الفأل الحسن ويوم عاشوراء

الخطبة الأولى:

الحمد لله الملك المعبود، ذي العطاء والمَنِّ والجود، الله الواحد الأحد والملائكة وأولو العلم والمؤمنون على ذلك شهود، وأشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صاحب المقام المحمود والحوض المورود، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

أيها المسلمون: نحن اليوم في أول جمعة من هذا العام الذي نسأل الله أن يدخله علينا وعلى أمة الإسلام بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما يحب ربنا ويرضى، نسأل الله أن يجعله عامَ بركة ونصر وعز للإسلام والمسلمين..

عامٌ هجري جديد، يبدأ بهذا الشهر العظيم الحرام المحرم، أول الأشهر الحرم، فيه نتذكر أحداثا عظاما غيّرت مجرى التأريخ كله، نتذكر أول نجاة لنبي الله نوح، استوت سفينته على الجودي في يوم عاشوراء، ونجى الله موسى عليه السلام في يوم عاشوراء، وفيه بدأ تأريخ المسلمين بهجرة المصطفى من مكة إلى المدينة، وبعدها فتح الله على المسلمين فتوحا عظيمة حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً...

هذه الأحداث المهيبة العظيمة تعود ذكراها علينا كل عام، لتُشعرنا بالفأل الحسن، والأمل القريب، والرجاء الأكيد بنصر الله وفتحه وعزه وتمكينه، وعد حق بأن العاقبة لهذا الدين لا محالة، كم مكث نوح عليه السلام في دعوته، ألف سنة إلا خمسين عاما، كلها يدعو إلى الله سرا وجهارا، حتى رأى التكذيب والصدّ وما آمن معه إلا قليل فدعا فقال: ( رب انصرني بما كذبون ) فأنجاه الله خيرُ الناصرين.

كم عُذب اليهود في مصر على يد فرعون، حتى نصرهم الله ببعثة كليم الله موسى ونجاه في يوم مشهود في يوم عاشوراء ولما ذكر الله قصتهم مفصلة ذكر لحظة النجاة الحاسمة واللحظة التاريخية فقال الملك: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى )

انفلق البحر وانشق اثنتي عشر طريقًا، لكل سبط وقبيلة طريق يسيرون فيه، وأمر الله ريح الدبور، فغيّرت حال البحر حتى صار يابسًا لا يعلق في سنابك الخيول والدواب. ثم مشى المؤمنون فيه مسرعين مستبشرين مبادرين، وأغرق الله العتاة المجرمين بقوله سبحانه كن فيكون..

ولمـا ذكر الله قصة نجاة المؤمنين وغرق الطغاة قال:

 (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) عبرة للمؤمن ليطيب عند البلاء خاطره، وعبرة لكل ظالم أن هذا المصير مصيره، وإن طال أمده وعظم بأسه.

يذكرنا العام الهجري بهجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم، كم صبر على أذى قومه كم عانى من كفرهم وتكذيبهم، كم عُذب في ذات الله بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام، ثلاث عشرة سنة في مكة يدعوهم إلى لا إله إلا الله فيصدوا ويستكبروا استكبارا، حتى أذن الله له بالهجرة إلى طيبة الطيبة ليقيم فيها شرائع وشعائر هذا الدين ليكون النور المبين والرحمة للعالمين..

عام جديد نبدأ فيه بأول مناسبة شرعية بصوم يوم عاشوراء يوم عظيم يوم فرح وسرور وحبور بنجاة المؤمنين، يوم فأل عظيم، يوم فأل والله وقد كان  يحب الفأل ويعجبه الفأل وهو في أشد الظروف كان يتفاءل، فأل يتبعه عمل وثقة بالواحد الأحد...

نتفاءل ونحسن الظن بالله سبحانه، لأن من سنن الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتحول أنها ما ضاقت أبواب إلا فتح الله من الخير أضعافًا؛ فثقوا بالله ووعده، واستعصموا بدينه، واذكروه على الدوام، وكونوا على هذا  الحق أعوان، كونوا أنصار الله، كونوا مفاتيح لكل خير مغاليق لكل شر فطوبى ثم طوبى لمن كان هذا صنيعه، راضيا بربه محباً لرسوله، ناصراً لدينه وأوليائه، طوبى لمن كان غيورا على هذه الأمة، يحب المعروف وأهله، ويُبغض المنكر وأهله،  ثابتاً على الطاعات وإن زُينت له الدنيا وزُخرفت له الحياة، فإن نَصَرَ اللهُ هذا الدين وهو يرى كان هذا مُناة، وإن لم يره فقد مات ميتة يحبها الله فلقي الله وهو عنه راض..

اللهم إنا نسألك للمؤمنين نصرًا عزيزا، وأمرًا رشيدًا، وفرجاً قريبًا اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل الدين وأنت السميع العليم...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وأنجز وعده وهزم الأحزاب وحده، وصلى الله وسلم وبارك على من لا نبي بعده... وبعد:

أيها المسلمون: من أعظم الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى التقرب إليه بالنوافل كما جاء في الحديث (( ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه)) ، فإذا أردتَ أن يحبك الله، فأكثر من النوافل، وإذا أحبك الله فأبشر بسعادة الدارين، ومن النوافل التي تقربك من الله: الصيام، ( ومن صام يومًا في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا، وأفضل الصيام بعد رمضان في هذا الشهر شهر الله المحرم) ..

وكلكم يعلم ما جاء في الأحاديث الصحيحة من فضل صيام يوم عاشوراء وحرص رسول الله على صيامه قال ابن عباس رضي الله عنهما:

(ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره، إلا هذا اليوم: يوم عاشوراء )؛ رواه البخاري ومسلم، ومعنى "يتحرى"؛ أي: يترقب ويتهيأ لصومه؛ لتحصيل ثوابه والرغبة فيه.
وصيامه يعدل صيام عام كامل (صيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)؛ مسلم.

( ولئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع ) مخالفةً لليهود والنصارى،

ويوم عاشوراء عباد الله هذا العام يوافق يوم الثلاثاء المقبل بحول الله، وأفضل صيامك أن تصوم يوم الإثنين والثلاثاء، فإن لم تستطع فالثلاثاء والأربعاء، فإن كان يشق عليك فصومك يوم الثلاثاء يجزئك ولله الحمد والمنة..

اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم .......

 

المرفقات

1771250315_الفأل الحسن ويوم عاشوراء.docx

المشاهدات 18 | التعليقات 0