خُطبَة بعنوان: نِعمَةُ إِدرَاكِ شَهْرِ رَمَضَانَ.

رمضان صالح العجرمي
1447/09/02 - 2026/02/19 19:39PM
خُطبَة بعنوان: نِعمَةُ إِدرَاكِ شَهْرِ رَمَضَانَ. 
 
1- نِعمَةُ إِدرَاكِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
2- مَا هُوَ الوَاجِبُ عَلَيْنَا؟
3- وَصَايَا عَمَلِيَّةٌ تَطبِيقِيَّةٌ.
 
(الهَدَفُ مِنَ الخُطبَةِ)
التذكير بنِعمَةِ إِدرَاك رَمَضَانَ، والحَثُّ على اغتِنَامِ أَوقَاتِه.
 
•مُقَدِّمَةٌ ومَدَخَلٌ للمُوْضُوعِ:
•أيُّهَا المُسلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، لقد أنعم الله تعالى على هذه الأمة بهذا الشهر الكريم الذي تُفتحُ فيه أبوابُ الخيرات، ويُقبلُ فيه العبادُ على الله عز وجل بشتَّىٰ أنواعِ الطاعات. 
•ثم أنعمَ علينا بنعمة إدراك الشهر، نعمة بلوغ الشهر؛ فإنَّها نعمةٌ لا تعادلها نعمةٌ بعد نعمة الإسلام؛ وتأمل: كم واحد كان معنا في رمضان الماضي ولم يدرك الشهر هذا العام؟
•فإنَّ من أدرك رمضان قد يسبقُ غيرَه بكثير من الأجور؛ بل ويسبقُ درجةَ الشهيدِ في سبيل الله، بفضل صيامه وقيامه، وصلاته وسجوده، واسمع لهذا الخبر؛ فعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِيٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ الْآخَرِ فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِهِمَا فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنْ الْجَنَّةِ فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَقَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: ((مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الْآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟)) قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ((وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ، فَصَامَ وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟)) قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ))؛ [رواه ابنُ ماجه، وابنُ حبان، والبيهقي، وصححه الألباني]
•فهناك الكثير الكثير ممن حال الموتُ بينهم وبين إدراك رمضان؛ قال ابن الجوزي رحمه الله: "تَاللَّهِ لَوْ قِيلَ لأَهْلِ الْقُبُورِ تَمَنَّوْا، لَتَمَنَّوْا يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ."
•ثم هناك نِعَمٌ أخرى داخل هذه النعمة؛ منها: التوفيق لإتمام الشهر؛ فهناك من أدرك رمضان وحال المرضُ بينه وبين الاجتهاد فيه.
 
فَمَا هُوَ الوَاجِبُ عَلَيْنَا؟
أَوَّلًا: الفرح والاستبشار واستحضار نعمة إدراك شهر رمضان 
•ولماذا لا نفرح وقد أنعم الله تعالى علينا بإدراك هذا الشهر الكريم؛ فإنها والله من أجل النعم التي ينعم الله تعالى بها على عباده.
•لماذا لا نفرح بإدراك هذا الشهر الكريم، وهذا الموسم العظيم، الذي تتضاعف فيه الحسنات؟ ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قال اللَّه عَزَّ وجلَّ: كُلُّ عَملِ ابنِ آدَمَ يُضَاعفُ الحسَنَةُ بِعشْر أَمْثَالِهَا إِلى سَبْعِمِائة ضِعْفٍ، قال اللَّه تعالى: إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وأَنا أَجْزي بِهِ: يدعُ شَهْوتَهُ وَطَعامَهُ مِنْ أَجْلي، لِلصَّائم فَرْحتَانِ: فرحة عند فطره، فَرْحةٌ عِنْدَ لقَاء رَبِّهِ، ولَخُلُوفُ فيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ ريحِ المِسْكِ.))
•لِمَاذَا لَا نَفرَحُ بِشَهرٍ تَقَعُ فِيهِ مغفرةُ الذنوب، وتكفيرُ السيئات؛ ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ؛ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ))
•‏لِمَاذَا لَا نَفرَحُ بِشَهرٍ تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب النار، وتُصفد فيه الشياطين؟ كما في الحديث الصحيح: ((تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ)).
•‏لِمَاذَا لَا نَفرَحُ بهذا الموسم العظيم الذي يعتق الله تعالى فيه عتقاء من النار وذلك كل ليلة؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تعالى عتقاء في كل يوم وليلة))؛ [رواه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع].
•‏لِمَاذَا لَا نَفرَحُ بِشَهرٍ فيه ليلة خير من ألف شهر؟ كما في الحديث الصحيح: ((لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ))
•ولذا نفقه حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تهنئة الصحابة والأمة بقدوم هذا الشهر الكريم؛ فعن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه قال: ((أَتَاكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ))؛ [صحيح الترغيب والترهيب]
 
