جوائزُ الجمعةِ ( تعميم وزاري)

راشد بن عبد الرحمن البداح
1446/08/06 - 2025/02/05 06:39AM

الْحَمْدُ للهِ {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ في ربوبيتِهِ وألوهيتِهِ وأسمائِهِ وصفاتِهِ. وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ فصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا، أمَّا بَعْدُ:

(فسبحانَ مَن بَهَرَتْ حِكمتُهُ العقولَ في شَرْعهِ وخَلْقِهِ! ومِن أمثلةِ حكمتهِأنه سبحانَهُ أجرَى ‌بتغيُّرِ ‌حالِ العبدِ في كلِّ سبعةِ أيامٍ.. ولذلك شَرعَ لعبادهِ كلَّ سبعةِ أيامٍ يومًا يَرغبونَ فيهِ إليهِ، ويَتضرَّعون إليهِ ويَدعونه؛ ليكونَ مِنْ أَعْظَمِ أسبابِ صلاحِهم في معاشِهم ومَعَادِهِم)().

(وكانَ مِن هديهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تعظيمُ يومِ الجمعةِ، وتخصيصُهُ بعباداتٍ عن غيرهِ. حتى لقد اختلفَ الفقهاءُ: هل هوَ أفضلُأم يومُ عرفةَ؟ فيومُ الجمعةِ في الأيامِ كشهرِ رمضانَ في الشهورِ، وساعةُالإجابةِ فيه كليلةِ القدرِ في رمضانَ. ولهذا مَن صحَّ له يومُ جُمعتهِ وسلِمَ سلِمَتْ له سائرُ جُمعتهِ. ومن صحَّ له رمضانُ وسَلِمَ صحَّتْ له سائرُ سَنَتهِ.. فيومُ الجمعةِ ميزانُ الأسبوعِ، ورمضانُ ميزانُ العامِ)().

فيا معشرَ المُهجِّرِينَ: ما نَصيبُنا من جوائزِ الجمعةِ؟ وأيُ القرابينِالخمسةِ قدَّمنا، مما قالَ فيها النبيُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعةِ الثَّانيةِ فكأنَّما قَرَّبَ بَقَرَةً، ومَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فكأنَّما قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، ومَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأنَّمَا قرَّبَ دَجاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعةِ الخامِسَةِ فكأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً، فإذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ وَجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ. متفقٌ عليهِ. وابتداءُ حسابِ الساعاتِ يبدأُ من طلوعِ الشمسِ().

قالَ العلماءُ: لما كانَ يومُ الجمعةِ كالعيدِ، وكانَ العيدُ مشتملاً على صلاةٍ وصدقةٍ وقُربانٍ، وكانَ يومُ الجمعةِ يومَ صلاةٍ لا ذبحَ فيه؛ جعلَ اللهُ-سبحانَهُ- التبكيرَ فيه بدلاً من القُربانِ.

وانظرُوا -رحِمَكمُ اللهُ- إلى الفرقِ العظيمِ بين أجرِ مَن يَتصدقُ بناقةٍ،وأجرِ مَن يتصدقُ ببيضةٍ. أما مَن جاءَ بعدَ دخولِ الخطيبِ فلا يستحقُ ولا حتى بيضةً؛ لأن الملائكةَ تَطوِي صُحُفَها وتجلسُ تستمعُ للخطبةِ.

بل خُذ حديثاً أجورُهُ بالملياراتِ، وقد صححهُ ستةَ عشرَ من علماءِالحديثِ. إنه لَلَّذي قَالَ فيهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ غَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ، فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ؛ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ: أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا. رواهُ أبو داودَ().

قالَ العلماءُ: (لَا نَعْلَمُ حَدِيثًا كَثِيرَ الثَّوَابِ مَعَ قِلَّةِ الْعَمَلِ أَصَحَّ مِنْ هذا الحَدِيثِ)(). فهيَ خمسةُ أعمالٍ تقومُ بها صباحَ الجمعةِ؛ لتنالَ هذه الجائزةَ الكبرَى: الاغتسالُ والتبكيرُ والمشيُ والدنوُ والاستماعُ.

فيا أخي المسلمُ: فرِّغْ نفسَك يومَ الجمعةِ ونَم مُبكرًا ليلتَها؛ لتحضرَمبكِّرًا متجمِّلاً متطيباً؛ فتصليَ وتتلوَ من كتابِ اللهِ وتستمعَ الذكرَ، لتكونَ من المسابقينَ للخيراتِ، ويصيرَ تبكيرُك للجمعةِ عادةً دائمةً لا تكادُ تتركُها، و(الخَيرُ عادةٌ، ومَنْ يَتَحَرَّ الخَيرَ يُعْطَهُ).

