إِنَّمَا أُهْلِكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا الْحَقَّ حَتَّى اشْتُرِيَ، وَبَسَطُوا الْجَوْرَ حَتَّى افْتُدِيَ».
أَوْرَدَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي «الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ» عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ هَذِهِ الْقِصَّةَ…
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
أَلَا عِبَادَ اللَّهِ فَلْنَجْتَنِبِ الظُّلْمَ، وَلْنَمْنَعْ وُقُوعَهُ…
اللَّهُمَّ أَعِذْنَا مِنَ الظُّلْمِ، وَارْزُقْنَا قَوْلَ الْحَقِّ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ
المرفقات
1770300456_عاقبة الظلم.doc