حينما تؤلف النعم في ظل التوحيد

د أحمد بن حمد البوعلي
1447/09/01 - 2026/02/18 13:45PM

حينما تؤلف النعم في ظل التوحيد

خطبة يوم الجمعة: 25 / 4 / 1447 هـ - جامع الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني - حي المزروع - د. أحمد بن حمد البوعلي

الخطبة الأولى

الحمد لله المنعم المتفضل، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأسبغ على عباده نعمه الظاهرة والباطنة، نحمده حمدا يليق بجلاله، ونشكره شكر من عرف أن النعم إنما تدوم بالطاعة والشكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من أعظم البلاء أن يألف العبد النعمة حتى لا يشعر بها، ويعتاد فضل الله عليه حتى يغفل عن قدره، فإذا زالت أو تغيرت تنبه قلبه من غفلته، ورأى أنه كان يعيش بين نعم لا تحصى، فلم يشكرها كما ينبغي.

وهذا مُشاهَد في نعمة عظيمة يعيشها الناس صباحا ومساء، وهي نعمة البيوت والمساكن التي يأوون إليها. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾، فهذه النعمة تتكرر كل يوم حتى ينسى كثير من الناس قدرها، مع أنها من أعظم ما يستريح به الإنسان ويستقر به قلبه.

أيها المؤمنون، إن نعمة البيوت ليست مجرد جدران وسقف، بل هيموطن السكينة التي امتن الله بها على عباده، كما قال سبحانه: ﴿هُوَالَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والسكينة التي يضعها الله فيالقلوب لا تنفصل عن السكينة التي يجعلها في البيوت، فاجتماعالسكن والمودة والهدوء هو معنى كامل لنعمة قد يغفل عنها كثير منالناس.

وقد جاء في القرآن الجمع بين السكن في البيوت وبين السكن فيالقلوب، فقال تعالى في شأن الأزواج: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، فجعل البيتموطنا للجسد، والزواج موطنا للروح، وكلاهما من واسع فضل الله.

ومن دلائل هذه النعمة أن الله ربط بين صلاح البيوت وصلاح الأمم،ففي قصة موسى عليه السلام قال تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواالصَّلَاةَ﴾، فصلاح البيوت أساس لصلاح المجتمع وحصانة له عند الفتنوالخوف، وهذا شاهد على أن البيوت ليست مجرد مكان إقامة، بلحصن للإيمان.

وما أعظم قول السلف حين قالوا: البيوت خزائن الأعمال، فإن امتلأتبالطاعات بارك الله فيها، وإن امتلأت باللهو والمنكرات رفعت عنهاالبركة.

وقد امتن الله على عباده بهذه النعمة منذ القدم، فذكر بيوت الحاضرة وبيوت البادية، فقال جل وعلا: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾، فهي نعمة تشمل الحضر والبادية، الغني والفقير.

وذكّر الله تعالى قوم ثمود بنعمة البيوت المنحوتة في الجبال، فقال: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾، ومع ذلك لم يشكروا فلم تنفعهم قوتها ولا جمالها، فأين قصور ثمود المنحوتة من بيوت هذا العصر، وأين قوتها من الأبراج الشاهقة التي علم الله الإنسان بنائها؟

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستشعر نعمة المسكن في كل ليلة، فإذا أوى إلى فراشه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا...» (1) وهذا يدل على أن نعمة الإيواء ليست أمرا ثانويا، بل هي من أعظم نعم الله.

وكم من الناس اليوم بلا مأوى، مشرّدون في العراء، لا يجدون سقفايحميهم من حر أو برد، وكم من المسلمين تهدمت بيوتهم في الحروبوالزلازل والفيضانات، فذاقوا ألم الفقد، وهم يعلمون اليوم معنى قولهتعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْخَوْفٍ﴾.

أيها المسلمون، إن البيوت الواسعة والصالحة من أسباب السعادة، كماقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سعادة ابن آدم المرأة الصالحةوالمسكن الواسع» (2) فإذا اجتمع للمؤمن سعة المسكن، وأمن المكان،وراحة الأثاث، وإضاءة كافية، ومرافق مكتملة، وماء جار، وهواء باردفي الصيف، ودفء في الشتاء، فهذه كلها نعم عظيمة لو افتقد واحدةمنها لعرف قيمتها.

لقد كان الناس قبل عقود قليلة يبنون بيوتا تسقط بالمطر والريح، وكانتالإضاءة بسرج تؤذي الأبصار، ودورات المياه بعيدة عن البيوت، واليومتعيش الأمة في بيوت مهيأة صالحة مريحة قوية البناء، فيها مكيفاتتقي حر الصيف، ومدافئ تقي برد الشتاء، وأنواع أثاث وأغطية وأوان،وكل ذلك من نعم الله التي تستوجب الشكر. فأين الشكر يا عباد الله؟

إن أقل ما يجب على العبد تجاه هذه النعم أن يحمد الله عليها، وأنيسأل الله دوامها، وأن يستعملها في طاعة الله، لا في المعاصيوالآثام.

وإن من شكر نعمة البيوت أن يذكر العبد حال الذين يعيشون بلاسقف، أو الذين يسكنون في خيام ممزقة، أو في بيوت مهدمة، فليحمدكل واحد منا الله إذا دخل بيته سالما، فإن غيره يدخل على خوف، أو لايجد ما يدخل إليه.

