تأكد من إغلاق نوافذِ نفسك
د. سلطان بن حباب الجعيد
تأكد من إغلاق نوافذ نفسك
الحمد للهِ الواحدِ القهارِ، مكوِّرِ الليل على النهار، يخلقُ ما يشاءُ ويختارُ، وكلُّ شيءٍ عندَهُ بمقدارٍ.
والصلاةُ والسلامُ على النبيِّ المختارِ، محمدِ بنِ عبدِ اللهِ، الذي مايزَ بينَ طريقِ الأخيارِ والأشرارِ.
صلاةً وسلامًا دائمينِ ما دامَ الزمانُ واستدارَ.
أيها الناسُ، اتقوا اللهَ، فبتقوى اللهِ، تطيبُ الحياةُ، ويسعدُ الإنسانُ.
وبعد:
تقلباتُ الحياةِ من حولِنا لا تتوقفُ، سياسيةً كانتْ، أو اجتماعيةً، أو اقتصاديةً، أو صحيةً.
والذي ينتظرُ توقفَها هو مثلُ مَن ينتظرُ توقفَ حالةِ الطقسِ والمناخِ.
وهي سنّةٌ حياتيةٌ ماضيةٌ أرادَها اللهُ، وقالَ عنها: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: 19].
أي: حالًا بعد حالٍ.
ومن أجمعِ العباراتِ في تفسيرِها، ما قاله الحسنُ البصريُّ -رحمه الله-: “يعني حالًا بعد حالٍ، رخاءً بعد شدةٍ، وشدةً بعد رخاءٍ، وغنًى بعد فقرٍ، وفقرًا بعد غنًى، وصحةً بعد سقمٍ، وسقمًا بعد صحةٍ”.
ومن أعظمِ مسبِّباتِ الحزنِ في هذه الدنيا، المُبعِدةِ عن الراحةِ والطمأنينةِ، والجالبةِ للقلقِ والخوفِ؛ هي أن نربطَ سعادتَنا بهذه الأحوالِ المتقلِّبةِ.
فإذا مرضَ أحدُنا، حزنَ لفواتِ الصحةِ.
وإذا افتقرَ، حزنَ لفواتِ الغنَى.
وإذا اغتنَى، خافَ فواتَ هذه النعمةِ.
وهكذا دواليكَ، هو بينَ نعمةٍ يحزنُ لفقدِها وعدمِ امتلاكِها، وبينَ نعمةٍ يمتلكُها، ويخافُ أن يُسلَبَ إياها.
وهذا يعني أنَّنا حكمنا على أنفسِنا بالشقاءِ، لأن تقلباتِ الحياةِ لا تتوقفُ كما أسلفنا، وهي سنّةٌ ماضيةٌ.
ونحن أضعفُ من أن نقفَ أمامَ سنّةٍ من سننِ الكونِ، أو أن نستطيعَ إيقافَ هذا التقلُّبِ المستمرِّ.
لكن ما نحنُ قادرونَ عليهِ هو عدمُ السماحِ لهذه التقلباتِ أن تلجَ لداخلِنا.
فبإمكانِنا كما نغلقُ نوافذَ بيوتِنا في وجهِ تقلباتِ الطقسِ، فلا نسمعُ حينها إلا صريرَ الريحِ في الخارجِ دون أن تضرَّنا، أن نفعلَ ذلكَ في وجهِ هذه التقلباتِ ونحكِمَ إغلاقَ نوافذِ نفوسِنا.
فعندما نطمعُ، وعندما نسيءُ الظنَّ باللهِ، وعندما نحزنُ ونفرحُ من أجلِ الدنيا، وعندما نعجزُ عن فعلِ ما يمكنُ فعلُه؛ فمعنى هذا أنَّ هناكَ نوافذَ مفتوحةً، وستصبحُ نفوسُنا من الداخلِ جزءًا من هذه التقلباتِ والتغيراتِ التي لا تنتهي ولا تتوقفُ.
