خطبة استقبال رمضان 1447

حسين بن حمزة حسين
1447/09/01 - 2026/02/18 14:51PM

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ جَعَلَ رَمَضَانَ سَيِّدَ الشُّهُورِ، وَضَاعَفَ فِيهِ الْحَسَنَاتِ وَالْأُجُورَ، أَحْمَدُهُ وَأَشْكُرُهُ وَهُوَ الْغَفُورُ الشَّكُورُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ صَلَّى وَزَكَّى وَصَامَ وَحَجَّ وَاعْتَمَرَ، فَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

كُنَّا قَبْلَ أَيَّامٍ نُوَدِّعُ شَهْرَ رَمَضَانَ الْمَاضِي، وَهَا نَحْنُ نشرُفُ بحُلُولِ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ، اللَّهُمَّ كما بلغتنا رَمَضَانَ، أَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، عَامٌ مَضَى ذَهَبَتْ أَفْرَاحُهُ وَأَتْرَاحُهُ، وَبَقِيَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ، ذَهَبَتْ لَذَّتُهُ وَبَقِيَتْ تَبِعَتُهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَنَا مَا مَضَى، وَعَصَمَنَا فِيمَا بَقِيَ.

إِخْوَةَ الإِيمَانِ: صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ أَحَدُ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ، وَمَبَانِيهِ الْعِظَامِ، فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ كَتَبَهَا اللَّهُ عَلَى الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ بِقُدُومِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَكَانَ يَقُولُ: «قَدْ جَاءَكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ)، وَفِي رِوَايَةٍ: (إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ)، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ» صَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.

مَوْسِمٌ مِنْ مَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ، تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْنَا، فَيَتُوبُ عَلَى التَّائِبِينَ، وَيَغْفِرُ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ، مَوْسِمٌ تَفِيضُ فِيهِ الرَّحَمَاتُ، وَيُجْزِلُ اللَّهُ فِيهِ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ، تَعُودُ فِيهِ النُّفُوسُ إِلَى بَارِئِهَا وَمَوْلَاهَا، فَتَشْكُو ذَنْبَهَا وَخَطَايَاهَا، فَيَجْبُرُ ضَعْفَهَا، وَيُصْلِحُ كَسْرَهَا، وَيَغْفِرُ ذَنْبَهَا، وَيَهَبُ لَهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. شَهْرٌ كُلُّهُ رَحْمَةٌ، شَهْرٌ كُلُّهُ مَغْفِرَةٌ، شَهْرٌ كُلُّهُ عِتْقٌ مِنَ النِّيرَانِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَلِنَعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الصِّيَامِ تَرْكَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ فَقَطْ، مَعَ الإِقَامَةِ عَلَى الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، بَلْ شَرَعَ اللَّهُ الصِّيَامَ لِغَرْسِ التَّقْوَى فِي الْقُلُوبِ، فَتَعْتَادُ النُّفُوسُ طَاعَةَ اللَّهِ وَتَعْظِيمَ حُرُمَاتِهِ، بِاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَتَعْتَادُ الصَّبْرَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَعَلَى تَرْكِ مَحَارِمِهِ. وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ) صَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.

وَخَيْرُ مَا يُتَقَدَّمُ بِهِ بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الضَّيْفِ الْكَرِيمِ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ، وَصِدْقُ النِّيَّةِ، وَحُسْنُ اللُّجُوءِ إِلَى اللَّهِ، بِالتَّوْبَةِ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي؛ فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالتَّوْبَةِ وَوَعَدَهُمْ بِقَبُولِهَا، وَرَتَّبَ عَلَيْهَا الأَجْرَ الْعَظِيمَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، وَقَالَ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فَالْمَحْرُومُ مَنْ حَرَمَهُ اللَّهُ، فَمَنْ لَمْ يَتُبْ فِي رَمَضَانَ فَمَتَى يَتُوبُ؟ وَمَنْ لَمْ يَعُدْ فِي رَمَضَانَ فَمَتَى يَعُودُ؟

