خطبة آكد الحقوق عبادة الله تعالى
حسين بن حمزة حسين
الحمد لله خلقنا لعبادته، وأمرنا بتوحيده وطاعته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في إلهيّته، كما أنه لا شريك له في ربوبيّته ولا مثيل له في أسمائه وصفاته، وأشهد أنْ محمداً عبده ورسوله، وخيرته من جميع بريته، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأهل ملته، وسلم تسليماً كثيرا، أما بعد: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) إخوة الإيمان : خلقنا الله تعالى لأمرٍ عظيم، أمرٍ جسيم، وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فأعظم الواجبات، وآكد الحقوق على الإنسان، عبادة الله سبحانه وتعالى، فمن أجل عبادة الله خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، ودوّن الدواوين، ووضع الموازين، وشرع الشرائع، ومن أجلها نُصِبت القبلة، وأُسّست الملّة، وجُعلت ملائكةٌ قرينةٌ مع كلّ إنسان تكتب الحسنات والسيئات، وتحصي الأجور والآثام، فعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب، فلا تزول قدما عبدٍ بين يدي الله عز وجل يوم القيامة حتى يُسأل عن أمرين ( ماذا كنْتم تعبدون، وبماذا أجبْتُم المرسلين)، فمن آمن وأطاع وامتثل دخل الجنّة، ومن كفر وعصى دخل النار، وهي حقُّ الله تعالى على جميع العباد، ففي الصحيحين عَنْ مُعَاذ بن جبلٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لهُ ( يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟»، قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)، قال تعالى ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾. إخوة الإيمان: معنى عبادة الله تعالى، وهي الإيمان بالله ربّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيّاً ورسولاً، وتصديقُ ذلك امتثال أوامر الله عز وجل وطاعتُه بما شرع في كتابه العظيم القرآن الكريم، وبما ثبت على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم - صحيح السنة-، وأصل العبادة وأساسها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، معناها: لا معبود حقٌّ إلا الله عزّ وجلّ، فكلّ ما يُعبد من دون الله باطل، فيجب صرف العبادة كلّها لله عز وجل، العبادات العمليّة كالصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، الذبح، النذر، الجهاد، برّ الوالدين، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، والعبادات القلبيّة كالدعاء، والرجاء، والخوف، والاستغاثة، الاستعانة، التوكّل .. كلّ أنواع العبادة لله عز وجل، أيضا ترك المحرمات والموبقات موجبات النار، نتركها تقرباً لله عز وجل، راجين رضا الله، خائفين من عقاب الله، من شرك، وسحر، وربا، وزنا، وخمر، ورشوة، وعقوق الوالدين، والظلم بكل أنواعه إلى غير ذلك من الكبائر، كلها نتركها تعبّداً لله عز وجل، راجين رضا الله، حذرين من عقاب الله، فاللهَ تَعَالى وَحْدَهُ هُوَ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، فَلَا نَتَوجَّهُ بِالدُّعَاءِ إِلَّا إِلى اللهِ وَحْدَهُ، وَلَا نَسْتَغِيثُ وَلَا نَسْتَعِينُ وَلَا نَطْلُبُ المَدَدَ وَالحَاجَاتِ وَدَفْعَ الشَّرِّ وَالكُرُبَاتِ إِلَّا مِنَ اللهِ وحده سبحانه؛ قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )، وَلَا نَذْبَحُ وَنَنْذُرُ إِلَّا لِلَّهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَا نَجْعَلُ بَينَنَا وَبَينَ اللهِ وَسَائِطَ نَدْعُوهُمْ وَنَسْأَلُهُمْ وَنَطْلُبُ مِنْهُمُ الشَّفَاعَةَ ،كَمَا فَعَلَ كُفَّارُ قُرَيشٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى كُفْرَهُمْ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)، فَدُعَاؤُنُا وَصَلاتُنَا وَجَميعُ عِبَادَاتِنَا للهِ رَبِّ العَالمِينَ، وحده لا شريك له، وَبِهَذَا أَمَرَنا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ). اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفضوحين... الخطبة الثانية: اشترط العلماء شرطين أساسيين لتكون العبادة مقبولة: أن تكون نيّة العبد بالعمل والعبادة خالصة لله عز وجل، لا يشوبها شركٌ ولا نفاق ولا رياء، وأن يكون العمل موافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلوصه من البدع ، قال تعالى ( قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا) ، فأعظم ما يفسد العبادة ما يناقض هذين الأصلين السابقين، الشرك بالله يناقض التوحيد، والبدع وهي الأعمال التي على غير نهج المصطفى صلى الله عليه وسلّم تناقض الشرط الثاني المتابعة، ففي الصحيحين، قال صلى الله عليه وسلم (من أحدَث في أمرِنا – أو دينِنا – هذا ما ليس فيه فهو رَدٌّ . وفي لفظٍ: من عمل عملًا ليس عليه أمرِنا فهو رَدٌّ)، فإذا كنتَ منْ أهلِ التوحيد، لا تصرفْ شيئًا منَ العبادةِ لغيرِ اللهِ- جلَّ وعلا-، ولا تسألُ إلا اللهَ، ولا تدعو إلا إياهُ، ولا تتوكلُ إلا على الله، ولا ترجو غير الله، ولا تذبحُ ولا تنذرُ إلا لله، ولا ترجو كشفَ ضرٍّ ولا جلبَ نفعٍ إلا من الله وحدهُ، احذر الأضرحة والذهاب للقبور لطلب المددَ منَ أهلها وسكانها مهما يكونوا أنبياء أو أولياء أو صالحين، أهل القبور بحاجة دعائكم، ولستم بحاجتهم، فالاستغاثة بهم والنذر لهم وطلبهم المدد والعون والغوث، أو التمسح بقبورهم وأحجارهم، أو الطواف بها فهذا كله كفرٌ شركٌ أكبر مخرج من الدين، ولو كان ذلك القبر قبر النبي صلى الله عليه وسلم فما دونه من باب أولى، واعلموا أنَّ اللهَ أكرمكَم بنعمةٍ عظيمةٍ جليلةٍ ومنةٍ كريمةٍ، تتصاغرُ أمامها كلُّ النعمِ، التوحيد والمتابعة وأن جعلكم مسلمين مهتدين، فأحمدوا اللهَ تعالى على ذلكَ وسألوه الثباتَ حتى المماتِ، فإنهُ سبحانهُ نعمَ المولى ونعمَ المصيرِ.