حجة الوداع … عبر وعظات
إبراهيم بن سلطان العريفان
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الحَجَّ مَوْسِمًا لِلتَّوْبَةِ وَالتَّزْكِيَةِ، وَمِيدَانًا لِتَجْدِيدِ الإِيمَانِ وَتَطْهِيرِ القُلُوبِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ البَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، حَجَّ فَبَلَّغَ، وَوَعَظَ فَأَوْجَزَ، وَتَرَكَ الأُمَّةَ عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا تَقِفُ عِنْدَهُ القُلُوبُ خُشُوعًا، وَتَرْتَعِدُ لَهُ النُّفُوسُ تَدَبُّرًا، حَجَّةُ النَّبِيِّ ﷺ، تِلْكَ الحَجَّةُ العَظِيمَةُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ مَنَاسِكَ تُؤَدَّى، بَلْ كَانَتْ مَدْرَسَةً رَبَّانِيَّةً، وَوَصِيَّةً خَالِدَةً، وَخُطْبَةَ وَدَاعٍ تَهُزُّ القُلُوبَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، وَقُلُوبُ الصَّحَابَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، يَأْخُذُونَ عَنْهُ المَنَاسِكَ، وَيَسْتَمِعُونَ إِلَى آخِرِ الوَصَايَا، فَقَالَ: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ"، فَكَأَنَّهُ يُعْلِنُ أَنَّ هٰذَا الدِّينَ تَوْقِيفٌ وَاتِّبَاعٌ، لَا أَهْوَاءَ وَلَا ابْتِدَاعَ.
فَمِنْ أَوَّلِ العِبَرِ: أَنَّ النَّجَاةَ فِي اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَأَنَّ السَّعَادَةَ فِي الاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ.
ثُمَّ انْظُرُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- إِلَى مَوْقِفِ عَرَفَةَ، يَوْمَ اجْتَمَعَتِ الأُلُوفُ المُؤَلَّفَةُ، بِلَا فَارِقٍ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَلَا بَيْنَ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، الكُلُّ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، بِثِيَابٍ وَاحِدَةٍ، يَرْفَعُونَ الأَيْدِيَ وَيَذْرِفُونَ الدُّمُوعَ. فَيَا لَهُ مِنْ مَشْهَدٍ يُذَكِّرُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ!!
هُنَاكَ أَعْلَنَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْظَمَ مَبَادِئِ الإِسْلَامِ: حُرْمَةَ الدِّمَاءِ، وَصِيَانَةَ الأَعْرَاضِ، وَحِفْظَ الأَمْوَالِ، فَقَالَ: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ". فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هٰذِهِ الحُرْمَةِ!! أَيْنَ نَحْنُ مِنْ أَلْسِنَةٍ اغْتَابَتْ، وَأَيْدٍ ظَلَمَتْ، وَقُلُوبٍ قَسَتْ!!
عِبَادَ اللَّهِ.. وَفِي حَجَّتِهِ ﷺ أَبْطَلَ أَمْرَ الجَاهِلِيَّةِ، وَوَضَعَ الرِّبَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، لِيُعَلِّمَ الأُمَّةَ أَنَّ الإِسْلَامَ دِينُ عَدْلٍ وَرَحْمَةٍ، لَا ظُلْمَ فِيهِ وَلَا اسْتِغْلَالَ. فَمَا أَحْوَجَنَا اليَوْمَ إِلَى تَطْهِيرِ مُعَامَلَاتِنَا، وَتَنْقِيَةِ أَرْزَاقِنَا، وَتَرْكِ كُلِّ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الوَصَايَا فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: الوَصِيَّةُ بِالنِّسَاءِ، حِينَ قَالَ: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا" فَيَا مَنْ ظَلَمْتَ زَوْجَةً، أَوْ قَسَوْتَ عَلَى ابْنَةٍ، أَوْ أَهْمَلْتَ أُمًّا، تَذَكَّرْ وَصِيَّةَ نَبِيِّكَ ﷺ، فَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ كَانَ خَيْرًا لِأَهْلِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ.. وَمِنْ أَبْلَغِ المَوَاعِظِ فِي حَجَّتِهِ أَنَّهُ قَالَ: "تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ" نَعَمْ، القُرْآنُ هُوَ النُّورُ، وَهُوَ النَّجَاةُ، وَهُوَ سَفِينَةُ الخَلَاصِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ. فَكَمْ مِنْ بَيْتٍ هَجَرَ القُرْآنَ فَحَلَّتْ فِيهِ الوَحْشَةُ!! وَكَمْ مِنْ قَلْبٍ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَضَاقَ وَشَقِيَ!!