ومن أعظم ما يغفل عنه الناس أن البيوت التي نعيش فيها إنما قامتعلى جهد أجيال، وصار ما نتنعم به اليوم نتاج علم وتكنولوجيا وخبرة،وكل ذلك من توفيق الله، فمن رأى الأبراج الشاهقة والبنى المتينة، علمأن الله هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وأنه لولا تسخير الله مااستطاع الناس بناء شبر منها.

فنحمد الله تعالى على آلائه، ونشكره على نعمه، ونسأله المزيد.

وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهدأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد، فاتقوا الله وأطيعوه، فإن أعظم ما يحفظ النعمة دوام التقوى،قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ﴾.

أيها المسلمون، إن شكر نعمة البيوت لا يكون فقط باللسان، بل بطاعةالله داخلها، ومراعاة آدابها، وحفظ أهلها، وتطهيرها من المنكراتوالمعاصي. فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إن أصغر البيوت بيتلا يقرأ فيه من كتاب الله شيء"(3).

والبيوت ستر لأهلها، ومن فضل الله أن جعلها مأوى وراحة. وكانالسلف يعدون لزوم البيت من أسباب السلامة من الفتن، كما قال أبوالدرداء رضي الله عنه: "نعم صومعة الرجل بيته، إذا حفظه بطاعة الله"(4).

ومن وسع الله عليه ببيوت يسكنها الناس، أو محلات يؤجرها للآخرين،فليتق الله في المستأجرين، فلا يظلمهم ولا يضايقهم، مستحضرا قولالنبي صلى الله عليه وسلم: «من ضار مسلما أضر الله به» (5).

وحث النبي صلى الله عليه وسلم على تفريج الكرب عن الناس، فقال: «من فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (6). وهذا يشمل من ييسر السكن، ويخفف الأجرة، ويحسن التعامل،ويرحم الضعفاء.

كما أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على السماحة في المعاملات،فقال: «رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى» (7). فكيف بمن يسهل على من استأجر منه بيتا يأوي إليه هو وأهله؟

والسكنى بين الناس لا تستقيم إلا برحمة، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَاالْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهمالرحمن» (8).

ويحسن التنبيه على شكر العبد هذه النعمة بأن يحرص على إصلاحأهل بيته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾،فكما يحمي الرجل بيته من الحر والبرد، ينبغي أن يحمي أهله منالفتن والمعاصي.

ومن أعظم أبواب الشكر أن يبتعد العبد عن إدخال أدوات الشر إلىبيته، فإن كثيرا من البيوت اليوم إنما فقدت السكينة بسبب ما أدخلهالناس إليها من شاشات تفسد القلوب، أو برامج تهدم الأخلاق، أو لهويقطع الصلة بالله.

ومن شكر نعمة البيوت أيضا الإحسان إلى الجيران، فإن الجار شريكفي نعمة السكن، وقد أوصى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بالجارحتى قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»(9). فإصلاح العلاقة مع الجيران وصبغها بالاحترام والرحمة جزء منشكر نعمة السكن.

وكذلك من شكر النعمة أن يراعي العبد من يعمل في بيته، من عمالوخدم وصيانة وغيرهم، فلا يظلمهم ولا يستغل حاجتهم، بل يعطيهمحقوقهم ويعاملهم بالرحمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يدهفليطعمه مما يأكل...» (10)

ومن أعظم صور الشكر ألا يبطر الإنسان بنعم الله، وأن يعترف بقولهتعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، فمن نسب النعمة لذكائه أو جهدهأو ماله فقد جحد فضل الله.

نسأل الله تعالى أن يجعل بيوتنا عامرة بذكره، محفوظة بعنايته،مستورة بستره، وأن يجعلها منازل سكينة وبر ورحمة.

نسأل الله تعالى أن يديم علينا نعمه، وأن يلهمنا شكرها، وأن يجعلبيوتنا عامرة بالطاعة، وأن يحفظ المسلمين في كل مكان.

اللهم لك الحمد على نعمك التي لا تعد، وآلائك التي لا تحصى، اللهماجعلنا لك من الشاكرين، ولآلائك من المعظّمين.

اللهم احفظ علينا بيوتنا وسترنا، واجعلها عامرة بذكرك، مطهرة منمعاصيك، نازلة فيها السكينة والطمأنينة.

اللهم من ضاقت به الأرض فافسح عليه، ومن قل رزقه فارزقه، ومن لامأوى له فآوه، ومن تشتت شمله فاجمعه، ومن خاف فأمّنه.

اللهم بارك لنا في أهلينا وأموالنا، وارزقنا شكر نعمك ظاهرا وباطنا،ولا تسلبنا ما رزقتنا بسبب ذنب اقترفناه.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاءوالمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله يذكركم، واشكروهعلى نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش

1- رواه مسلم (2715).

2- رواه أحمد في المسند رقم 23957 وصححه الألباني..

3- أثر ابن مسعود أخرجه الدارمي (3380).

4- رواه أبو داود (3635) وصححه الألباني.

5- رواه الترمذي رقم 1940 وصححه الألباني.

6- رواه مسلم رقم 2699.

7- رواه البخاري رقم 2076.

8- رواه الترمذي رقم 1924 وصححه الألباني.

9- رواه البخاري رقم 6014 ومسلم رقم 2625.

10- رواه البخاري رقم 30 ومسلم رقم 1661

 

المشاهدات 49 | التعليقات 0