ثَانِيًا: شكر نعمة إدراك شهر رمضان 
•فإنَّ بلوغَ شهرِ رمضانَ نعمةٌ عظيمةٌ من أعظم النعم التي تستحق الشكر؛ كما قال تعالى في آخر آيات الصيام: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
•والشُّكرُ يكونُ بالقلب: وذلك بأن نصومَ شهر رمضان إيمانًا واحتسابًا، ويكونُ باللسان: بأن نُكثِرَ من ذكرِ الله تعالى وشكرهِ، ويكونُ بالأفعال: وذلك بأن نجتهِدَ في أنواعِ العبادات؛ وتأمَّل إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم عندما قام من الليل حتى تورمت قدماه! وقيل له في ذلك! فقال صلى الله عليه وسلم: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا))؛ [متفق عليه.]
•ثُمَّ اعلموا رَحمَكم الله، أنَّ من شكر الله تعالى على نعمة إدراك رمضان حَقَّ شكرِهِ، تَأَذَّنَ له بالزيادة في أعمال الخير، والتَّوفيق والمعونة، وفتح له أبوابًا كثيرةً من أبواب الخير؛ قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} 
 
نَسأَلُ اللهَ العظيمَ أن يجعَلَنا من عِبادِهِ الشَّاكِرين.
 
الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ: وَصَايَا عَمَلِيَّةٌ تَطبِيقِيَّةٌ.
•أيُّهَا المُسلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، وحتى لا تضيع منا أوقاتُ الشهر الكريم وتتفلت: فلابد من إعداد برنامج كامل لشهر رمضان؛ فلا تكن كالذي دخل السوق بغير مال، فليس له إلا المشاهدة والحرمان.
•هذا البرنامج الذي ستضعه لنفسك هو الذي سيحدد لك أهدافك، وسيحافظ لك على أوقاتك؛ فقد قال الله تعالى عن المنافقين الذين لم يخرجوا للغزو بحجة عدم الاستعداد: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} 
•فلابد أن تُعدَّ العدَّة؛ ماذا ستفعل في أوقات شهر رمضان؟
•ويبدأ هذا البرنامجُ: من الاستيقاظ للسحور، وتأخير السحور لإدراك وقت السحر، وكثرة الاستغفار في هذا الوقت، ثم المحافظة على صلاة الفجر، ثم أذكار الصباح، والمكث في المسجد حتى الشروق؛ لتحظى بأجر حجة وعمرة تامة.
•ثم اجعل لنفسك وردًا يوميًّا من القرآن الكريم.
•حافظ على الصلوات الخمس، لا سيما صلاة العشاء، ثم التراويح في جماعة، والانصراف مع الإمام؛ فتنال أجر قيام الليل.
•لا تَدَعْ وقتًا يمر بك إلا ولك فيه طاعة من الطاعات؛ فرأس مالك هو الوقت، فلا تضيع منه شيئًا.
•مع الحذر كل الحذر من العَوَائق والمُضيِّعات التي تُضيِّعُ وتقطعُ عليك طريق الاجتهاد في هذا الموسم العظيم من مواسم الخير؛ ومنها: قُطَّاع الطريق، ولا نعني بهم أولئك الذين يقطعون الطريق، وينهبون ويسرقون أموال الناس، وإنما نعني بهم أهلَ الباطل والشهوات الذين يُعدُّون العدَّةَ لإفساد فرحتك بشهر رمضان، وحرمانك من هذه النفحات، وقطع الطريق بينك وبين الله جل في علاه، وذلك من خلال ما يُقدِّمونه عبر الشاشات من مسلسلات وبرامج رمضانية، وغيرها من الأسماء؛ وصدق الله إذ يقول: {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، وقال تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}
قال السعدي رحمه الله: "فإذا عرفتم أن الله تعالى يأمركم بما فيه صلاحكم، وأن هؤلاء المتبعين لشهواتهم يأمرونكم بما فيه غاية الخَسار والشقاء؛ فاختاروا لأنفسكم أَوْلَىٰ الداعِين، وتخيروا أحسن الطريقين".
•وعليك بمصاحبة ذوي الهمم العالية وترك الكسالى؛ قال الله تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}
•أخيرًا: فهذه بعض المشاريع الرمضانية لكسب الحسنات:
•هل تعلم أن الختمة الواحدة للقرآن الكريم تساوي أكثر من ثلاثة ملايين حسنة؟ وهذا الرقم يضاعف في شهر رمضان.
•لك كل يوم وليلة دعوة مستجابة؛ فلا تضيع منها شيئًا.
•لك كل يوم فرصة ومنحة ربانية للعتق من النار؛ إذا أحسنت الصيام والقيام.
•مشروع فرسان رمضان: أن تعاهد نفسك على ترك ذنب، أو عادة سيئة كل يوم من أيام رمضان.
•مشروع ذوي الهمم العالية: إذا تكاسلت عن طاعة؛ فافعل أكثر منها.
 
نسأل الله العظيم أن يوفقنا للصيام والقيام، وأن يجعلنا من عتقائه من النار.
 
#سلسلة_خطب_الجمعة
#دروس_عامة_ومواعظ
(دعوة وعمل، هداية وإرشاد)
قناة التيليجرام: 
https://t.me/khotp
 
 
 
المشاهدات 541 | التعليقات 0