جمرة الأموال المكنوزة

الشيخ محمد الوجيه
1447/09/06 - 2026/02/23 10:08AM

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي جعل الزمان دولاً، وجعل الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، الحمد لله الذي ساق إلينا سحائب الرحمة بقدوم شهر الصيام، وفتح لنا أبواب الجنان وأوصد دوننا أبواب النيران، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الصوم جُنّة، والصدقة برهاناً، والإتقان عبادة.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كان في الجود غيثاً هطالاً، وفي العبادة جبلاً شامخاً، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، وصحبه الأبرار، ما تعاقب ليل ونهار.

أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]،
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أما بعد..عباد الله: تأملوا كيف تدور رحى الأيام، وتطوى صحائف الأعوام، حتى أشرقت علينا شمسُ شهرٍ ليس كشهوركم، وفاح في الآفاق أريجُ زمانٍ ليس كأزمانكم. إنه رمضان؛ الميقات الذي تشرئب إليه أعناق الموحدين، وتكتحل بجماله عيون العابدين.

اسمعوا لنداء المصطفى ﷺ وهو يزف البشرى لمسامعكم: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». يا لها من لحظةٍ كونية مهيبة! السماء تتزين، والعرش ينادي، والجنان تفتح أذرعها للقادمين من تيه الذنوب.

فوا عجباً لمن يرى أبواب الجنة مشرعة ثم يولّي مدبراً! ووا عجباً لمن يرى أصفاد الشياطين محكمة ثم ينساق خلف هوى نفسه الأمارة!

إنها دعوة للتوبة الصادقة، ليس توبة اللسان فحسب، بل توبة الأرواح التي سئمت البعد، وعطشت للقرب.

فأقبلوا على الله بقلوبٍ مخبتة، وامسحوا عن مرآة نفوسكم غبار الغفلة؛ فما وُضعت السلاسل على الشياطين إلا لتتحرر إرادتكم، وتطلقوا سراح أرواحكم في فضاءات الطاعة.


وإذا ما تأملتم هدي نبيكم ﷺ في هذا الشهر، وجدتموه مدرسةً في الجود لا تعرف الحدود. يروي لنا حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما مشهداً نبوياً تقشعر له الأبدان إجلالاً: «كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أَجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضانَ حِينَ يَلْقاهُ جِبْرِيلُ.. فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ».
تأملوا هذا التشبيه البليغ؛ "كالريح المرسلة"! لا تستثني مكاناً، ولا تفرق بين وادٍ وجبل، بل تعمُّ بالخير والسكينة كل من تمر به.

هكذا كان عطاؤه ﷺ، وهكذا ينبغي أن يكون شأنكم. رمضان ليس وقتاً للاكتناز، بل هو وقت لفيضان المشاعر والجيوب.

إن في بذل المال للمحتاجين برداً وسلاماً على القلوب المحترقة بمرارة العوز، وفي تفريج الكروب نجاةً لكم في يومٍ تُبلى فيه السرائر.

فكونوا كالسحب التي لا تمطر إلا خيراً، وابحثوا عن الأجر في كفِّ مسكينٍ أو سدِّ حاجةِ مكروب.

ولكن، قفوا وقفة تأمل وفقه؛ فليس كل من مدّ يده يستحق عناء صدقتكم، وليس كل من رفع صوته بالمسألة هو الأولى ببركم. إن الإسلام يعلمنا الفراسة والكرامة. حذروا أنفسكم من الاندفاع العاطفي خلف ممتهني التسول الذين اتخذوا الشكوى تجارة والدموع بضاعة، بل يمّموا وجوهكم شطر البيوت الصامتة، التي تئن خلف أبوابها الموصدة بصمتٍ مهيب.

تلك هي الفئة التي استثناها القرآن بالثناء: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.

فتشوا عن القريب الذي ضاقت به السبل وهو صابر، وعن الجار الذي يطوي جوعه حياءً وكرماً. فالله قد أوجب لهم حقاً في أموالكم، فقال سبحانه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾.

وتذكروا قول نبيكم ﷺ الذي يفصل في مراتب الأجر: «الصَّدقةُ على المسْكينِ صدقةٌ، وعلى ذي القرابةِ اثنتان: صدقةٌ وصلةٌ». فاجعلوا صدقاتكم حبالاً تصلون بها الأرحام، وتضمدون بها جراح الأقربين، فحقهم آكد وأجرهم أعظم.

عباد الله، إن رمضان جاء ليقلل من ثقل الطين في نفوسنا، لا ليزيد في تخمة أجسادنا. إن من المحزن والمؤلم أن تتحول ليالي الصيام إلى معارض للتباهي والمفاخرة بموائد الإفطار، وتتكاثر الأصناف فوق ما تطيق البطون، حتى ينتهي مآل هذا الرزق الكريم إلى حاويات النفايات.

