خُطْبَةُ: رَمَضَانُ وَسَبِيلُ التَّغْيِيرِ

عادل بن عبد العزيز الجهني
1447/09/03 - 2026/02/20 01:52AM

خُطْبَةُ: رَمَضَانُ وَسَبِيلُ التَّغْيِيرِ

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهَا زَادُ الرَّاحِلِينَ، وَعُدَّةُ المُتَّقِينَ، وَسَبَبُ الفَوْزِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ،
يُهَيِّئُ اللَّهُ لِعَبْدِهِ أَسْبَابَ الخَيْرِ، وَطُرُقَ الفَلَاحِ، فَإِنِ اغْتَنَمَهَا كَانَ مِنَ الفَائِزِينَ، وَإِنْ تَنَكَّبَ الطَّرِيقَ خَابَ وَخَسِرَ.

وَقَدْ هَيَّأَ اللَّهُ لَكُمْ مَوْسِمًا عَظِيمًا، وَزَمَانًا مُبَارَكًا، تَغْتَنِمُونَ فِيهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ مَا يُقَرِّبُكُمْ إِلَى اللَّهِ، وَتَنَالُونَ فِيهِ مِنَ الخَيْرَاتِ مَا لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالٍ، وَيَظْفَرُ بِالفَوْزِ مَنْ تَقَدَّمَ، وَيَبُوءُ بِالحِرْمَانِ مَنْ تَأَخَّرَ.
وَأَنْتَ – يَا عَبْدَ اللَّهِ – حَسِيبُ نَفْسِكَ، وَلَا عُذْرَ لِمَنْ تَمَكَّنَ مِنَ العَمَلِ ثُمَّ تَكَاسَلَ.

رَمَضَانُ يَا عِبَادَ اللَّهِ،
فُرْصَةٌ كَبِيرَةٌ لِلتَّغْيِيرِ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ، وَطَرِيقٌ لِتَصْحِيحِ المَسَارِ، وَزَمَانٌ لِلإِقْبَالِ عَلَى الخَيْرِ، وَمُرَاجَعَةِ النَّفْسِ، وَتَدَارُكِ مَا فَاتَ.

كَمْ يَفُوزُ المُؤْمِنُ حِينَ يَغْتَنِمُ سَاعَاتِهِ بِالطَّاعَاتِ، وَكَمْ يَخْسَرُ إِنْ فَوَّتَ هٰذَا الزَّمَانَ بِالغَفْلَةِ.

انْظُرُوا – رَحِمَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ –
إِلَى ذٰلِكَ العَبْدِ المُوَفَّقِ الَّذِي مَلَأَ وَقْتَهُ فِي رَمَضَانَ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ، فَلَا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنْ طَاعَةٍ إِلَّا أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، دُونَ مَلَلٍ أَوْ كَلَلٍ؛ لِأَنَّهُ نَظَرَ إِلَيْهِ أَنَّهُ مَوْسِمٌ عَظِيمٌ، وَزَمَنٌ شَرِيفٌ، فَكُلُّ سَاعَةٍ مِنْهُ يَدَّخِرُهَا لِيَوْمِ الحِسَابِ؛ لِأَنَّهَا إِنْ فَاتَتْ لَا تَعُودُ.

قَدْ مَلَأَ وَقْتَهُ بِالطَّاعَاتِ؛ فَيَبْدَأُ يَوْمَهُ المُبَارَكَ وَقْتَ السَّحَرِ، يَمْضِيهِ مَا بَيْنَ دُعَاءٍ وَصَلَاةٍ وَاسْتِغْفَارٍ، فَيَسْتَقْبِلُهُ بِهٰذِهِ العِبَادَاتِ الجَلِيلَةِ، ثُمَّ يَمْضِي إِلَى صَلَاةِ الفَجْرِ خَاشِعًا مُتَذَلِّلًا، مُتَذَكِّرًا فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهٰذَا الاجْتِبَاءِ وَالاصْطِفَاءِ.
فَإِذَا صَلَّى الفَجْرَ بَقِيَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الشُّرُوقِ، رَاجِيًا مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الأَجْرِ العَظِيمِ.
لَا تَرَاهُ إِلَّا مُحَافِظًا عَلَى فَرَائِضِهِ، شَحِيحًا بِزَمَانِهِ.
يَتَقَدَّمُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ فَيَتَهَيَّأُ لَهَا بِالسُّنَنِ، وَالتِّلَاوَةِ، وَالدُّعَاءِ، وَيَتْبَعُهَا بِالذِّكْرِ وَالاسْتِغْفَارِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَى المَلِكِ العَلَّامِ.

