خطبة حقيقة رمضان غفران لا حرمان
حسين بن حمزة حسين
1447/09/03 - 2026/02/20 01:09AM
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنَا شَهْرَ الجُودِ وَالإِحْسَانِ، وَخَصَّنَا فِيهِ بِنَفَحَاتِ الرِّضْوَانِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَوَاسِمَ الطَّاعَاتِ نَفَحَاتٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَعَطَايَا إِلٰهِيَّةٌ؛ يَفْتَحُ اللَّهُ بِهَا أَبْوَابَ الرَّحْمَاتِ، وَيَرْفَعُ بِهَا الدَّرَجَاتِ، وَيَمْحُو بِهَا السَّيِّئَاتِ. فَهَنِيئاً لِمَنْ تَزَوَّدَ وَاسْتَزَادَ، وَبُعْداً لِلْغَافِلِينَ اللَّاهِينَ حَتَّى وَافَاهُمُ الْمَمَاتُ. إِخْوَةَ الإِيمَانِ: خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ لِغَايَةٍ جَلِيلَةٍ، وَأَوْجَدَهُمْ لِمَقْصَدٍ أَسْمَى؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وَمِنْ سَابِغِ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ أَنْ شَرَعَ لَهُمْ مِنَ المَنَاسِكِ مَا يُزَكِّي النُّفُوسَ بَعْدَ كَدَرِهَا، وَيُحْيِي القُلُوبَ بَعْدَ مَوَاتِهَا، وَيَسْكُبُ فِي الصُّدُورِ نُورَ الإِيمَانِ ؛ لِيَلْقَوْا مَوْلَاهُمْ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ غَيْرُ غَضْبَانَ. وَمِنْ أَعْظَمِ هٰذِهِ المَوَاسِمِ شَهْرُ رَمَضَانَ، الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾،
فَالغَايَةُ العُظْمَى مِنْ رَمَضَانَ تَرْسِيخُ التَّقْوَى فِي القُلُوبِ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ جُوعَ البُطُونِ الضَّامِرَةِ، وَلَا عَطَشَ الحَنَاجِرِ اليَابِسَةِ - كَمَا هُوَ حَالُ بَعْضِ المَحْرُومِينَ - وَلَكِنَّ المَقْصُودَ رِيُّ القُلُوبِ بِمَخَافَةِ عَلامِ الغُيُوبِ؛ حَتَّى تَأْلَفَ النَّفْسُ الطَّاعَاتِ، وَتَنْقَادَ لِلْمَرْضَاةِ. فَرَمَضَانُ مِضْمَارُ التَّوْبَةِ، وَشَهْرُ المَغْفِرَةِ، وَفَكَاكُ الرِّقَابِ مِنَ النِّيرَانِ. وَإِنَّ الصَّوْمَ الَّذِي يَرْتَضِيهِ اللَّهُ هُوَ صَوْمُ الجَوَارِحِ عَنِ الآثَامِ؛ فَلَا تَكُونُ العَيْنُ صَائِمَةً إِلَّا إِذَا غُضَّتْ عَنِ الحَرَامِ، وَلَا الأُذُنُ إِلَّا إِذَا تَنَزَّهَتْ عَنِ اللَّغْوِ وَالآثَامِ، وَلَا اللِّسَانُ إِلَّا إِذَا تَطَهَّرَ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَالبُهْتَانِ، وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ القَلْبِ إِلَّا بِالتَّخَلِّي عَنِ الغِلِّ وَالحَسَدِ وَسُوءِ الظَّنِّ، قال ﷺ ( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». فَوَا عَجَبًا مِمَّنْ يَرْجُو القَبُولَ وَهُوَ يَتَقَرَّبُ بِتَرْكِ المُبَاحِ، ثُمَّ يُقِيمُ عَلَى فِعْلِ المُحَرَّمِ وَالقَبَائِحِ! وَقَدْ صَحَّ عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الكَذِبِ وَالمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الجَارِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ صَوْمِكَ وَيَوْمَ فِطْرِكَ سَوَاءً». "