فنكونَ كمن أشرعَ نوافذَ بيتِه وأبوابَه، للريحِ تُقلِّبُ متاعَه وأثاثَه، وللشمسِ تحرِقُه، وللمطرِ يُغرِقُه.
فلنغلقْ نافذةَ الطمعِ بالقناعةِ والزهدِ: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، حينها ستصغُرُ الدنيا، ويصغُرُ معها كلُّ بهرجِها وزينتِها، والصغيرُ لا حسرةَ على فقدِه، وإقبالِه وإدبارِه.
ولنغلقْ نافذةَ سوءِ الظنِّ بحسنِ التوكُّلِ على اللهِ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾، حينها ستقوَى نفوسُنا، وتزدادُ ثقتُنا واطمئنانُنا على ما نستقبلُ من أقدارِنا، لأنَّ الذي وعدَ بكلِّ جميلٍ، هو اللهُ الذي بيدِهِ كلُّ شيءٍ، والذي وعدَ بالمخاوفِ، هو الشيطانُ، الذي لا يملكُ لنفسِه حولًا ولا قوةً.
ولنغلقْ نافذةَ العجزِ بالقوةِ والأخذِ بالأسبابِ: “احرصْ على ما ينفعُك ولا تعجزْ”، حينها سنجتهدُ، في فعلِ كلِّ ما يجلبُ لنا خيرًا ويدفعُ عنَّا شرًّا، دونَ تعلُّقٍ بالأسبابِ والنتائجِ.
ولنغلقْ نافذةَ الحزنِ بالصبرِ وجميلِ التأسي: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، حينها سنرضى في كلِّ أحوالِنا، إذا علمنا أنَّها بتقديرِ اللهِ، ولا مناصَ عنها.
عندها ستتغيَّر الأحوالُ وتتبدَّلُ بمفردِها، دونَ أن نتبدَّلَ نحنُ ونتغيَّرَ، وسننعَمُ بالهدوءِ والطمأنينةِ من داخلِنا، بينما العالمُ من حولِنا يموجُ ويضطربُ.
نعم، أيها الأحبّة، نحن لا نستطيعُ تغييرَ مجرياتِ الحياةِ، بأن نجعلَها تتوقفُ عندَ الحالةِ التي نرغبُها، ولا نريدُ عنها حَوَلًا.
لكن نستطيعُ أن نغيّرَ من أنفسِنا، ونلزِمَها حالةً واحدةً؛ تتغيّرُ الأحوالُ من حولِنا، ونحن لا نتغيّرُ.
نحن كما نحن، في حالِ الفقرِ والغِنَى، والصحةِ والمرضِ، والأمنِ والخوفِ، قلوبٌ على حالةٍ واحدةٍ، امتلأتْ بحُسنِ الظنِّ باللهِ، والرِّضَى عنه، وتفويضِ الأمورِ إليه. فأنَّى لها -وهذا حالُها- أن تكونَ كالريشةِ التي تُقلِّبُها المخاوفُ والمطامعُ؟!
قال صلى الله عليه وسلم، كما في الحديثِ الصحيحِ:
“عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أَصَابَتْهُضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا له.”
إنها لجنايةٌ عظيمةٌ على سعادتِنا وطمأنينتِنا، أن تكونَ مرتبطةً بمؤشِّراتِ الاقتصادِ وأحوالِه، وزيادةِ الأسعارِ والرواتبِ والأرصدةِ وانخفاضِها، ونتائجِ فحوصِ المختبراتِ، وأخبارِ الأمراضِ والأوبئةِ، والحروبِ والدمارِ.
فلنُحكِمْ إغلاقَ قلوبِنا، ونُحصِّنْها بالإيمانِ باللهِ، والتوكُّلِ عليه، والرِّضَى عنه.
