النبي صلى الله عليه وسلم

صالح عبد الرحمن
1443/02/13 - 2021/09/20 05:35AM

الخطبة الأولى :

الحمدُ للهِ الذي خصنَا بخيرِ رسلهِ، وأنزلَ علينَا أكرمَ كتبهِ، وشرعَ لنَا أكملَ شرائعهِ، أحمدهُ سبحانهُ وأشكرهُ، لا أحصي ثناءً عليهِ، أكملَ لنَا الدينَ، وأتمَّ علينَا النعمةَ، فقالَ جلَّ منْ قائلٍ كريمٍ: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]،

وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولهُ

إنَّ الصلاة على النبي غنيمة

                    من حازها حاز الكرامة وامتلك

فُز بالصلاة على النبي مُرددًا

                       صلى عليه الله ما دار الفلك

صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلمَ  تسليما كثيرا ..

أما بعدُ فاتقوا اللهَ حقَّ التقوى. فالتقوى هيَ وصيةُ اللهِ لجميعِ خلقهِ. ووصيةُ رسولِ اللهِ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ - لأمتهِ، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ﴾ [النساء: 131].

كانَ ثوبانُ مولى رسولِ اللهِ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ - شديدَ الحبِّ لرسول الله، قليلَ الصبرِ عنهُ، فأتاهُ ذاتَ يومٍ وقدْ تغيرَ لونهُ، ونحلَ جسمهُ، يُعرفُ في وجههِ الحزنُ، فقالَ لهُ النبيُّ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ -: مَا غيرَ لونكَ؟! قالَ: يا رسولَ اللهِ، ما بي ضرٌّ ولا وجعٌ غيرَ أني إذا لمْ أركَ اشتقتُ إليكَ واستوحشتُ وحشةً شديدةً حتى ألقاكَ، ثمَّ ذكرتُ الآخرةَ وأخافُ أنْ لا أراكَ هناكَ، لأني عرفتُ أنكَ ترفعُ معَ النبيينَ، وأني إنْ دخلتُ الجنةَ كنتُ في منزلةٍ هيَ أدنى منْ منزلتكَ، وإنْ لمْ أدخلْ لا أراكَ أبدًا، فأنزلَ اللهُ - عزَّ وجلَّ - قولهُ: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69].

 

عبادَ اللهِ: منْ رحمةِ اللهِ بنا أنْ بعثَ فينا محمدًا - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ -، وأمرنا بالإيمانِ بهِ وتصديقهِ، واتباعهِ، والاقتداءِ بهِ، والانتصارِ لهُ، ومحبتهِ، وتقديمهِ على النفسِ والمالِ والولدِ؛ فعلى يديهِ كملَ الدينُ، وبهِ ختمتِ الرسالاتُ، وأرسلَ إليهِ أفضلَ الشرائعِ، وأنزلَ إليهِ أفضلَ الكتبِ, فهوَ خليلُ اللهِ، وهوَ كليمُ اللهِ، وهوَ صفيهُ، وهوَ رسولهُ، وهوَ حبيبهُ.

 وقدِ امتنَّ اللهُ بهِ على الثقلينِ؛ الإنسِ والجنِّ، وأرسلهُ إليهما معًا، ففتحَ اللهُ بهِ أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا، وأخرجَ بهِ الناسَ منَ الضلالةِ إلى الهدى.

إنهُ محمدٌ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ - بلغَ الرسالةَ أحسنَ بلاغٍ، وأدى الأمانةَ أحسنَ أداءٍ، ونصحَ الأمةَ، وجاهدَ في اللهِ حقَّ جهادهِ.

 

 محمدٌ بنُ عبدِ اللهِ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ -: أعزُّ الناسِ نسبًا، وأشرفهمْ مكانةً، أظهرَ اللهُ على يديهِ منَ المعجزاتِ ما أبهرَ العقولَ، ففلقَ لهُ القمرَ فلقتينِ، وتكلمتِ الحيواناتُ بحضرتهِ، وسبحَ الطعامُ وتكاثرَ بينَ يديهِ، وسلمَ عليهِ الحجرُ والشجرُ، وأخبرَ بالمغيباتِ، فما زالتْ تتحققُ في حياتهِ وبعدَ وفاتهِ..

محمدٌ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ - أولُ منْ تنشقُّ عنهُ الأرضُ يومَ القيامةِ، وأولُ منْ يفتحُ لهُ بابُ الجنةِ، وهوَ أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ، وهوَ سيّدُ ولدِ آدمَ أجمعينَ.

 

محمدٌ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ - الذي زكاهُ ربهُ تزكيةً ما عُرفتْ لأحدٍ غيرهُ منَ المخلوقينَ،

 فلقدْ زكى اللهُ عقلهُ فقالَ: ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾ ،

وزكى لسانهُ فقالَ: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾،

وزكى شرعهُ فقالَ: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾،

وزكى قلبهُ فقالَ: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾ ،

وزكى بصرهُ فقالَ: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ ،

 وزكى أصحابهُ فقالَ: ﴿ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ))

 وزكى أخلاقهُ فقالَ: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]،

 

محمدٌ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ - الذي لا تحصَى فضائلهُ، ولا تعدُّ مزاياهُ، فما منْ صفةِ كمالٍ إلا واتّصفَ بها، ولا خصلةِ خيرٍ إلا وتحلى بها. جمعَ اللهُ له أجلَّ المقاماتِ، وأسمى المراتبِ، وأكملَ المناقبِ، إذا ذُكرَ العبادُ فهوَ إمامهمْ، وإذا أشيرَ إلى العلماءِ فهوَ معلمهمْ، وإذا أشيدَ بالشجعانِ فهوَ قائدهمْ، وإذا مُدحَ الدعاةُ فهوَ قدوتهمْ.