حَفِظَ صَوْمَهُ مِنَ الخَلَلِ، وَأَمْضَى سَاعَاتِهِ بِالقُرْبِ مِنَ اللَّهِ، فَمِثْلُ هٰذَا أَلَيْسَ أَحَقَّ بِالمَغْفِرَةِ، وَالظَّفَرِ بِخَيْرَاتِ الشَّهْرِ؟

وَهٰكَذَا يَمْضِي زَمَنُ رَمَضَانَ بَيْنَ عِبَادَاتٍ وَوَاجِبَاتٍ، يَتَخَلَّلُهَا رَاحَةٌ يَسِيرَةٌ؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ لَيْسَ زَمَانَ نَوْمٍ طَوِيلٍ، وَلَا لَهْوٍ أَوْ لَعِبٍ.

عِبَادَ اللَّهِ،
لَقَدْ رَغَّبَنَا نَبِيُّنَا ﷺ فِي اغْتِنَامِ رَمَضَانَ، فَقَالَ:
«إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ».
فَتَأَمَّلُوا هٰذَا التَّحْفِيزَ العَظِيمَ مِنْهُ؛ الجِنَانُ فُتِّحَتْ، وَالنِّيرَانُ أُغْلِقَتْ، وَالشَّيَاطِينُ صُفِّدَتْ، وَمُنَادِي الرَّحْمٰنِ يُنَادِي كُلَّ لَيْلَةٍ: (يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ).
يَتَرَدَّدُ النِّدَاءُ كُلَّ لَيْلَةٍ لِيَتَذَكَّرَ الغَافِلُ، وَيَسْتَيْقِظَ النَّائِمُ، وَيَعُودَ الشَّارِدُ، وَيَتَنَبَّهَ المُعْرِضُ.
فَكَمْ فِي هٰذَا النِّدَاءِ مِنْ رَحْمَةٍ، وَكَمْ فِيهِ مِنْ شَفَقَةٍ، وَكَمْ فِيهِ مِنْ تِكْرَارِ الفُرْصَةِ.
فَأَيْنَ المُتَعَرِّضُ لِرَحَمَاتِ الرَّحْمٰنِ؟

وَتَأْتِي البُشْرَى مِنَ الرَّحْمَةِ المُهْدَاةِ ﷺ:
«وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذٰلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ».
فَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ بُشْرَى! وَمَا أَجَلَّهَا مِنْ فُرْصَةٍ!

عِبَادَ اللَّهِ،
مَضَتْ ثَلَاثُ لَيَالٍ مِنْ رَمَضَانَ، عُتِقَتْ فِيهَا رِقَابٌ مِنَ النَّارِ، وَسَلِمَتْ مِنْ شَرِّهَا؛ فَمَنْ هٰؤُلَاءِ؟ لِيَفْرَحُوا، وَلْيُقَابِلُوا هٰذِهِ النِّعْمَةَ بِمَزِيدٍ مِنَ الاجْتِهَادِ، وَالخَوْفِ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَالرَّجَاءِ فِي القَبُولِ.

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ،
رَمَضَانُ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِإِصْلَاحِ كَثِيرٍ مِنَ الخَلَلِ، وَإِدْرَاكِ جَوَانِبِ التَّقْصِيرِ فِينَا:
فُرْصَةٌ لِلمُحَافَظَةِ عَلَى صَلَاةِ الجَمَاعَةِ.
فُرْصَةٌ لِتَجْدِيدِ العَهْدِ مَعَ القُرْآنِ تِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا.
فُرْصَةٌ لِلُزُومِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَى الدَّوَامِ.
فُرْصَةٌ لِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَإِزَالَةِ الشَّحْنَاءِ مِنَ النُّفُوسِ.
فُرْصَةٌ لِلبُعْدِ عَنِ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي وَالآثَامِ.