أين نحن من قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾؟ إن الإسراف يذهب ببركة العمل، ويميت القلب، ويجعل المرء ينسى حكمة الصيام التي هي الشعور بالجوع والانكسار.

فليكن فطوركم كفافاً، وسحوركم عفافاً، واعلموا أن المباهاة بالطعام في موائد الإفطار هي خرقٌ لهدي المصطفى ﷺ، وبعدٌ عن روح التواضع والعبودية.


وأخيراً، اعلموا يا رعاكم الله أن الصيام لم يكن يوماً دعوةً للسبات، ولا ذريعةً للتقصير. لا تجعلوا جوعكم عذراً للضجر في وجوه المراجعين، ولا ظمأكم مبرراً للإهمال في قاعات الدرس أو مكاتب الوظيفة. إن المسلم في رمضان هو كتلة من النشاط المتوقد، والهمة العالية.

فالعمل عبادة، والإتقان فيه قربة. تذكروا قول نبيكم ﷺ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذا عَمِلَ أَحَدُكم عَمَلاً أن يُتقِنَه». إن الطالب في درسه، والموظف في مكتبه، والصانع في ورشته، كلهم في محاريب عبادة ما داموا يبتغون وجه الله ويؤدون الأمانة.

فلا تقتلوا جمال صيامكم بمرارة كسلكم، بل كونوا خير نموذج للمسلم الذي يجمع بين صيام النهار، وقيام الليل، وإتقان العمل في ساعات النهار.

اللهم اجعلنا ممن صام الشهر، واستكمل الأجر، وأدرك ليلة القدر. اللهم طهر قلوبنا، وبارك أرزاقنا، واجعلنا من عتقائك من النار.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
​فيا عباد الله، إنَّ الصيام طهارةٌ للروح، وإنَّ الزكاة طهارةٌ للمال، ولا يكتملُ بنيانُ الإسلام في قلبِ عبدٍ حتى يسلمَ مالهُ لله كما أسلمَ بدنهُ للجوع والظمأ.

وقفوا معي وقفة المتأمل في وعيدٍ زلزل القلوب، ونذيرٍ شيب الرؤوس؛ فما بالُ أقوامٍ ظنوا أنَّ جمع الحطامِ فلاح، وأنَّ حبس الحقوقِ نجاح؟

واعلموا عباد الله، أنَّ من أعظم المهالك التي تقصم ظهر العبد، وتأتي على بنيان ماله من القواعد، أن يظنَّ الظانُّ أنَّ الزكاة مَغرمٌ أو نقصٌ في ماله، بل هي "طُهرة" بنص القرآن، فمن حبسها فقد حبس في ماله "خبثاً" لا يُبقيه ولا يذره.

إنَّ حبس الزكاة إيذانٌ بحربٍ من الله على البركة؛ فوالله ما خالطت الزكاةُ مالاً إلا أهلكته، ولا مُنعت في قومٍ إلا مُع السحابُ قطرَه.

​تأملوا -يا رعاكم الله- في مشهدٍ تقشعر منه الجلود، صوره لنا الوحي الصادق، لمالٍ كُنِز وحُبس عن مستحقيه، فيتحول ذلك الذهب والفضة والمدخرات في العرصات إلى صفائح من نار، يُحمى عليها في نار جهنم، فتُكوى بها الجباه والجنوب والظهور، ويقال للظالم نفسه: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.

​يا خيبة المسوفين! ويا حسرة المانعين! كيف يبيع المرء جنة عرضها السماوات والأرض، ويُعرض نفسه لنهش "الشجاع الأقرع" الذي يطوق عنقه يوم القيامة قائلاً: "أنا مالك، أنا كنزك"، كل ذلك من أجل حفنة من حطام الدنيا زائلة؟ طهروا أموالكم قبل أن تكون وبالاً عليكم، وأخرجوها طيبة بها نفوسكم، فما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً ببذلٍ إلا عزاً ونماءً.

اللهم تقبل منا الصيام والقيام، وبلغنا ليلة القدر واكتبنا فيها من العتقاء من النار. اللهم بارك لنا في أرزاقنا وأعنا على شكر نعمتك، واجعلنا من المنفقين المخلصين والمتعففين الصابرين.

اللهم وفقنا لإتقان العمل، واصلح لنا النية والذرية، واختم لنا بشهر رمضان برضوانك والفوز بجنانك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المرفقات

1771830409_DOC-20260223-WA0044..pdf

1771830479_DOC-20260223-WA0044..pdf

1771830485_برد الطاعة^^.وجمرة الأموال المكنوزة.docx

المشاهدات 172 | التعليقات 0