 

محمدٌ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ - أرسلهُ اللهُ شاهدًا ومبشّرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى اللهِ بإذنهِ وسراجًا منيرًا، شرحَ اللهُ لهُ صدرهُ، ووضعَ عنهُ وزرهَ، ورفعَ لهُ ذكرهُ وأعلى في العالمينَ قدرهُ، ما رآهُ أحدٌ إلا هابهُ، ولا عاشرهُ أحدٌ إلا أحبّهُ حبًّا جمًّا، صاحبُ الوجهِ الوضاءِ، والطهرِ والصفاءِ، دائمُ الابتسامةِ، مليحُ الوجهِ، أكحلُ العينينِ، كالقمرِ ليلةَ البدرِ استنارةً وضِياءً، أشدُّ حياءً منَ العذراءِ.

 

يقولُ أنسٌ - رضيَ اللهُ عنهُ -: «مَا مَسَسْتُ حَرِيرًا وَلاَ دِيبَاجًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»[1].

كانَ يُعرفُ بريحِ الطيبِ إذا أقبلَ، أحسنُ الناسِ خَلقًا وخُلقًا، وأتقاهمْ للهِ وأخشاهمْ وأكرمُهمْ، أعظمُ الناسِ تواضعًا، يُخالطُ الفقيرَ والمسكينَ، ويمشي معهمْ، وينطلقُ معَ الجاريةِ الصغيرةِ تأخذُ بيدهِ حيثُ شاءتْ، ولا يتميزُ عنْ أصحابهِ بمظهرٍ، يزورُ كبيرهمْ ويسلّمُ على صبيانهمْ، يأتي ضعفاءهمْ ويعودُ مرضاهمْ، ويشهدُ جنائزهمْ، يجلسُ على الأرضِ ويأكلُ عليها، يعقِلُ الشاةَ ويحلبهَا، يخصفُ نعلهُ ويخيطُ ثوبهُ ويخدمُ أهلهُ.

 

يبيتُ اللياليَ طاويًا بلا عشاءٍ، يعصبُ الحجرَ والحجرينِ على بطنهِ منْ شدةِ الجوعِ، يقبلُ الهديةَ ولا يأخذُ الصدقةَ، أشجعُ الناسِ، وأرحمُ الناسِ، وصدقَ اللهُ: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].

 

وأجملُ منكَ لمْ ترَ قطُّ عيني 

                 وأفضلُ منكَ لمْ تلدِ النساءُ 

خُلِقتَ مبرّأً منْ كلِّ عيبٍ 

                كأنّكَ قدْ خُلِقتَ كما تَشاءُ 
 
 
فَمَا أعظمهُ منْ رجلٍ! وما أجلهُ منْ نبيٍّ! وما أعزَّهُ منْ رسولٍ! صلى اللهُ عليهِ وسلمَ.

حُقَّ لنا معشرَ المسلمينَ الفخرُ بهذا النبيِّ الكريمِ ومباهاةُ الأممِ بهِ.

أسألُ اللهَ - سبحانهُ وتعالى - أنْ يعظمَ محبةَ رسولهِ في قلوبنا، وأنْ يجعلَ محبةَ رسولِ اللهِ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ - أعظمَ عندنا منْ محبةِ أنفسنا وأهلنا، وآبائنا وأمهاتنا، وأزواجنا وبناتنا

.

باركَ اللهُ لي ولكمْ بالقرآنِ العظيمِ.

 

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ الذي جعلَ محبتهُ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ - منَ الإيمانِ، وجعلَ سُنتهِ طريقًا لدخولِ الجنانِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، أمرَ بمحبةِ النبيِّ العدنانِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولهُ خيرَ مَنْ صلى وصامَ - صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وأصحابهِ الكرامِ.

أيها المسلمونَ:

إنَّ البرهانَ الصادقَ لمحـبةِ النبيِّ - صلى اللهُ عليهِ وسـلمَ - هوَ تعظـيمهُ وإجـلالهُ وطاعتهُ، وكذا تعظيمُ ما جـاءَ بهِ منَ الشـريعةِ الحـنيفيةِ السمحةِ منْ غيرِ غلوٍ ولا جفاءٍ، كما فهمها سلفُ هذهِ الأمةِ وطبقوها في واقعِ حـياتهمْ.

 ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]

أيها المسلمونَ، بعضُ الناسِ يدعي محبةَ النبيِّ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ -، وإذا نظرتَ في أقوالهِ وأعمالهِ رأيتهُ مخالفًا لشريعتهِ وهديهِ، والمسلمُ حقًا صلتُهُ بمحمدٍ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ - صلةٌ على الدوامِ وفي كلِّ الأحوالِ، فهوَ في وضوئهِ وصلاتهِ وفي صومهِ وحجهِ وزكاتهِ وكلِّ معاملاتهِ، في أكلهِ وشربهِ ونومهِ ويقظتهِ، وفي كلِّ أخلاقهِ وسلوكهِ وتصرفاتهِ، مقتدٍ بالحبيبِ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ.

 

 

 

المشاهدات 393 | التعليقات 0