الحمدُ للهِ الذي هَدانا، والصلاةُ والسلامُ على مَن للهُدَى دَعانا، أما بعدُ:

فما أجازَ العلماءُ التخلفَ عن الجمعةِ إلا في أضيقِ الأعذارِ، وضربُوا لذلك أمثلةً اضطراريةً عجيبةً، منها: (الرجلُ يكونُ مع أخيهِالمريضِ، فلا يَدَعُ الجمعةَ إلا أن يكونَ في مرضِ الموتِ.. بل سئل الإمامُ مالكٌ عن رجلٍ بَلَغَهُ موتُ بعضِ أهلهِ؛ أيخرجُ لجنازتهِ، ويَدَعُالجمعة؟ قال: لا، بل يؤثِرُ الجمعةَ)().

فأينَ أولئكَ المفوِّتونَ للجمعةِ بمجردِ نزهةٍ، أو سهرةٍ، أو المكرِّرينَالسفرَ صباحَها، من دونِ ضرورةٍ داعيةٍ، وأسوأُ منهم حالاً من اعتادُوا الدخولَ للجامعِ والخطيبُ يَخطبُ، بل وهو يصلي الجمعةَ.

وأما التاركونَ للجمعةِ تلو الجمعةِ، فقد توعَّدَهم النبيُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بوعيدٍ شديدٍ، فقالَ: لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وقالَ بلهجةٍ مخيفةٍ -وهو الذي بالمؤمنينَ رؤوفٌ رحيمٌ-: مَنْ تَرَكَ ثَلاَثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيْحٍ().

(وهو وعيدٌ شديدٌ؛ لأن مَن طُبعَ على قلبهِ، وخُتِمَ عليهِ؛ لم يَعرِفْمعروفاً، ولم يُنكِرْ منكرَاً)(). قالَ العلماءُ: (ثَلَاثَ جُمَع) سَوَاءٌ تَوَالَتِالْجُمُعَاتُ أَوْ تَفَرَّقَتْ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ فِي كُلّ سَنَةٍ جُمُعَةً لَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبهِبَعْدَ الثَّالِثَةِ().

قالَ ابنُ تيميةَ: إِذَا كَانَ طَبَعَ عَلَى قَلْبِ مَنْ تَرَكَ الْجُمَعَ وَإِنْ صَلَّى الظُّهْرَ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يُصَلِّي ظُهْرًا وَلَا جُمُعَةً().

فاللهم اهدِنا وشبابَنا للمحافظةِ على الجُمَعِ والجماعاتِ، واجعلنا وأهلِينا منَ المقيمينَ للصلاةِ.

(اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ عَلَى هَوىً أو عَلَى رَأْيٍ، ‌وهو ‌يَظُنُّ أَنَّه عَلَى الحَقِّ ..فَرُدَّهُ إلى الحَقِّ، حَتَّى لا يُضَلَّ به مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ أحدٌ. اللَّهُمَّ لا تُشْغِلْ قُلُوبَنَا بِمَا تَكَفَّلْتَ لَنَا بِهِ.. ولَا تَمْنَعْنَا خَيْرَ مَا عِنْدَكَ بِشَرِّ مَا عِنْدَنَا، ولَا تَرَنَا حَيْثُ نَهَيْتَنَا، ولا تَفْقِدْنَا مِنْ حَيْثُ أَمَرْتَنَا.. أَعِزَّنَا بالطَّاعَةِ، ولا تُذِلَّنَا بالمَعَاصِيْ)().

اللهم أمْنًا لبلادِنا، وحِفظاً لجنودِنا، وعِزاً لدينِنا، واستقامةً لنفوسِنا.

اللهم ارحمْنا ووالدِينا، وأحْيِنا حياةً تُكسِبُ عملاً صالحًا يُرضِيكَ عنا. وبلِغْنا رمضانَ، ونحن بأمنٍ وإيمانٍ.

تحدُّثاً بنعمة الله: مراجع هذه الخطبة تفوقُالثلاثين والحمد لله
اللهم أصلحْ أئمتَنا وولاةَ أمورنِا، وافرُجْ لهم في المضائقِ، واكشِفْ لهم وجوهَ الحقائقِ. اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ.

المرفقات

1738726783_‎⁨جوائز الجمعة⁩.docx

1738726784_‎⁨جوائز الجمعة⁩.pdf

المشاهدات 786 | التعليقات 0