الغناء

الخطبة الأولى:

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه ومذل من خالف أمره وعصاه مجيب دعوة الداعي إذا دعاه ، من أقبل إليه صادقا تلقاه ومن ترك لأجله أعطاه فوق ما تمناه، سبحانه من إله عظيم عطاؤه وبره وإحسانه ملأ أرضه وسماه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي اجتباه ربه واصطفاه، اللهم فصل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن نصره وآواه واقتفى أثره واتبع هداه.

أما بعد: ألا فاتقوا الله عباد الله واعلموا أننا في دار ابتلاء واختبار وأن المعركة بيننا وبين إبليس وجنده من الجن والإنس دائمة لا تتوقف، قد أقسم يوم أن لعنه الله وأهبطه إلى الأرض أن يشن حرباً لا هوادة فيها، وأن يجند لها كل من استطاع أن يغويه من عباد الله، إلا أن وسيلةً من وسائله عظيمة الأثر في إفساد القلوب والإعراض عن الحق يستخدمها إبليس ليضل بها عباد الله، وكثير من الناس لا يفطن لخطرها وإن ذكِّر استهان بها، يزنها الشيطان ويؤز من أطاعه بها أزاً واسمعوا لقول الله وتأملوا:

 وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا

 

أول وسيلة من وسائل إغواء الشيطان لبني آدم  ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ ) قال مجاهد: أي استفز بني آدم بالغناء واللهو وكل داع للمعصية...

 

الغناء عباد الله، كتاب الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية الزنا واللواط، وهو رسول العاشقين الفسقة لينالوا ما يريدون، وهو سبيل تسلط الجن على الإنس، وهذا الغناء الذي أصبحتَ لا تكاد تجد من نجا منه إلا من عصم الله، خاصة في زمن ما يسمى بالشيلات وهي في أصلها أغاني لا فرق بينهما إلا في المسميات ، هذا الغناء قد جاء له في الشرع وعند أهل العلم بضعة عشر اسماً: من ذلك: اللهو، واللغو، والباطل، والزور، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنا، وكتاب الشيطان، ومنبت النفاق في القلب، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان، ومزمار الشيطان، والسمود، وهو الغناء بلغة حِميَر.

أسماؤه دلت على أوصافه            تباً لذي الأسماء والأوصاف

 

يقول الله تبارك وتعالى:  وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ   وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءايَـٰتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  قال ابن مسعود  : ( والله الذي لا إله غيره أنه الغناء )، يرددها ثلاث مرات، وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه الغناء، وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما، وهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم الذين فسَّروا لهو الحديث بالغناء شهدوا الوحي والتنـزيل، فهم أعلم الناس بكلام الله..

 وقد جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما تقول في الغناء، أحلال هو أم حرام؟ فقال له: (أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة، فأين يكون الغناء)، فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: (اذهب فقد أفتيت نفسك).

هذا الغناء في زمن ابن عباس فكيف رأى ابن عباسٍ غناء هذا الزمان ؟؟...

 

الغناء: ينبت النفاق في القلب كما قال ذلك ابن مسعود  ، والغناء والقرآن لا يجتمعان في القلب أبداً لما بينهما من التضاد، فالقرآن ينهى عن اتباع الهوى ويأمر بالعفة، وترك الشهوات، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك بل ويحسنه. أليس الغناء يهيج النفوس إلى الشهوات، فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، أليس هو الذي يسوق النفوس إلى وصل كل امرأة وصبي؟ فهو والخمر رضيعا لبان، وفي تهيجهما على القبائح فرسا رهان، فإنه صِنْو الخمر ورضيعه ونائبه وحليفه وخدينه وصديقه، عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذي لا يفسخ، وأحكم بينهما شريعة الوفاء التي لا تنسخ، وأكثر ما يورث الغناء الزنا، واستحسان الفواحش، كبائر كبيرة يكرهها الله تعالى ويمقتها...

 

أيها المسلمون، حذرنا نبينا   من سماع الغناء واتخاذ آلات اللهو والمعازف فقال   ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)) رواه البخاري. ومعنى ((يستحلون الحِرَ)): أي الزنا، والمعازف هي آلات اللهو كلها، ولا خلاف بين أهل اللغة في ذلك، ولو كانت حلالاً لما ذمهم    على استحلالها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر والحرير.

وقد أفتى علماء الأمة والمحققون من أهل العلم قديماً وحديثاً بتحريم سماع الغناء.

فهو حرام حرمة بينة، لا تخفى إلا على من ختم الله على قلبه أو عقله، عياذاً بالله.

وغناء اليوم، أشد حرمة من غناء الأمس من أوجه عديدة، كل وجه منها يكفي لردع من كان في قلبه مثقال ذرة من حياة وإيمان وخوف من العزيز الجبار

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على رسول الله.. وبعد:

ظهور المعازف والأغاني والمجاهرة بها مؤذن بزوال النعم وحلول العذاب والنقم كالخسف والمسخ والقذف، قال  : ((يكون في أمتي قذف ومسخ وخسف!!)) قيل: يا رسول الله متى ذلك؟ قال: ((إذا ظهرت المعازف وكثرت القيان وشربت الخمر)) رواه ابن ماجه وسنده صحيح،

 

عباد الله، كلما كان الذنب مستورا ولازمه خوف من العبد من ربه كان الذنب أقرب للعفو والمغفرة والستر من الله، إذا تاب العبد وأقلع فالله ستير يحب الستر، وإن الأمر الأعظم والخطب الأكبر حينما يجاهر العبد بمعصيته، ويستصغرها فلا يرى نفسه مذنبا، وهذا موت في الضمائر وطبع على القلوب وتبلد في الإحساس.

وقد صح  عن رسول الله قوله : ( كل أمتي معافى إلا المجاهرين )

 

فيا عبد الله:

خـل الذنـوب صغيرها وكبيرها ذاك التقـى

واصنع كماش فوق أرض الشوك يَحذر ما يرى

لا تَحقـرن صغيرة إن الْجبـال من الْحصـى

املأ قلبك يا عبد الله بالقرآن، اسأل الله أن يجعله ربيع قلبك وشفاء سقمك وفرج همك وعلاج صدرك، والله لهو الراحة وهو السكينة وهو الشفاء وهو الموعظة، ووالله إن بتلاوته لتطمئن القلوب، ويغشاها كل سَعة وسرور وحبور، ألا ترى حالك إذا قرأت القرآن فدمعت عيناك من خشية الله تعالى كيف هي الراحة التي تغشَّتك ولازمتك، هذا وأنت تبكي، وانظر لحال من استفزهم الشيطان بصوت الغناء يضحكون ويتمايلون لكنه ضيق يلازمهم ونكد يتغشاهم، وهي كذلك المعاصي ضيق ونكد وكدر واسمعوا لقول ربي جل جلاله لتعرفوا أثر القرآن وأثر غير القرآن:

)قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ *  وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ  *قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ *  وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ )
 
 

المرفقات

1771250216_الغناء.docx

المشاهدات 13 | التعليقات 0