الميزان (مختصرة + مشكولة)
صالح عبد الرحمن
خطبة عن الميزان 1447/11/14هـ (مختصرة + مشكولة)
الخطبة الأولى:
الحمد للهِ الكريمِ الحليمِ، هو الأوَّلُ والآخرُ، والظاهرُ والباطنُ، وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعد: فاتقُوا اللهَ أيها المؤمنون (وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
نُفخَ في الصورِ، وبُعثرَ ما في القبورِ، وقام الخلقُ ليومِ النشورِ.
(يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ۚ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا)
ومن المواقفِ العصيبةِ في ذلك اليوم: موقف الميزان!
حينَ يُوقَفُ الناسُ لوزنِ أعمالِهم، وتقديرِ حسناتِهم وسيئاتِهم، يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (يُوضَعُ الميزانُ يومَ القيامةِ، فلو وُزِنَ فيه السمواتُ والأرضُ لوَسِعَت)
يوضعُ الميزانُ، فترصد الحسناتُ في كفةٍ، والسيئاتُ في كفةٍ، فيا تُرى أيُّ الكفتين سترجح؟
ألا ما أصعبَ الموقف، وما أشدَّ المقام!
(يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) في ذلك اليومِ، لن تنفعَ الأمانيُّ، ولن ينجيَ الإنسانَ إلا عملُه.
يأتي اللهُ بكل عملٍ حسنٍ، وبكل عملٍ سيءٍ، بالقليلِ والكثيرِ، والصغيرِ والكبيرِ (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ)
ها هي أعمالُك التي قدمتَها في دارِ العملِ، تُوضعُ هنا، وتوضعُ هنا (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)
القلوبُ واجفةٌ، والأبصار خاشعةٌ، والنفوسُ مترقبةٌ للنتيجةِ النهائيةِ.
توزنُ الأعمال، فيرى الناسُ مثاقيلَها الحقيقيةَ، سيُبصرُ الذاكرون كم كانتْ تلك الحركاتُ الخفيفةُ التي يحركونَ بها ألسنتَهم، ذاتَ وزنٍ عظيمٍ عند اللهِ. فكلمةٌ تملأُ الميزانَ من جوانبِه، قالَ عنها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ المِيزانَ). وكلمتانِ قال -عليه الصلاة والسلام- فيهما: (حَبِيبَتانِ إلى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتانِ علَى اللِّسانِ، ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ)
وأما كلمة لا إله إلا الله فشأنُها خاصٌّ، ووزنُها أصعبُ من أن يتخيلَه إنسانٌ، قال أولُ الرسلِ نوحٌ -عليه الصلاة والسلام- في وصيتِه لابنِه (آمُرُك بلا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّ السَّماواتِ السَّبعِ والأرَضينَ السَّبعَ، لَو وُضِعَتْ في كفَّةٍ، ووُضِعَتْ لا إلهَ إلَّا اللهُ في كفَّةٍ، لرجَحت بهنَّ)
وسيعلمُ المؤمنُ أنَّ أثقلَ الأعمالِ بعدَ توحيدِه، هو تخلقُه بالأخلاقِ الحسنةِ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (أثقلُ شيءٍ في ميزان المؤمنِ خُلُقٌ حَسَنٌ).
ويرى المؤمنُ فضلَ ربِّه عليه، حينَ تثقلُ كِفةُ الحسناتِ بأعمالِه الصالحةِ،
ومما سيتفاجأُ به المؤمنُ في ميزانِه، أنه سيرى سيئاتِه التي تاب منها ثم أتبعَ تلكَ التوبةَ بالإيمانِ والعملِ الصالحِ، سيرى تلك السيئاتِ من كبائرَ وصغائرَ في ميزانِ حسناتِه يوم القيامةِ، قد بدَّلها الله بفضلِه وكرمِه، قال سبحانه: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)
ومن الأمور المفجعة في الميزانِ، أن يكتشفَ الناسُ حقيقةَ أعمالٍ كانوا يظنُّون أن لها وزناً، فإذا هي لا تزنُ عند الله شيئا، قال سبحانه: (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا). وذلك أنها أعمالٌ ما أُريدَ بها وجهُ الله، وما كانتْ على شريعةِ الرسلِ وطريقِهم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا).
اللهم اغفر ذنوبنا، وتقبل أعمالنا، وثقل موازيننا.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ ربِ العالمينَ، يوالي على عبادِه مواسمَ الخيرِاتِ، ليكفّرَ عنهم السيئاتِ، ويرفعَ لهم الدرجاتِ، وأشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه أجمعين أما بعد.
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (إنَّه لَيَأْتي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَومَ القِيامَةِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وقالَ: اقْرَؤُوا {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)
وفي المقابلِ سيَثْقُلُ الميزانُ بأقوامٍ كانوا في الدنيا لا يؤبهُ لهم.
فحين ضحكَ الصحابةُ من دقةِ ساقَي عبدِ الله بن مسعودٍ -رضي الله عنه- قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم (مم تَضحَكونَ؟! لَرِجْلُ عَبدِ اللهِ أثقَلُ في الميزانِ يومَ القيامةِ مِن أُحُدٍ)
ومن رحمةِ اللهِ بعباده، أن جعل الحسناتِ تُضاعفُ مثاقيلُها إلى عشرةِ أضعافٍ ويضاعِفُ اللهُ أكثرَ من ذلك لمن شاءَ. وأما السيئةُ فتوضعُ بلا مضاعفةٍ.
ينتهي الوزنُ، وتُعلنُ النتائجُ (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ)
ويبقى أقوامٌ قد استوت حسناتُهم مع سيئاتِهم، لا يدخلون الجنةَ ولا النارِ، فيكونون على سورٍ بينهما سماه اللهُ في كتابه بالأعراف، حتى يتولاهم اللهُ برحمتِه، ويدخلُهم الجنةَ بفضلِه.
اللهم وفقنا لعمل الصالحات، وترك المنكرات.