باليقين نطمئن
يوسف العوض
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ العَالَمِينَ، نَحْمَدُهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللّٰهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللّٰهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ .
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَمْلِكُهُ العَبْدُ فِي هٰذِهِ الحَيَاةِ قَلْبًا مُوقِنًا بِاللّٰهِ، فَاليَقِينُ هُوَ حَيَاةُ القُلُوبِ، وَبِهِ يَثْبُتُ الإِيمَانُ، وَتَسْكُنُ النُّفُوسُ، وَتَزُولُ الحَيْرَةُ وَالاضْطِرَابُ.
وَاليَقِينُ فِي الشَّرْعِ: هُوَ عِلْمٌ جَازِمٌ لَا يَخَالِطُهُ شَكٌّ، وَثِقَةٌ كَامِلَةٌ بِاللّٰهِ وَبِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، كَأَنَّ العَبْدَ يَرَى الغَيْبَ عَيْنًا، وَلِذٰلِكَ جَعَلَهُ اللّٰهُ مِنْ أَوْصَافِ المُتَّقِينَ، فَقَالَ تَعَالَى:
﴿ذٰلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: وَلِلْيَقِينِ مَنَازِلُ وَدَرَجَاتٌ، ذَكَرَهَا أَهْلُ العِلْمِ، فَأَوَّلُهَا: عِلْمُ اليَقِينِ، وَهُوَ أَنْ تَعْلَمَ الحَقَّ بِالدَّلِيلِ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، كَعِلْمِنَا أَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ ، ثُمَّ عَيْنُ اليَقِينِ، وَهُوَ أَنْ يَبْلُغَ الإِيمَانُ مَبْلَغَ المُشَاهَدَةِ القَلْبِيَّةِ، فَيَكُونَ الغَيْبُ حَاضِرًا فِي القَلْبِ ، ثُمَّ حَقُّ اليَقِينِ، وَهُوَ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، أَنْ يَعِيشَ العَبْدُ مَعَ هٰذَا اليَقِينِ عَمَلًا وَسُلُوكًا.
وَمِنْ أَجْمَلِ نَمَاذِجِ اليَقِينِ فِي القُرْآنِ: نَبِيُّ اللّٰهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي المَوْتَى، فَقَالَ اللّٰهُ:
﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، فَزَادَهُ اللّٰهُ يَقِينًا عَلَى يَقِينِهِ.
وَتَأَمَّلُوا – رَحِمَكُمُ اللّٰهُ – يَقِينَ أُمِّ مُوسَى عَلَيْهَا السَّلَامُ، أُمٌّ ضَعِيفَةٌ، فِي وَقْتِ خَوْفٍ وَقَتْلٍ، يُؤْمَرُ قَلْبُهَا أَنْ يُلْقِيَ وَلَدَهَا فِي اليَمِّ، فَلَا تَجِدُ مَلْجَأً إِلَّا اليَقِينُ بِوَعْدِ اللّٰهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ -إلى قوله تعالى - إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾، فَكَانَ اليَقِينُ سَبَبَ النَّجَاةِ وَالفَرَجِ.
وَكَذٰلِكَ يَقِينُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ البَحْرِ، حِينَ قَالَ أَصْحَابُهُ: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فَقَالَ بِقَلْبٍ مُوقِنٍ: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، فَكَانَ اليَقِينُ سَبَبَ انْفِلَاقِ البَحْرِ.
وَمِنْ نَمَاذِجِ اليَقِينِ أَيْضًا: أَهْلُ الكَهْفِ، شَبَابٌ قَلِيلُونَ فِي وَجْهِ طُغْيَانٍ عَظِيمٍ، فَلَمْ يَكُونُوا أَصْحَابَ قُوَّةٍ، وَلَا مَالٍ، وَلَٰكِنْ كَانُوا أَصْحَابَ يَقِينٍ، فَقَالَ اللّٰهُ فِيهِمْ:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: وَلَمْ يَقْتَصِرِ الأَمْرُ عَلَى القُرْآنِ، بَلْ جَاءَتِ السُّنَّةُ مُبَيِّنَةً لِهٰذَا المَقَامِ العَظِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمَا:
«وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللّٰهُ لَكَ»
وَانْظُرُوا إِلَى يَقِينِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الغَارِ، فِي أَحْلَكِ اللَّحَظَاتِ، لَمَّا قَالَ صَاحِبُهُ: لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَرَآنَا، فَقَالَ ﷺ:
«لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّٰهَ مَعَنَا»، فَكَانَ اليَقِينُ أَمَانًا فِي الخَوْفِ، وَنُورًا فِي الظُّلْمَةِ.