ثُمَّ تَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- قَوْلَهُ فِي خِتَامِ البَلَاغِ: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟" فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: "اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ" يَا لَهَا مِنْ لَحْظَةٍ مُؤَثِّرَةٍ!
رَسُولٌ أَدَّى الأَمَانَةَ، وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، فَمَاذَا عَنْ أَمَانَاتِنَا؟ وَمَاذَا عَنْ تَقْصِيرِنَا؟ وَمَاذَا سَنَقُولُ إِذَا سُئِلْنَا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ؟
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ.. حَجَّةُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَتْ ذِكْرَى تُرْوَى فَقَطْ، بَلْ هِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ: تَوْحِيدٌ خَالِصٌ، وَاتِّبَاعٌ صَادِقٌ، وَعَدْلٌ شَامِلٌ، وَرَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ، وَاسْتِعْدَادٌ لِلِقَاءِ اللَّهِ.
فَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا، وَتَمَسَّكُوا بِسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ، وَاجْعَلُوا مِنْ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِرْآةً تُرَاجِعُونَ فِيهَا أَنْفُسَكُمْ.
اللَّهُمَّ أَحْيِنَا عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّكَ، وَأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِهِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ، وَاسْقِنَا مِنْ حَوْضِهِ شَرْبَةً لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قُلُوبَنَا، وَاغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَارْزُقْنَا حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُنْجِي قَائِلَهَا يَوْمَ اللِّقَاءِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهَدْيِهِ وَاسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ العِظَاتِ مِنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ رِحْلَةَ وَدَاعٍ لِلدُّنْيَا، وَتَعْلِيمٍ لِلأُمَّةِ أَنَّ الأَعْمَارَ مَحْدُودَةٌ، وَأَنَّ اللِّقَاءَ بِاللَّهِ قَرِيبٌ.
فَقَدْ وَقَفَ ﷺ فِي ذَلِكَ المَشْهَدِ المَهِيبِ، وَقُلُوبُ الصَّحَابَةِ تَخْفِقُ، وَالدُّمُوعُ تَتَرَقْرَقُ، وَكَأَنَّهُ يُوَدِّعُهُمْ، فَقَالَ: "لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هٰذَا" فَارْتَجَّتِ القُلُوبُ، وَعَلِمُوا أَنَّ السَّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ لِفِرَاقِ أَحَبِّ الخَلْقِ ﷺ.
فَيَا مَنْ طَالَ أَمَلُهُ فِي الدُّنْيَا، أَيْنَ مَنْ كَانُوا قَبْلَنَا!! أَيْنَ المُلُوكُ وَالأَغْنِيَاءُ وَالأَقْوِيَاءُ!! حَمَلَتْهُمُ الجَنَائِزُ، وَوَارَاهُمُ التُّرَابُ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا العَمَلُ. فَالسَّعِيدُ مَنْ أَخَذَ مِنْ صِحَّتِهِ لِمَرَضِهِ، وَمِنْ حَيَاتِهِ لِمَوْتِهِ، وَمِنْ فَرَاغِهِ لِقَبْرِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ.. إِنَّ مِنْ دُرُوسِ حَجَّةِ الوَدَاعِ أَنَّ الأُمَّةَ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ رِبَاطَهَا التَّقْوَى لَا اللَّوْنُ وَلَا النَّسَبُ وَلَا اللُّغَةُ، فَقَدْ ﷺ "لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِأَعْجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، إِلَّا بِالتَّقْوَى" فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي وَحْدَةِ صُفُوفِكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّفَرُّقَ وَالتَّبَاغُضَ وَالتَّحَاسُدَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُفَرِّقُ، وَالرَّحْمٰنَ يَجْمَعُ.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمًا ]إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ...
المرفقات
1777590839_حجة الوداع ... عبر وعظات.pdf
1777590848_حجة الوداع ... عبر وعظات.docx