العين حق

الخطبة الأولى:

الحمد لله ربِّ العالمين، الحمد لله من عليه المُعتمد، وإليه المُستند، ومِنه المُستمد، وهو القوي العزيز، وأشهد أنْ لا إله ولا رب لنا سواه، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله، خيرة خلقه، وأكمل أحبابه، صلى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى به في كل حالاته..

أما بعد، أيها الناس:

فاتقوا الله ربكم وراقبوه، وأكثروا الأوبة إليه والتوبة، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فإن اليوم عمل وغدا حسابه، وكلٌ إلى الله تعالى إيابه، فناظر كيف تعملون...

أيها المسلمون:

في الحديث الصحيح أن النبي  rخرج مرة في أحد أسفاره فحدثت حادثة كادت أن تودي بحياة أحد أصحابه، وقد جاء في القصة أن صحابيا اسمه سهل بن حنيف كان جميلا أبيض، حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، يعني: أنَّه مَا رأى قبل هذا اليوم جسدًا في الحُسن كجسد سهل بن حُنَيف، ولا حتى في النساء المُخَبَّآت اللاتي لا تراها العيون، ولا تَبرز للشمس فتغيِّر لون جلدها.

فلما قال عامر بن ربيعة هذا القول أصابت عينه سهل بن حنيف جاء في القصة أن سهلا صرع مكانه ووَاللَّهِ مَا كان يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَمَا يُفِيقُ،

فأتوا رسول الله  rفأخبروه الخبر فقال: "هل تتهمون به من أحد" قالوا عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله عامر فتغيظ وغضب عليه وقال: "علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلاَّ إذا رأيت ما يعجبك بركت؟ اغتسل له" فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صُب الماء عليه من خلفه وعلى رأسه وظهره، فقام سهل مع الناس ليس به بأس.

 

الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، وقد دَلَّ على حصول أثرها القرآن والسُّنَّة والإجماع والحِسُّ المُشاهد، ولم يُنكرها إلا شُذَّاذ الخلق، وقد أخبر الله سبحانه في سورة يوسف عن نبيه يعقوب ــ عليه السلام ــ أنَّه حين خَشي على بنيه العين أمرهم أنْ لا يدخلوا مصر جميعًا مِن باب واحد، وقد كانوا عددًا وذَوِي صورةٍ وجمال(  وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ  وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا)، وحاول الكفار زمَن النبي صلى الله عليه وسلم أنْ يُصيبوه بالعين فحَماه الله مِن عيونهم، حيث قال الله تعالى في سورة القلم ) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (

عباد الله:

قال المصطفى r : ( إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ ) الإنسان قد يُصيب نفسه، أو ماله، أو مركبته، أو ولده وأهله، أو صديقه، أو غيرهم بالعين إذا رأى فيهم ما يُعجبه فالحل أن يدعو لهم فيقول بارك الله فيك، أو بارك الله لك، أو بارك الله عليك أو ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيدعو الله بالبركة فيهم ولهم، لأن الأمر يتعلق بحياة مسلم أو هلاك مال وتلفه فلذلك شّدد رسول الله في أمر العين فقال "العين حق إنها لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتي في العين"، أكثر هلاك هذه الأمة المحمدية في العين يهلكون بأمراض فتاكة لا يُعلم علاجها أو موت مفاجئ أو نحو ذلك، نسأل الله العفو والعافية.

 

فليتقي العبدُ ربّه إن رأى شيئا أعجبه من أخيه ولم يتمالك نفسه ولم يلزمها بلباس البركة والمحبة للمسلمين والمودة أن يغتسل لأخيه ويبادر بإعطائه غُسْلَه حتى يبرأ، قال r ( الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا ) إن طُلب منكم أن تغتسلوا لأحد فلا ترفضوا ومن أبى فقد عصا أبا القاسم r، وإن كتم هذا العائن ما كان منه من حسد وعين وبقي هذا مصروعاً يُذهب بها في كل مشفى وعند كل راقٍ ولا يكون في قلب هذا أدنى رحمة فهو والله على خطر كبير والوعد الحق يوم اللقاء العظيم بين يدي من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

اللهم احفظنا بحفظك واكلأنا بعينك التي لا تنام

أستغفر الله لي ولكم

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، وسلامٌ على عباده المرسلين، وآلهم وأصحابهم وأتباعهم إلى يوم الدين.

أما بعد، أيها الناس:

أما عن كيفية العلاج من العين فإن عُرف العائن فالحديث واضح بيّن في كيفية العلاج كما جاء في الحديث السابق فيؤخذ ماء في وعاء فيتوضأ العائن فيه ويمج من فمه ثم يغسل ما يلي ثوبه في هذا الوعاء ثم يصب هذا الماء على المريض من خلفه وفي داخل جسده..

هذا إن عُرف العائن وإن لم يعرف فالرقية بالكتاب والسنة شفاء من كل داء وعافية من كل بلاء، لِما صحَّ عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ ) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَسْتَرْقِيَ مِنَ الْعَيْنِ (  ولِما صحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت عميس ــ رضي الله عنه ــ(   مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ )  قَالَتْ: لَا، وَلَكِنِ الْعَيْنُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ، فقَالَ:  (ارْقِيهِمْ).

 وخير الرقية رقية الإنسان لنفسه ومن تحت يده، بالفاتحة يقرؤها مرارًا سبعا سبعا، وآية الكرسي والمعوذات والأدعية الواردة عن الحبيب r.

 

ألا فامشوا في الأرض عباد الله مطمئنين متوكلين على من بيده تصريف الأمور، والحذر الحذر من الوساوس التي جعلت من كل فشل باباً من العين، يجب أن تمتلأ قلوبنا توكلا على الله تعالى.

 نتحصن به سبحانه صباحا ومساء من كل شيطان وهامَّة ومن عين لامّه.

 نتحصن به بآية الكرسي التي من قرأها في صباحه كان عليه من الله حافظ حتى يمسى ومن قرأها في مسائه كان عليه من الله حافظ حتى يصبح.

 

 نتحصن به سبحانه مئة مرة بقولنا لا إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير من قالها في يومه كانت له حرزا من الشيطان يومه كله.

 نتحصن بالله بأدائنا لصلاة الفجر جماعة فمن صلى الصبح في جماعة كان عليه من الله حافظ حتى يصبح، نتحصن بالله الواحد الكافي بما صح من سنة المصطفى r.

 

ثم إني أوصي نفسي وأحبتي أن يكفوا عن تصوير خصوصياتهم في وسائل التواصل، من الخطأ الكبير الذي هو طامة من طوام هذا الزمن أن ترى الرجل إن سافر صور وإن أكل صور وإن بدا له جمال ولده صور وإن ذهب لمزرعته واستراحته صور، يصور كل شيء في حياته، لم يعد في الناس خصوصيات،

هذا والله قد عرض نفسه وولده وماله للعين، فإن كنت سعيدا مع أسرتك فآلاف الأسر مشتتة قد أهمهم الفراق والشتات والطلاق، وإن كنت قد رزقت بفلذات أكبات فغيرك يبذل الغالي والنفيس لتقر عينه بالولد، وإن كنت قد وسع الله عليك في مال ومطعم ومشرب فغيرك ليس عند ما أنست به نفسك وقرت به عينك، فاتقوا الله واشكروا نعمه واقضوا حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود.

المرفقات

1771250034_العين حق.docx

المشاهدات 15 | التعليقات 0