عِبَادَ اللَّهِ: اجْعَلُوا مِنْ جُوعِكُمْ عِبْرَةً، وَمِنْ عَطَشِكُمْ تَذْكِرَةً، وَمِنْ إِمْسَاكِكُمْ تَهْذِيبًا لِلنُّفُوسِ، وَكَسْرًا لِسَوْرَةِ الشَّهَوَاتِ؛ فَالصِّيَامُ بِلَا تَقْوَى صُورَةٌ بِلَا حَقِيقَةٍ، وَجَسَدٌ بِلَا رُوحٍ. وَاعْلَمُوا أَنَّ المَحْرُومَ لَيْسَ مَنْ جَاعَ بَطْنُهُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، بَلِ المَحْرُومُ حَقًّا مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يَغْنَمْ غُفْرَانَهُ، وَقَدْ قَالَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ». فَأَيُّ حِرْمَانٍ -يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ- أَشَدُّ مِنْ حِرْمَانِ المَغْفِرَةِ؟ وَأَيُّ خُسْرَانٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُفْتَحَ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ فيكون من المطرودين، فَأَيُّ قَلْبٍ هٰذَا الَّذِي يَعْكُفُ شَهْرًا فِي مِحْرَابِ رَمَضَانَ ثُمَّ لَا يَلِينُ؟ وَأَيُّ نَفْسٍ هٰذِهِ الَّتِي تُجَاهِدُ صيام أَيَّامِهُ وَتُحْيِي لَيَالِيَهُ ثُمَّ لَا تَرْتَقِي بَيْنَ مَنَازِلِ المُتَّقِينَ؟ فَهَنِيئًا لِمَنْ صَدَقَتْ تَوْبَتُهُ فَقُبِلَتْ، وَصَحَّتْ إِنَابَتُهُ فَغُفِرَتْ، وَفَازَ برحمة رَبِّهِ وِرِضْوَانِ فَأُعْتِقَ مِنَ النِّيرَانِ، فَخَرَجَ مِنْ مَدْرَسَةِ الصِّيَامِ بِقَلْبٍ أَنْقَى، وَلِسَانٍ أَصْفَى، وَنَفْسٍ لِرَبِّهَا أَتْقَى.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ."
الخطبة الثانية:
إخوة الإيمان: أنتم في شهر الْجُودِ وَالْعَطَاءِ، وَالْبَذْلِ وَالسَّخَاءِ، فَقَدْ كَانَ ﷺ: أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُعْطَى لِغَنِيٍّ، فَتَحَرَّوا فِي زَكَاتِكُمْ وَصَدَقَاتِكُمُ الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَالْجَمْعِيَّاتِ الرَّسْمِيَّةِ الْمَوْثُوقَةِ، وَاحْذَرُوا مِنَ الْجِهَاتِ الْمَشْبُوهَةِ وَعِصَابَاتِ التَّسَوُّلِ، فَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ تَكَثُّرًا! وَالْمُحْتَاجُونَ حَقًّا أَكْثَرُهُمْ لَا يَسْأَلُونَ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، فَتَفَقَّدُوا الْفُقَرَاءَ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَخَاصَّةً مَنْ كَانَ لَهُمْ حَقٌّ كَالْقَرِيبِ وَالْجَارِ والصديق، يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾، وَقَالَ ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الْقَرَابَةِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه.
وتذكروا أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرُ جِدٍّ وَعَمَلٍ وَاجْتِهَادٍ تَرْتَفِعُ فِيهِ الْهِمَمُ وَتَقْوَى الْعَزَائِمُ، فَلَا مَجَالَ فِيهِ لِلتَّكَاسُلِ؛ فَالْمُسْلِمَ مَأْمُورٌ بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ وَإِتْقَانِ عَمَلِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، الطالب والمدرس في مدرسته والموظف في وظيفته. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ صَامَ الشَّهْرَ وَاسْتَكْمَلَ الْأَجْرَ وَفَازَ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
.