فبهذا سترتطِمُ هذه التقلباتُ بقلوبٍ محكمةِ التحصينِ، يرى أصحابُها التغيراتِ والتقلباتِ في أحوالِ الحياةِ والمعيشةِ بأعينِهم، ويسمعونَها بآذانِهم، ونفوسُهم وقلوبُهم المطمئنّةُ في منأًى عن كلِّ هذا، تنعمُ بالهدوءِ والطمأنينةِ، وكأنها ليستْ جزءًا من هذه الحياةِ، أو كأنها جزيرةٌ في عرضِ البحرِ.
قال ابنُ الجوزي -رحمه الله- في صيدِ الخاطرِ:
“اعلمْ أنَّ الزمانَ لا يثبتُ على حالٍ، كما قالَ عزَّ وجلَّ: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]
فتارةً فقرٌ، وتارةً غِنى، وتارةً عزٌّ، وتارةً ذُلٌّ، وتارةً يفرحُ الموالِي، وتارةً يشمتُ الأعادي؛ فالسعيدُ مَن لازمَ أصلًا واحدًا على كلِّ حالٍ، وهو تقوى اللهِ عزَّ وجلَّ، فلازمْ التقوى في كلِّ حالٍ، فإنك لا ترى في الضيقِ إلَّا السعةَ، وفي المرضِ إلَّا العافيةَ".
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.
الخطبة الثانية:
وبعدُ، أيها الكرامُ:
الناظرُ في سيرةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يرى مثالًا حيًّا لما ذكرنا.
مرّتْ عليه كلُّ الأحوالِ، من فقرٍ وغنًى، وهزيمةٍ وانتصارٍ، وضعفٍ وقوّةٍ، وصحةٍ ومرضٍ، وإعراضِ الناسِ عنه وإقبالِهم عليه، وفقدِ الأحبّةِ وموتِهم، وهجرِ الأوطانِ والديارِ.
وهو في كلِّ هذه الأحوالِ، ساكنُ الجَنانِ، مطمئنُّ القلبِ، مشرقُ الوجهِ، كثيرُ التبسُّمِ.
ولذلك وصفه مَن وصفه من العربِ بأنّه: “يَغلبُ فلا يَبطرُ، ويُغلبُ فلا يضجرُ.”
وعلى نهجِهِ أصحابهُ رضي اللهُ عنهم، تتبدّلُ الأحوالُ ولا يتبدَّلونَ.
قال زهيرٌ في وصفِهم مادحًا لهم:
لا يفرحونَ إذا نالتْ سيوفُهمُ
قومًا، وليسوا مجازيعا إذا نِيلوا
وأخيرًا، يقولُ أحدُ خرِّيجي المدرسةِ المحمديةِ، عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللهُ عنه:
“الفقرُ والغِنى مطبتانِ لا أبالي أيُّهما ركبتُ.”
ويقولُ ابنُ مسعودٍ رضي اللهُ عنه مثلَ قولِهِ، ويزيدُ عليه:
“إنْ كان الفقرُ فإنّ فيه الصبرَ، وإنْ كان الغِنَى فإنّ فيه البذلَ.”
اللهم ارزقنا طمأنينةَ القلبِ..
وسكونَ النفسِ، وراحةَ البالِ..
ونسألُكَ ألَّا تجعلَ الدنيا أكبرَ همِّنا، ولا مبلغَ علمِنا، ولا إلى النارِ مصيرَنا..
المشاهدات 1245 | التعليقات 3
اللهم آمين وإياك يا شيخ منصور.. أعاننا الله وإياكم على العمل على أكمل وجه
اللهم آمين وإياك يا شيخ منصور.. أعاننا الله وإياكم على العمل على أكمل وجه
منصور بن هادي
عضو نشطنفع الله بك يا دكتور وبارك فيك وفتح الله عليك
خطبة جمية ما شاء الله تبارك الرحمن
لكن نطلب .. أن تتوصى بتشكيل أكثر الأحرف
وأن كان جميعها فمطلب واسهل واكمل
موفق ومسدد ومعان
تعديل التعليق