الخطبة الثانية:

اتقوا الله عباد الله: وَاحْذَرُوا قُطَّاعَ الطَّرِيقِ، أَخْبَثَ خَلْقِ اللَّهِ، أَعْظَمَ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ، الَّذِينَ يَنْشُرُونَ الْفَاحِشَةَ وَالْعُهْرَ وَالْفُجُورَ فِي رَمَضَانَ، بَلْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْشُرُ الْكُفْرَ وَالْإِلْحَادَ – نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ –، وَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَعْظَمُ الْحِرْمَانِ أَنْ يُحْرَمَ الْمُؤْمِنُ فَضْلَ رَمَضَانَ بِرِضَاهُ وَلَهْوِهِ وَمُتَابَعَتِهِ لِهَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينِ. تَنْشَطُ الْبَرَامِجُ الْفَضَائِيَّةُ وَالْمُسَلْسَلَاتُ فِي رَمَضَانَ كَقَاطِعِ طَرِيقٍ مُجْرِمٍ، لِصٍّ سَارِقٍ، يَسْرِقُ مِنَ الصُّوَّامِ ثَمَرَةَ صَوْمِهِمْ، وَيَجْلِبُ لَهُمْ سَخَطَ اللَّهِ وَغَضَبَهُ، وَيُبْعِدُهُمْ عَنْ أَسْبَابِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ، يُبَدِّلُونَ شَهْرَ التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ إِلَى شَهْرِ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ؛ فَاحْذَرُوهُمْ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ وَكَفَانَا شَرَّهُمْ. احْذَرُوا بَرَامِجَ التَّوَاصُلِ وَمَا يُعْرَضُ فِي الْجَوَّالَاتِ مِنْ مَشَاهِدَ مُخْزِيَةٍ وَتَفَاهَاتٍ تَسْلُبُ الدِّينَ، وَتَقْتُلُ الْوَقْتَ الثَّمِين؛ فَالْحَيَاةُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَفُرْصَةُ الْيَوْمِ مِنَ الْحَيَاةِ وَالصِّحَّةِ وَالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ قَدْ لَا تَكُونُ غَدًا.

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: احْذَرُوا غَضَبَ الْجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، وَهُوَ يَغَارُ عَلَى دِينِهِ وَحُرُمَاتِهِ جَلَّ سُبْحَانَهُ وَتَقَدَّسَ، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. وَهَبَكُمُ اللَّهُ هَذَا الشَّهْرَ، وَأَطَالَ فِي أَعْمَارِكُمْ لِتَتُوبُوا وَتَزْدَادُوا مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَهَيَّأَ لَكُمْ أَسْبَابَهَا، وَضَاعَفَ لَكُمُ الْأُجُورَ وَالْهِبَاتِ؛ فَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَزِيدَنَا مِنْ فَضْلِهِ. فَكَمْ فِي الْمَقَابِرِ مِنْ أُنَاسٍ صَامُوا مَعَنَا فِي أَعْوَامٍ مَاضِيَةٍ، وَهُمْ الْآنَ تَحْتَ الثَّرَى رِهَانُ أَعْمَالِهِمْ، وَكَمْ كَانُوا يَأْمَلُونَ صِيَامَ هَذَا الشَّهْرِ فَأَدْرَكَهُمُ الْأَجَلُ؛ فَاحْمَدُوا اللَّهَ أَنْ أَمْهَلَكُمْ لِتُدْرِكُوا هَذَا الْمَوْسِمَ الْعَظِيمَ، فَاسْتَغِلُّوهُ وَاغْتَنِمُوهُ، وَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الْحَسَنَاتِ؛ فَإِنَّ أَحَدَنَا لَا يَدْرِي أَيُّ حَسَنَةٍ تُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ وَتُعْتِقُهُ مِنَ النَّارِ.

المشاهدات 182 | التعليقات 0