فَيَا مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ،
أَرِ اللَّهَ مِنْ نَفْسِكَ خَيْرًا، وَاسْتَعِنْ بِهِ عَلَى تَغْيِيرِ حَالِكَ، وَاجْعَلْ هٰذَا الشَّهْرَ بِدَايَةَ اسْتِقَامَةٍ صَادِقَةٍ، وَصَفْحَةً جَدِيدَةً مَعَ اللَّهِ؛ فَالسَّعِيدُ مَنْ تَغَيَّرَ فِي رَمَضَانَ، لَا مَنْ بَقِيَ كَمَا كَانَ.

أَقُولُ قَوْلِي هٰذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ،
لَا يَزَالُ العَبْدُ بِخَيْرٍ مَا دَامَ لَهُ مِنَ اللَّهِ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ، يُذَكِّرُهُ إِذَا غَفَلَ، وَيُعِينُهُ إِذَا نَوَى الخَيْرَ وَعَزَمَ.
وَنَحْنُ – عِبَادَ اللَّهِ – فِي أَوَائِلِ أَيَّامِ رَمَضَانَ، وَقَدْ تَيَسَّرَتْ أَسْبَابُ الطَّاعَةِ، وَتَهَيَّأَتِ القُلُوبُ لِلإِنَابَةِ، وَأُحِيطَ بِالعَبْدِ مِنْ مُعِينَاتِ التَّعَبُّدِ مَا يُقَوِّي عَزِيمَتَهُ، وَيُبْعِدُهُ عَنِ المَعْصِيَةِ.

فَهَا هِيَ المَسَاجِدُ قَدِ امْتَلَأَتْ بِالمُصَلِّينَ،
وَالأَيْدِي قَدِ امْتَدَّتْ بِالعَطَاءِ وَالإِحْسَانِ،
وَتَرَى كَثِيرًا مِمَّنْ حَوْلَكَ قَدْ تَقَرَّبُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِالبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ،
تَرَى المَصَاحِفَ مَنْشُورَةً بَيْنَ الأَيْدِي،
وَجُمُوعَ المُعْتَمِرِينَ يَفِدُونَ إِلَى رَبِّهِمْ،
وَتَرَى الذَّاكِرِينَ، وَالبَاكِينَ، وَالخَاشِعِينَ، وَالدَّاعِينَ، قَدْ رُفِعَتْ أَكُفُّ الضَّرَاعَةِ مِنْهُمْ،
كُلٌّ يَسْأَلُ رَبَّهُ مِنْ فَضْلِهِ،
قَدْ أَنَابَ إِلَى مَوْلَاهُ وَخَضَعَ، وَتَذَلَّلَتْ جَوَارِحُهُ لِرَبِّهِ وَخَشَعَ.

فَإِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ فِي مُؤَخِّرَةِ الرَّكْبِ أَوْ تَكُونَ مِنَ الخَاسِرِينَ.
وَاللَّهَ اللَّهَ فِي المُسَارَعَةِ إِلَى الخَيْرَاتِ،
وَاللَّهَ اللَّهَ فِي اغْتِنَامِ بَقَايَا الأَعْمَارِ فِيمَا يَنْفَعُكُمْ.
فَاليَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ.

سَيَتَفَلَّتُ رَمَضَانُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا، وَتَنْقَضِي سَاعَاتُهُ كَأَنَّهَا لَحَظَاتٌ، وَكَأَنَّنَا بِهِ قَدِ انْسَلَخَ وَانْتَهَى، فَيَلُومُ المُفَرِّطُ نَفْسَهُ، وَيَنْدَمُ عَلَى تَفْرِيطِهِ فِي سَاعَةٍ لَا يَنْفَعُ فِيهَا النَّدَمُ.
فَالْجِدَّ الجِدَّ، وَالعَزِيمَةَ العَزِيمَةَ، وَالقُوَّةَ القُوَّةَ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ، وَاغْتَنِمُوا مُهْلَةَ الإِدْرَاكِ وَفُرْصَةَ العَمَلِ.

اللَّهُمَّ أَعِنَّا فِي هٰذَا الشَّهْرِ عَلَى طَاعَتِكَ، وَوَفِّقْنَا لِمَرْضَاتِكَ.
اللَّهُمَّ انْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ، وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِاغْتِنَامِ رَمَضَانَ، وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ المَقْبُولِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ المَحْرُومِينَ.

هٰذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – عَلَى نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ، كَمَا أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ فَقَالَ:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

 

المشاهدات 356 | التعليقات 0