فَاعْلَمُوا – عِبَادَ اللّٰهِ – أَنَّ اليَقِينُ لَا يُنَالُ بِالأَمَانِيِّ، وَلَا بِالدَّعَاوَى، وَلٰكِنْ يُنَالُ بِصِدْقِ الإِيمَانِ، وَكَثْرَةِ الذِّكْرِ، وَتَدَبُّرِ القُرْآنِ، وَالثِّقَةِ بِاللّٰهِ عِنْدَ الشِّدَائِدِ.
أَقُولُ قَوْلِي هٰذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللّٰهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ لِلّٰهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللّٰهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: إِذَا اسْتَقَرَّ اليَقِينُ فِي القَلْبِ ظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَى الجَوَارِحِ وَالسُّلُوكِ، فَلِلْيَقِينِ آثَارٌ عَظِيمَةٌ تَشْهَدُ لِصَاحِبِهِ بِصِدْقِ الإِيمَانِ.
فَمِنْ أَوَّلِ آثَارِ اليَقِينِ: الصَّبْرُ عِنْدَ البَلَاءِ، فَصَاحِبُ اليَقِينِ يَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ».
وَلِذٰلِكَ كَانَ أَنْبِيَاءُ اللّٰهِ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً، وَأَعْظَمَهُمْ يَقِينًا.
وَمِنْ آثَارِ اليَقِينِ: الرِّضَا بِقَضَاءِ اللّٰهِ وَقَدَرِهِ، فَلَا يَسْخَطُ وَلَا يَجْزَعُ، بَلْ يُسَلِّمُ الأَمْرَ لِلّٰهِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللّٰهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ فَيَرْضَى.
وَمِنْ آثَارِ اليَقِينِ: قُوَّةُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللّٰهِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ القَلْبُ بِالأَسْبَابِ وَحْدَهَا، بَلْ بِمُسَبِّبِ الأَسْبَابِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللّٰهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ»، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا.
وَمِنْ آثَارِ اليَقِينِ أَيْضًا: الثَّبَاتُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالبُعْدُ عَنِ المَعْصِيَةِ، فَإِذَا عَظُمَ اليَقِينُ فِي القَلْبِ، هَانَتِ الدُّنْيَا، وَخَافَ العَبْدُ مِنَ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللّٰهِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ﴾.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: وَإِذَا كَانَ اليَقِينُ بِهٰذِهِ المَنْزِلَةِ، فَإِنَّ لَهُ أَسْبَابًا يُنَالُ بِهَا، فَمِنْ أَعْظَمِهَا:
تِلَاوَةُ القُرْآنِ وَتَدَبُّرُهُ، فَإِنَّهُ كِتَابُ اليَقِينِ، وَفِيهِ خَبَرُ مَنْ قَبْلَنَا وَنَبَأُ مَا بَعْدَنَا ، وَمِنْهَا: كَثْرَةُ ذِكْرِ اللّٰهِ، فَإِنَّ القُلُوبَ تَحْيَا بِذِكْرِهِ ، وَمِنْهَا: صُحْبَةُ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّ رُؤْيَتَهُمْ تُذَكِّرُ بِاللّٰهِ، وَتَزِيدُ الإِيمَانَ.
فَاتَّقُوا اللّٰهَ عِبَادَ اللّٰهِ، وَاسْأَلُوهُ يَقِينًا صَادِقًا، فَمَا أُعْطِيَ عَبْدٌ بَعْدَ الإِيمَانِ خَيْرًا مِنَ اليَقِينِ.
المرفقات
1770108627_يقين.docx